للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الرابطة عند النقشبندية وطاعة المريد لشيخه

(س١٠) من ع. س. ط. في سنغافورة.
حضرة العالم الفاضل السيد محمد رشيد رضا، صاحب (المنار) المنير
بمصر.
قد كثرت الضوضاء والأخذ والردّ في هذه الأيام بين مجلة (الإمام) بسنغافورة
ومَن يثق بها، وبين من يسمون أنفسهم أهل الطريقة وأرباب السلوك، وذلك بسبب
السؤال الآتي والجواب عنه والمجادلات فيه، ولأن المنار هنا له اعتبار عند أولي
الأبصار، أحببنا أن يكون الحَكَمَ في هذه القضية لكي تقطع جهيزة صوت كل
خطيب، حيث قد امتلأت الأسماع نقيقًا , وأعمدة الجرائد سوادًا , والقلوب شُبهًا
فنؤمِّل بسط الجواب وبيان الحق بأدلته ودحض الشُّبه الباطلة ولا بُدَّ أن تكونوا قد
كتبتم سابقًا في هذا الصدد؛ فنرجوكم أن لا تُحِيلُونا على ما ليس بأيدينا أثابكم الله.
أما السؤال المثير للجدال فهو: ما قولكم في الرابطة التي يلزم بها مشايخ
الطريقة النقشبندية المريدين، ومعناها أنه لا يصحّ منهم ذكر الله إلا بعد إحضار
صورة الشيخ في قلب المريد , ثم يشرع في الذكر مع حضورها ويتركه إذا غفل
عنها؛ لأنه حينئذ باطل لتمكن الشيطان من المريد لخلوّ قلبه من صورة الشيخ، وأن
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} (آل عمران:
٢٠٠) دليل لهم وقوله تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ} (المائدة: ٣٥) أمرٌ بها،
أي مع التفسير المذكور إلى نحو ذلك، وجاء في سؤال آخر إلى مجلة الإمام: إن
من حق الشيخ أن يمنع المريد عن إجابة أبيه وأمه المسلمَيْنِ إذا نادياه , ولو كان في
النزع، وكذا منع الزوجة عن زوجها والعكس، وقد وقع ذلك هنا ومات المريض
حزينًا. ويقولون: إن الشيخ يربي التلميذ بذلك.
ومن السؤال أيضًا قولهم: يجب على التلميذ متابعة شيخه بدون سؤال أو تردد
ولا يجوز له أن يعترض على شيخه ولو رآه على فاحشة؛ لأنه كالنبي المرسل
بالنسبة إليه ولا ينكر عليه ولا بقلبه وإن عقوبة الإنكار حينئذ الحرمان، وأوجبوا
على المريد أن يعتقد أنه لا يمكن أن يصل إليه مدد ولا خير من ربه إلا بواسطة
الشيخ؛ لأنه الوسيلة له. وللشيخ محلات للسلوك والتلقين يحشر إليها جملة من
الرجال الشّبّان والنساء الشوابّ يجتمعون بها من غير محرمية، بل جلهم جهال
بالواجبات العينية، وإن الذكر وَحْدَهُ كافٍ للوصول والقرب من الله ولو ترك أكثر
الفروض العينية. وقد أجابتهم مجلة الإمام بالمَنْع في الجميع، وأن تلك المبادئ مما
تبع ضلال الأمة فيها مَنْ قبلهم من الأمم، وإن بعضها فيه ميل إلى جانب الشرك،
وقد نقل الإمام ما قاله المفسرون في الرباط الشرعي والوسيلة الشرعية , وجزم بأن
عبادة الله لا تجوز بغير ما شرعه الله، وأن من زاد فيها كمن نقص منها، مبتدع
مردود عليه قوله، وأن الرابطة بالمعنى المذكور في السؤال لم يُعلّمها النبي أحدًا من
أصحابه , ولا علمها الصحابة أحدًا من التابعين، وأن تطهير القلوب من الصور
والتماثيل ليس بأولى مِن تطهير محلات العبادة منها. وأنه يحرم متابعة الشيخ فيما
نهى الله عنه ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ومن شرع للعباد ما لم يأذن به
الله فهو ضالّ مُضِلّ، وأن أعظم مرشد وأعلم طبيب ديني هو نبينا محمد صلى الله
عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد أكمل الله به الدين، فلا دواءَ ديني نافع إلا وقد
بيّنَه لنا، ومَن لم تشف أمراض قلبه أدوية القرآن لا شفى الله مرضه، وأن النبي
أرشدنا إلى دواء الوسواس، وهو ذكر الله ليخنس الشيطان، فمن لم يخنس شيطان
وساوسه بذكر الله فهو الكاذب , ومستحيل أن يخنس لحضور صورة شيطان مثله في
قلب موسوس متهوس , وما في السؤال من الآداب هو ضدّ الأدب في الإسلام , ولم
يؤدبنا به النبي , ولم يعمل به الصحابة، فعلى طالب الحقّ أن يلزم هدي محمد
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ويجتنب البِدَع إلى نحو ذلك.
