للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


فتن رمضان في دمشق الشام

يقول أحد الدمشقيين العارفين: إن لأهل دمشق في كل رمضان فتنة يلهون
بها، فإذا أوشك الشهر أن ينقضي بغير فتنة حَاصَ محبو الفتن ثم يسعون في إثارة
فتنة صغيرة أو كبيرة بقدر الإمكان.
ونقول: إن كبرى فتنهم الرمضانية ثلاث متشابهة في ثلاث: في تدبير أكابر
الحشوية المستبدين لها، وفي جعل مبدأها الانتقام من بعض الأحرار طلاب
الإصلاح، وفي كون الغاية منها التنكيل بجماعة معروفة ذنبها عند أولئك الأكابر
أنها تكره الاستبداد وأهله، وتحب الإصلاح وتعمل له.
(الفتنة الأولى) هي التي أثاروها على السيد عبد الحميد أفندى الزهراوي
من بضع سنين؛ لأنه ألف رسالته المشهورة (الفقه والتصوف) وكانوا يريدون
قتله، وقَتْلَ من أشرنا إليهم من محبي الإصلاح. ولكن الحكومة الحميدية سبقت
رعيتها المخلصة إلى الانتقام منه، وأمره مشهور.
(الفتنة الثانية) هي التي أثاروها على كاتب هذه السطور في أواخر
رمضان السنة الماضية وهي مشهورة، وقد ضعفت الحكومة الدستورية عن
مداركتها بما يربي مثيري الفتن؛ ولذلك نشروا بعدها جمعية (ولقان) التى قامت
على الدستور، ولو نجحت تلك الجمعية في الآستانة، لكانت دمشق آستانة ثانية
لها بتدبير أكابر المجرمين في الباطن وأصاغرهم في الظاهر؛ كالشيخ صالح
المغربي والشيخ عبد القادر الخطيب اللذين كانا يقولان: اقتلوا هؤلاء الدستوريين
أو الوهابية فإنهم ٥٠ رجلاً.
(الفتنة الثالثة) ما أثاروه في هذا العام على محمد أفندي كرد علي صاحب
جريدة المقتبس أولاً، ثم على سائر أعدائهم الذين أشرنا إليهم، وقد علمنا أنهم ألفوا
جمعية للانتقام من الأحرار والمصلحين، وأنهم بدأوا بصاحب المقتبس؛ لأنه شدد
النكير في جريدته على أعداء الدستور ومثيري فتنة رمضان الماضي، فاتهموه أولاً
بمشايعة جمعية (ولقان) على الدستور، ففتشت الحكومة مطبعته وإدارته، ولم
يثبت عليه في التحقيق شيء، فعلموا أن هذه التهمة لا تُسمع في مثله، فاتهموه
وسائر الأحرار ومحبي الإصلاح الذين كانوا يضطهدونهم في زمن الاستبداد بالسعي
إلى (الخلافة العربية) وهي الكلمة التي كانوا هم وأضرابهم ينتقمون بها ممن
شاؤوا في العصر الحميدي.
أما كرد علي فَرَجُلٌ كان وما زال يكره الاستبداد، وقد أصابه شره ففر إلى
مصر، وكان فيها بعيدًا عن السياسة وأهلها، وقد دعوناه أكثر من مرة للدخول في
جمعية الشورى العثمانية فأبى، وهو لا يخلو من غرارة وسذاجة، فما هو والله
بأهلٍ للسياسة، ولذلك يسقط من قلمه وينشر لغيره ما يمكن أن يَعُدَّه العدوُّ شبهة على
سوء قصده، وما هو بالسيئ القصد، ومن ذلك أنه كتب عن بلاغ شيخ الإسلام
عبارة فهمها من بعض الناس، تشعر بأن الدولة العثمانية ليست دولة خلافة، فأخطأ
بذلك واعترف بخطأه في اليوم الثاني. ولكن الحكومة بادرت إلى الحكم عليه
بالجناية وبإبطال جريدته ومطبعته، فجرأ ذلك مثيري الفتن في كل زمن على سائر
الأحرار، فوشوا بهم واتهموهم.
المتهمون الآن بالخلافة العربية الوهمية هم أخلص المخلصين للدولة والملة في
الشام، فمنهم أفضل العلماء كالبيطار والقاسمي، وأشهر الأحرار كعبد الرحمن بيك
اليوسف، وكرد علي، ومنهم جمعية النهضة السورية، وهم أحداث لا يعرفون
السياسة. فإذا كانت حكومة الدستور تهين أمثال هؤلاء بإغراء الرجعيين مثيري
الفتن. أفلا تكون الحكومة الحميدية خيرًا منها وأعدل؛ إذ كانت تعلم أنهم أعداؤها،
ولم ينلهم منها إلا المراقبة وتفتيش الكتب، اعقلوا أيها الحكام وتبصروا وأقيموا
الدستور بالقسط وإلا كانت العاقبة خطرًا على الدولة والأمة، وقد قال الرسول:
صلى الله عليه وسلم: (إذا ابتغى الأمير الريبة في الناس أفسدهم) رواه أبو داود.