للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


مكاشفة في أول ولاية السلطان عبد الحميد ومدتها

كان كثير من أهل الآستانة وغيرهم من خواص العثمانيين يتحدثون بأن بعض
المنجمين أو الصالحين بشر السلطان عبد الحميد بأنه يكون ملكًا مدة ثلاث وثلاثين
سنة، وقد حدثني بعض كبار رجال الدولة في سياق الكلام على اعتقاد السلطان
بالمشايخ الذين يدعون الكشف أو الجفر والزايرجة، كأبي الهدى وعنايته بالشيخ
ظافر - حديثًا غريبًا يرويه عن السلطان نفسه، وملخصه أنه كان في المدينة
المنورة رجل يعرف بأمين أفندي الطرابزوني، يشتغل بالجفر، ويخبر بأمور
المستقبل، فأرسل إليه السلطان يتعرف منه هل يكون سلطانًا، فقال: إنه يكون
سلطانًا في سنة ١٢٩٣، قال هذا للشيخ ظافر، وكان هو الواسطة بينهما، فلما أنبأ
الشيخ ظافر عبد الحميد (أفندي) بذلك كبر عليه أن يصدقه، لأن عمه السلطان عبد
العزيز كان في صحته وعافيته، وكذلك أخوه مراد أفندي، الذي هو ولي العهد،
وكان ذلك في أول تلك السنة، ولكن لم يلبث أن صدق كلامه كما هو معلوم. قال
الراوي هذا معنى ما سمعته بأذني من السلطان عبد الحميد، وسمعت بعض الكبراء
في الآستانة يزيدون في الرواية قائلين: إن أمين أفندي حدد مدة ملكه بثلاث وثلاثين
سنة، فقال يملك أو يحكم ٣٣ سنة.
ومن يتذكر أن السلطان ولي في شعبان سنة ١٢٩٣، يعلم أن المدة قد تمت
بحسب السنين الهجرية، ويحتمل أن يقال في تأويل الشق الثاني من الخبر: إن
السنة الثالثة والثلاثين قد كانت خاتمة لحكم السلطان بنفسه وقبضه على زمام
السلطة بيده، فإن إعلان الدستور قد حول الحكم إلى الوزارة ومجلس الأمة. ولعل
السلطان نفسه يفكر في هذا التأويل، فينشرح له صدره، إذ كان ممن يصدق أمثال
هؤلاء القائلين، لا سِيَّمَا بعد أن صدق الخبر فيما يتعلق بأول الولاية. وأما من لا
يبالي بهم صدقوا أم كذبوا، فلا يحتاج إلى التأويل. وقد ذكرت هذا الخبر قبل
إعلان الدستور لكثيرين، وبعده لكثيرين، منهم أصحاب المقطم.