واعترض أهل الطريقة بزعمهم أن الجنيد والجيلاني وأضرابهما أوجدوا
الرابطة بمعناها المشروح أعلاه , وإلزام المريد بما ذكر من الشروط، وأن لا يمنع
المريدُ الشيخَ أي شيء أراده مِن نفسه أو ماله سواء كان ذكرًا أم أنثى، وأن الإمام
وأصحابه خرجوا عن الدين ومَرَقُوا منه بإنكارهم إلى نحو ذلك.
وإنا نسأل مِن المنار المنير إبداءَ ما يراه الصوابَ في هذا الموضوع مع البيان
الشافي، فإنّا إلى ذلك محتاجون، نعدّ الأيام والساعات، والله المسئول أن يديمكم
نفعًا للعباد وشجى في حلوق أهل البدع والإلحاد آمين.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ع. س. ط
***
(س١١) من س. س. في (كوالا لمغور) في جنوب ميلاي.
سيّدي، تصدر في سنغافورة مجلة عِلْمِيّة مِلِّيَّة بلغة الملايو، اسمها (الإمام)
يكتب فيها بعض رجال الإصلاح , ومحررها رجل وطنِيّ اسمه عباس بن محمد طه،
وهو مِن خِيرة شُبّان هذه البلاد عِلْمًا وعَمَلاً، اشتهر أخيرًا بمحاربة البِدع
والخرافات التي ألصقت بالدين.
وفي المجلة باب للفتوى، وقد سئل منذ أشهر عن الرابطة المعروفة عند أهل
الطريقة النقشبندية، وهي إحضار المريد صورة الشيخ في القلب عند الذكر،
وبربطه من جملة الإرادة التامّة , واستفادة علم الواقعات حتى يفنى تصرفه في
تصرف الشيخ أخذًا من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ
الوَسِيلَةَ} (المائدة: ٣٥) . وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا
وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: ٢٠٠) . وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: ١١٩) . فأفتى الإمامُ بأنّ الآمرين
بفعل هذه الرابطة والعاملين بها ليس لهم مستند من الكتاب أو السنة. وأن الآيات
التي جعلوها سندًا لهم لا تدلُّ على مرادهم ألبتة. ثم أورد أقوال المفسرين كالخازن
والجلالين في الآيات المذكورة , إلخ ما جاء في الجواب. ثم قال: إذًا فإحضار
المريد صورة الشيخ في قلبه عند الذِّكْر هو إشراك بالله. وهذا ما جاء الإسلام لمحوه،
أو ما معناه. ثم أنحى على أهل الطرق الآن , ونسب كثيرًا منهم للدجل والتضليل،
وأورد لنفي الرابطة آيتين آية: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} (النساء:
٣٦) وآية: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: ٥) .ا. هـ
بالمعنى.
فلما نشرت هذه الفتوى وهاته التصريحات التي لم يعهد لأحد مِن قبل هذا
الشاب التصريح بها، قامت قيامة شُيُوخ الطُّرُق في هذه المستعمرة , ونسبوا للإمام
ومحرره تضليل عباد الله الصالحين , وأوهموا العامَّة أن الإمام يسعى في هدم
المعتقدات , وهم إلى الآن يحرضون العامَّة بِهجر الإمام وعدم الاطلاع فيه. أما
الحقير وكثير مِن متخرجي المدارس الأميرية فبقينا متوقفين حتى يأتينا مِنْ عِنْدِ
الأستاذ بيان شافٍ في هذه المسألة التي نعلم ويعلم الكثير أن لكم القدح المعلى في
حلها والله يبقيكم لنا.
(ج) لو قلت: إني من أجدر الناس وأحقهم ببيان الحق في هذه المسألة
لرجوت أن أكون صادقًا، وإذا بينت السبب في ذلك رجوت أن يذعن له كل عاقل
منصف، ذلك بأنني قد سلكت الطريقة النقشبندية، وعرفت الخفي والأخفى من
لطائفها وأسرارها، وخضت بحر التصوف ورأيت ما استقر في باطنه من الدرر،
وما تقذف أمواجه من الجيف، ثم انتهيت في الدين، إلى مذهب السلف الصالحين،
وعلمت أن كل ما خالفه فهو ضلال مبين.
وأمهد للفصل في المسألة تمهيدًا يقرب المراد من طالب الحق، فأقول:
قد عرفنا من طباع البشر وأخلاقهم أن يألفوا ما أخذوه بالرضا والتسليم ويأنسوا
به، فإذا وجدوا لهم مخالفًا فيه تعصبوا له , ووجهوا قواهم إلى استنباط ما يؤيده
ويثبته ويدفع عنه هجمات المخالفين لهم فيه، لا يلتفتون في ذلك إلى تحري الحق
واستبانة الصواب فيما تنازعوا فيه. ولولا فشوّ هذا الخلق في الناس لَمَا بقيت
الأديان والمذاهب والأحزاب والشيع , والحق في كل منها واحد لا تعدد فيه.
ثم إن من أخلاق البشر أيضًا أن لا يجتمعوا على شيء إلا إذا اعتقدوا أنّ فيه
خيرًا لهم، وقد يكون هذا الاعتقاد لبعضهم عن نظر واستدلال أو تجربة واختبار
وللبعض الآخر عن اتباع وتقليد لِمَن اعتقدوا فيهم الفضل والكمال.
على هاتين القاعدتين بني التعصب للمذاهب والطرق في جميع المِلَل، وعليه
يتخرج أخذ كثير من أهل الصلاح والتقوى والعلم والعمل بالرابطة في الطريقة
النقشبنديّة وبغيرها مِن البِدَع التي لم تكن على عهد السلف في غيرها مِن الطرق ,
وبكثير من القواعد والمسائل في مذاهب الفقهاء والمتكلمين الذين جاءوا بما لم يكن
عليه السلف الصالح.
يذهب الرجل المشهور بالصلاح أو العلم إلى شيء يظهر له بِحَسَبِ اجتهادِه أنه
حقّ أو خير فيتبعه آخرون عن استحسان لما استحسنه , ومعرفة بدليله أو عن
محض التقليد، فإذا خالفهم غيرهم فيه عدّوهم منتقصين لهم تعصّبًا لما هم عليه ,
فيقوى الخلاف ولا يزالون مختلفين إلا مَن رَحِمَ ربُّك , وهم الذين يحكمون الدليل
ويتحرون به استبانة الحق، فإذا ظهر لهم ولو على يد الخصم ولسانه أتوا إليه
مذعنين، وقبلوه راضين مطمئنين.
إذا تدبرت هذا فاعلم أن أئمة الصوفية وكبراءهم ما وضعوا هذه القواعد مِن
الرابطة وطاعة الشيخ المسلك طاعةً عمياء مُطْلَقَةً حتى مِن قيود العقل والشرع عند
الغالين وغير ذلك من الأصول والقواعد إلا عن علم وتجربة واختبار وصلوا بها إلى
مرتبة اليقين بأن ذلك مفيد لهم وموصل إلى الغاية التي يقصدونها بطريقتهم. وأعني
بالعلم هنا عِلْم النًَّفْس مِن حيثُ إدراكُها وشعورها ووجدانها وصفاتها وأخلاقها. وقد
كان مثلهم في ذلك كمثل علماء الكلام الذين بحثوا في الموجودات وبنوا علمهم الإلهي
عليها , وكل منهما إذا وجد في علمه ما يخالف ظواهر الشرع لجأ إلى التطبيق
بالتأويل والْتِمَاس ما يؤيِّده مِن القرآن العزيز والحديث الشريف، وقد يتمحل لذلك
ويتكلف إذا اعترض عليه. كذلك فعل المتكلمون الذين زعموا أن الأفلاك التسعة في
الهيئة اليونانية هي: السموات , والكرسي , والعرش , وكذلك فعل بعض أهل
الطريق فيما ذكر في السؤال , وما لم يذكر فيه من تأويل الآيات التي زعموا أنها
تدل على مشروعية ما يسمونه الرابطة والتوجه , ولا دليلَ في شيءٍ منها على ذلك.
لو كان في الشرع دليلٌ على أنّ ذلك مطلوبٌ في الدين لَمَا خفي عن الصحابة
والتابعين، بل لأَمَرَ به النبي صلى الله عليه وسلم , وعَمِلَ به , وتواتر عنه؛ لأنه
مما يتعلق بجوهر الدين، وهو عبادة الله ومعرفته، فلا يقاس على ما يمكن أنْ
يستنبط من القرآن مِن أسرار الكون التي لم تؤثر عن الصدر الأول.
قال السيد الآلوسي النقشبندي في باب الإشارة مِن تفسير سورة الجُمُعَة: وذكر
بعضهم أن قوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} (الجمعة: ٢) بعد قوله سبحانه: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} (الجمعة: ٢) إشارة إلى الإفاضة القلبية بعد الإشارة إلى الإفاضة القلبية اللسانية، وقال بحصولها للأولياء المرشدين: فيزكّون مُرِيدهم بإفاضة الأنوار على قلوبهم، حتى تخلص قلوبُهم وتزكو نفوسُهم، وهو سِرُّ ما يقال له التوحيد عند السادة النقشبندية، وقالوا بالرابطة ليتهيّأَ ببركتها القلب لِمَا يفاض عليه، ولا أعلم لثبوت ذلك دليلاً يعوَّل عليه عن الشارع الأعظم، صلى الله عليه وسلم، ولا عن خلفائه رضي الله عنهم، وكلُّ ما يذكرونه في هذه المسألة ويعدّونه دليلاً لا يخلو مِن قادح، بل أكثر تمسكاتهم فيها تُشبه التمسك بجبال القمر، ولولا خوفُ الإطناب لذكرتها مع ما فيها.
ومع هذا لا أنكر بركة كل من الأمرين - التوجه والرابطة - وقد شاهدت ذلك
من فضل الله عز وجل. وأيضًا لا أدعي الجزم بعدم دليل في نفس الأمر , وفوق
كل ذي علم عليم، ولعلّ أول من أرشد إليهما مِن السادة وجد فيهما ما يعول عليه،
أو يقال يكفي للعمل بمثل ذلك نحو ما تمسك به بعض أجلة متأخريهم، وإن كان
للبحث فيه مجال، ولأرباب القال في أمره مقال. ا. هـ
فأنت ترى هذا العالم الجليل الواسع الاطلاع , الواقف على ما قال أنصار هذه
الطريقة في الاستدلال على الرابطة والتوجه لم يعثر لهما على دليل، ولم يرضه
شيء مما قيل، ولكنه قد راعته مكانة مَن جرى على ذلك مِن الصالحين، وأرضاه
ما وجد لهما من الأثر في قلبه، وكذلك كان هذا العاجز عِدّة سنين، فإنني قد وجدتُ
أثر الرابطة والتوجه في نفسي: رأيت ما لم يَرَهُ معي الناظرون، وسمعت ما لم
يسمعه مثلي المصغون، وشممت ما لم يكن يشمّ الحاضرون، ولا أحب شَرْحَ ذلك
في المنار ولا الخوض في علله وأسبابه، وما ذكرت هذه الإشارة إلا ليعلم السالكون
لهذه الطريقة بالفعل أنني لست منها كما يقال في المثل: (من جهل شيئًا عاداه)
وإنما أتكلم فيها عن عرفان، وأحكم فيها بسلطان.
أقول: إن التوجه والرابطة لَيْسَا مِن الدِّينِ في شيء، ولا يجوز أن يعدّا مِن
العبادة المشروعة في الإسلام، ولكن لا أقول بكفر كل مَن عمل أو يعمل بهما،
وإنما أخشى أن يكونَ بعض المتقلدين لهذه الطريقة تقلدًا من غير عِلْمٍ بالشرع،
وعرفان بحقيقة النفس، أقرب إلى الوثنية منهم إلى التوحيد، فيما يكون بين الشيخ
والمريد، بل أجزم بأن من ذلك ما هو شرك جَلِيّ أو خَفِيّ، وإن كنت لا أجيز رمي
شخص معين به.
يمكن للمريد العارف بعقيدة الإسلام أن يجمع بين التوحيد وبين تخيل شيخه
عند ذكر الله عز وجل , بأن يتخيلَ أنه جالس في حضرته يراقب أدبه وحضور قلبه
في ذكره، كما يذكر الله أو يقرأ القرآن أو العلم بحضرته، وهو يعتقد أنه لا ينفع
ولا يضرّ، ولا يقصد بقبيل العمل، وإنما يصمد في ذلك إلى الله تعالى وَحْدَهُ. فمثل
هذا لا يعد مشركًا لشيخه مع ربه، وهو لا يشغله تخيّله لشيخه عن ذكره، إذ لا
يستصحب الصورة المتخيلة عند تصور معنى كلمة التوحيد، وذلك سهل على مريده
كما يقرأ القرآن أو غيره من كتب الفنون أمامَ شيخِه ولا يشغله وجوده عن فهم ما
يقرأ. ومع هذا لا يجوز له أن يحكم بأن هذا الأمر مطلوب في الشرع، بل يكتفي
بأن ينتفع بما جربه من غير مخالفة لِنَصّ مِن نصوص الشَّرْع.
وأما استمداد الهمَّة من أرواح الشيوخ، فقد ضل فيه كثيرون كضلال الذين
يعتقدون أن لشيوخهم سلطة غيبيّة يتصرفون بها في النفوس والآفاق , وأنهم بذلك
وُسَطَاء بين الله وخلقه، يقرّبونهم إليه زُلْفَى إذا أرادوا، كما كانت تقول الجاهلية في
آلهتها. على أن للمسألة أصلاً يُعَدّ مِن مباحث علم النفس لا من الدين هو منشأ
ضلال المفتونين عن تجربة ووجدان يظن الجاهل منهم أنه من الحقيقة المخالفة
للشريعة، ويعلم العارف المحقق أنه لا خِلاَفَ في الفعل، ولا منشأ للضلال إلا
الجهل.
قد جرب أهل الطريقة أن يتوجهوا بِهمّتهم وإرادتهم إلى بعض شُيُوخهم
الصالحين أو إلى بعض الصحابة أو النبيين قاصدين أن تتصل أرواحهم بأرواحهم
وتستمد منها قوة ما , فيجدوا لذلك في نفوسهم أثرًا حقيقيًّا لا يمكن لأحد أن يكابرهم
فيه كما لا يكابر أحد , ولا يشكك في شعوره بالفرح والسرور أو الغم والحزن. فإذا
قِيلَ لمن جرب ذلك من الجاهلين بالشريعة: إنه مخالف لها، فإنه يشكّ في حقية
الشريعة ولا يشك فيما هو فيه إلا أن يجمع له بينهما. ولمثل ذلك قالوا: إنّ سالِكَ
الطريق عرضة للزيغ والكفر إذا لم يكن له شيخ من العارفين الجامعين بين علم
النفس وعلم الشرع , فيبين له في مثل هذه المسألة أن هذا الأثر الذي يراه في نفسه
من التوجه هو أثر طبيعيٌّ له , ليس من الخوارق , ولا من السلطة الغيبيّة التي لا
تكون إلا لله وَحْدَهُ , وإذا رآه مرتقيًا في سلوكه يبيّن له أن براهمة الهند يعرفون
التوجه والرابطة , ويؤثر عنهم كثير مِن الخوارق الصوريّة والماديّة، التي لا تخرج
عن السنن النفسيّة والخواصّ الروحانيّة، ولكنهم في توجههم ورابطتهم دون السادة
الصوفيّة، لأن الرابطة والتوجّه عندهم من المقاصد التي يقفون عندها، ويرضون
من رياضتهم بثمرتها وأثرها، وَهُمَا عند الصوفية من الوسائل التي يعرفون بها
نفوسهم، ويعرجون منها إلى أن يصلوا إلى معرفة ربهم، فالاشتغال بهما كاشتغال
العالم الطبيعيّ بمعرفة خواصّ الماء والبخار والكهرباء والضوء، فإن كان يقصد
بذلك معرفة هذه الأشياء لذاتها مما ينتفع به في هذه الحياة الماديّة، كان مثله كمثل
البرهمي في التوجه والرابطة، لا يَزِيد عن كونه عالمًا ماديًّا، وإن كان يقصد بها
مع ذلك معرفة الله بمعرفة حكمه وأسراره في خلقه كان مثله كمثل الصوفِيّ في
التوجه والرابطة , وصار عالمًا رَبّانِيًّا، فالأمور بالمقاصد والإرادات، كما بيَّنَّا ذلك
في تفسير ما في صدر هذا الجزء من الآيات.
إذا عَرَفْتَ هذا وهو ما عليه محققو العارفين مِن الصّوفيّة تبيّن لك أن مسألة
التوجه والرابطة من المسائل التي تعدّ من وسائل علم النفس , وليست بِحدّ ذاتها من
الدين، فيستدل عليها بالآيات والأحاديث، وإن علم النفس كعلم الآفاق قد يكون
بالإرادة طريقًا لمعرفة الله تعالى، وبالقصد والنيّة عبادة له كما تكون جميع العلوم
الدنيويّة كذلك. والأصل في ذلك عند الصوفية قوله عز وجل: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي
الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
* أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} (فصلت: ٥٣-٥٤) ,
ولما كان محيطًا بكل شيء كانت معرفة غاية كل شيء موصلة إليه إذا قصد بها
ذلك. ولذلك قالوا إن لله طرائقَ، بعد أنفاس الخلائق.
وههنا ثلاث مسائلَ لا بُدَّ من التصريح بها وإيضاحها إيضاحًا لا لَبْسَ فيه.
(إحداها) أن كل علم حقيقي يمكن أن يكون عبادةً محمودةً في الإسلام إذا
حسنت فيه النيّة وأريد به معرفة الله ومعرفة سننه وحكمه في خلقه، وكذلك كل عمل
نافع يُرَاد به دَفْع الأذى عن عِبَاد الله وإيصال الخير إليهم. ولكن العبادة في ذلك
قلبيّة لا صوريّة , فلا يُقَال: إن علم الضوء والكهرباء وعمل الأدوية وصنع الآلات
مما يكون مع حُسْنِ النيّة مِن العبادات المشروعة في ذاتها التي تلتمس لها الدلائل من
الكتاب والسنة. ومثلهما في ذلك التوجه والرابطة في الطريقة.
(المسألة الثانية) أن العبادة المشروعة لذاتها التي يطالب المسلمون بها هي
ما نطق به القرآن الكريم , أو مضت به السنة النبوية وجرى عليه جمهور السلف
وما عدا ذلك فهو بدعة، والبدعة في الدِّين لا تكون إلا ضلالةً كما ورد في الحديث،
وأما البدعةُ التي تعتريها الأحكام. ويُقَال: إنّ منها ما هو حلال وما هو حرام، فهي
البدعة في أمور الدنيا، علومها وأعمالها كما يدلّ عليه حديث مسلم: (مَنْ سَنَّ سُنَّةً
حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا) , إلخ.
(المسألة الثالثة) أن جميع ما يبتدعه الناس مِن وسائل النفع والخير في
العلم والتربية والأعمال يشترط في جوازه أن لا يكونَ مخالفًا لِمَا هو مقطوعٌ به من
أمور الدين. فإذا فرضنا أن التوجه والرابطة ينافيان ما هو مقطوع به في الإسلام،
فإنه لا يحِلّ للمسلم العمل بهما. وقد علمت أنهما يختلفان باختلاف العالم العارف
والجاهل المقلد.
ومن هذه المسألة أَنْتَقِلُ بِكَ إلى القسْمِ الثاني مِن الاستفتاء، وهو ما يفرضون
مِن طاعة المُرِيد لشيخه ولو في المعصية، وعدم إنكاره عليه وإنْ فعل المنكر،
واعتقاد أنه لا يُقْبَلُ له عَمَلٌ ولا يصل إليه خيرٌ إلا بواسطته، ومِثل هذا مما لا
يحتاج فيه إلى سؤال ولا جَوَاب، فإنّ وُجُوبَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
صريح في القرآن والأحاديث , ومضت به السنة فهو معلوم من الدين بالضرورة،
يحكم الفقهاء بردة منكره , ولم يستثن الله ولا رسوله مشايخ الطريق من هذا الحكم،
بل كان الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور ينكرونها في أعمال
الدين كالسهو في الصلاة , أو أعمال الدنيا، كالحرب وتدبيرها حتى يفسرها لهم ,
ويفرّق بين ما هو عن وحي وما هو عن سهو أو اجتهاد غيره أفضل منه.
والصوفية المحققون لا يشترطون على المريد إلا حسن الظن بشيخه، والأدب
في سؤاله وما عدا ذلك فهو من غلوّ المقلّدِينَ، أو مِن دسائس الشياطين، ولا يقولون:
إن عبادته لا تُقْبَلُ ولا يَصِلُ إليه خيرٌ مِن ربِّهِ إلا بواسطة شيخه، بل يقولون:
إنه لا يصل إلى المقصد من سلوكه إلا بتربية شيخه، وهذا صحيحٌ في الغالب.
وأَمّا ما احتجّوا به على مجلة (الإمام) مِن (أن الجنيد والجيلاني وأضرابهما
أوجبوا الرابطة) فهو بديهي البطلان عند كل أحد يعرف ما هو الإسلام، إذْ مِن
المقرر أنه ليس لأحد أن يوجب على عِبَاد الله أمْرًا دينيًّا إلا رُسُل الله بإذن الله ,
وهذا الغلوّ في إجلال المشهورين هو سبب التقليد منشأ فساد كل دِين.
وإذا كانت المسألة بديهيةً عِنْدَ كل مَن يعْرِف الإسلامَ، فهي من أعظم
المشكلات عند جهلة العوامِّ، لأن الكثيرين منهم لا يعرفون من الإسلام شيئًا له
سلطان على نفوسهم إلا ما يسمعون عن الرجال الصالحين , ولا علاج لهؤلاء إلا
تعليمهم ما هو الإسلام مع الحكمة , التي يجمع فيها بين بيان الحق وبين الأدب عند
ذكر أهل العلم والتقوى، وبيان أنهم غير معصومين من الخطأ، وأن كثيرًا مما ينقل
عنهم لا تصحّ نسبته إليهم، وأن أفضل ما يكرمون به هو عدم الثقة بما ينقل عنهم
إذا كان مخالفًا للشرع، لا مخالفة الشرع إذا ادّعى بعض الناس أنهم خالفوه، فإن
ذلك تقديم لهم على الله ورسوله، ثم تحسين الظّنّ بنيتهم وقصدهم فيما أخطأ
اجتهادهم فيه، وأن المجتهد المخطئ منهم يؤجر على اجتهاده، ولكن لا يتابع عليه.
وإنني أذكر شاهدًا واحدًا من خطأ أئمة الصوفية والعلماء في اجتهادهم المتعلق
بالتصوف وهو خطأ الإمام الغزالي - الذي صرحت غير مرة بأن كتابه الإحياء كان
أستاذي الأول الذي حبب إلي العلم والتصوف - ليقاس عليه خطأ من لا يشق له
غبارًا من الشيوخ الصالحين المشهورين، ومنه يعلم أن كل اجتهاد خالف الكتاب
والسنة فليس من الدين.
كان الغزالي في سياحاته أيام تصوفه يزور المشاهد، وقال: إن قبور الأنبياء
والصالحين تزار للاعتبار بتذكر الموت والآخرة وللتبرك، فزاد على ما ورد في
حديث الإذن بزيارة القبور ما سماه التبرك. ويعني به ما يجده الزائر السالك لطريق
الآخرة عند زيارة المشاهد من الخشوع، والحال التي تزيده رغبةً في الآخرة
وإعراضًا عن الدنيا. واستدل على مشروعية هذا ونحوه مما لم يرد في الشرع
كالرابطة التي نحن بصدد البحث فيها بحديث: (من بورك له في شيء فليلزمه) ،
كأنه يقول: إننا وجدنا لذلك فائدة في نفوسنا زادت في خشوعنا، ووجد أن الدين في
قلوبنا، وذلك هو البركة، لأن معناها الزيادة، وقد أمرنا الشارع بلزوم كل شيء
نرى فيه بركة لنا، فنحن عاملون بأمره في ذلك.
الخطأ في هذا من وجهين (أحدهما) أن الكلية ممنوعة، فإننا لو جعلنا
للأنبياء والصالحين صورًا وتماثيلَ تمثل لناظرها هيآتهم في الخشوع والوقار لَكَان
لها في نفوس الناظرين إليها مِن التأثير ما ليس لرؤية قبورهم المشيدة المشرفة , كما
نرى ذلك عند غيرنا من المِلَل، وهذا التأثير هو السبب في اتخاذ النصارى للصور
والتماثيل في كنائسهم، والغزالي لا يجيز هذا في الإسلام، ومثله بناء المشاهد
للصالحين , وتشريف قبورهم , واتخاذ المساجد عليها نُهِيَ عنه كما نُهِيَ عن الصور
والتماثيل , فثبت أنه لا يجوز لنا أن نُحْدِثَ في الدِّينِ ما ليس منه، وإنْ كان إحداثه
لغرض صحيح وقصد حَسَنٍ، بل نتبع فيه ما جاء به الكتاب والسنة، وجرى عليه
سَلَف الأمة، ونجعل اجتهادنا في اختيار النافع لنا محصورًا فيما فوض إلينا من
الاستقلال بأمور دنيانا.
(والوجه الثاني) أن الحديث الذي أورده يدل على ما ذكرناه من التخصيص
بأمر الدنيا دون ما استدل به عليه من جعله في أمر الدين. إنه أورد الحديث باللفظ
الذي اشتهر به على الألسنة ولم يروه به أحد. وما ذكره السيوطي في الدرر المنتثرة
من عزوه إلى ابن ماجه بعد إيراده بهذا اللفظ غير مراد ظاهره، وإنما مراده أن ابن
ماجه رواه بالمعنى، وقد ذكر نص رواية ابن ماجه في الجامع الصغير , وهو (من
أصاب من شيء فليلزمه) , وقال: إنه رواه عن أنس وعائشة. أقول: وقد
أخرجه ابن ماجه في أبواب التجارة والكسب من حديث أنس بهذا اللفظ الذي ذكره
في الجامع الصغير، ومن حديث عائشة بلفظ آخر وهو (عن نافع قال: كنت أجهز
إلى الشام وإلى مصر فجهزت إلى العراق , فأتيت عائشة أم المؤمنين فقلت لها: يا
أم المؤمنين , كنت أجهز إلى الشام فجهزت إلى العراق، فقالت: لا تفعل ما لك
ولمتجرك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سبب الله
لأحدكم رزقًا من وجه فلا يدعه حتى يتغير له أو يتنكر له) تقول له: ما لك
ولمتجرك القديم الذي تعودت الربح منه حتى تتركه وتقدم على ما تجهله؟ الْزَم ما
رأيت الربح فيه. ومعلوم أن الأوامر والنواهي المتعلقة بأمر الدنيا كهذا الأمر لا يعد
من التكليف الديني الذي يجب امتثاله شرعًا، وإنما يسميه علماء الأصول أمر إرشاد
يعتبر به ويعرض على المصلحة.
ولا يقال: إن حديث أنس عامّ؛ لأن عمومه في بابه على أنه روي بلفظ (مَن
أصاب مالاً مِن شيء) كما هو ظاهر حاشية ابن ماجه، ولأن هناك دليلاً يمنع
جريانه في أمر الدين , وهو ما ذكرناه في الوجه الأول. على أن في سنده فروة أبا
يونس عن هلال. قال الذهبي في الميزان: مُخْتَلَفٌ فيه , ليس بِقَوي , وقد ضعفه
الأزدي. ولم يكن الغزالي في أيام تصوفه , وزمن تأليفه الإحياء يبحث عن علل
الحديث، وإنما كان يستدل ويستنبط ما يتعلق بالفضائل من كل ما يراه في الكتب
حتى كتب الصوفية، ولذلك وقع في الإحياء كثير مِن الأحاديث المنكرة والضعيفة
والموضوعة. وقد عكف على الحديث , واعتصم بمذهب السلف في آخر عمره،
وإن اهتدى إلى حقية مذهب السلف قبل الانقطاع إلى الحديث.
وإذا كنا معشر المسلمين نعتقد أن الأولياء والصوفية غير معصومين مِن
الخطأ، وكنا نشاهد الخطأ الصريح في كتبهم ونراهم يخالف بعضهم بعضًا، ويرد
بعضهم على بعض، فهل يصح أن نجعل أقوالهم وأعمالهم أصلاً من أصول
الدين.
وخلاصة القول أن التوجه والرابطة ليسا من عبادات الإسلام ولا دليل فيه
على كونهما مشروعين، ومن جعلهما عبادة مشروعة في ذاتها فقد دخل في عداد
الذين قال الله فيهم: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (الشورى: ٢١) , وقوله في بيان أصول المحرمات: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ
سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (الأعراف: ٣٣) وإن أئمة الصوفية
المحققين لا يجعلونهما من الدين، وإنما يجعلهما بعضهم من وسائل معرفة النفس،
فهما عندهم من قبيل الوسائل التي تتخذ الآن لما يسمونه استحضار الأرواح، وفي
كل منهما لا بُدَّ من الواسطة، وإن المقلدين في الطريقة النقشبندية وغيرها عرضة
للضلال والشرك الجليّ أو الخفيّ إذا تمسكوا بهذه الظواهر التي لا يعرفون مراد
العارفين بها؛ فيجب عليهم اتقاء ذلك , وإحكام عقيدة التوحيد التي منها أن الشيوخ
والأولياء بل والأنبياء لا يملكون لأنفسهم ولا للناس ضرًّا ولا نفعًا ولا هداية ولا
غيرها، كما صرح به الكتاب العزيز في آيات كثيرة، وأن يحسنوا الظن بمن قال
بالرابطة من الصالحين، وقد بينا مرادهم عن علم وعرفان، وهو سر من أسرار
التصوف أفشيناه للضرورة والإرشاد، وأن يعتقد مع تحسين الظن بهم أنهم ليسوا
حجة في الدين، وأنهم لا يطاعون في معصية الله. ومن أراد أن يزداد نورًا في هذه
المباحث فلينتظر جزء الترجمة من تاريخ الأستاذ الإمام، فإن فيه بيانًا لا يجده في
كتاب.