للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الأخبار والآراء

(العرب والترك)
قد علم قراء المنار أن السعي في حسن التفاهم بين العرب والترك قد كان
أحد القصدين الجليلين من رحلتنا إلى دار السلطنة في آخر الخريف حيث يعود
المصريون منها ومن سائر البلاد التي يصطافون فيها لقضاء فصل الشتاء بمصر
التي لا يَفْضُل شتاءها شتاء؛ وعلموا أيضًا أنه كان مِن السعي زيارتنا لصاحب
جريدة (إقدام) ومعاتبته على ما كتب في شأن العرب وعرض مقالات عليه في
حسن التفاهم بين العنصرين اللذين هما قوام الدولة العثمانية ووعده بنشرها ولكن
أكثرهم لا يعلمون أن صاحب (إقدام) نشر ثلاثًا مِن تلك المقالات وامتنع عن نشر
ثلاث: نشر المقدمات وامتنع عن نشر المقصد الذي فيه بيان أسباب سوء التفاهم
وطرق تداركها وتلافيها، ومنها مسألة تنقيح اللغة التركية وحذف الألفاظ العربية
منها وما سمع عن جريدة (إقدام) من سوء التعبير فيها، قال في بيان سبب امتناعه
عن نشر المقالة الرابعة إن هذه أمور ملية تتعلق بنا (أي الترك) فليس له حق في
البحث فيها! !
وقد استمر على نغماته الجنسية بقلمه وقلم أعوانه حتى نشر مقالة من مقالات
عن اليمن بإمضاء (خليل حامد) وهو إمضاء مستعار لأحد الضباط هنا وقد
جاء في هذه المقالة من الطعن في العرب أنهم - في زعم الكاتب - بمقتضى
طبيعتهم يبيعون بالمال كل شيء حتى أعراضهم! !
وقد قامت لهذه العبارة قيامة العرب الذين هنا حتى إن بعض الشبان استفزتهم
حمية الغيرة على العرض التي لا يداني العرب فيها شعب مِن شعوب الأرض
فدفعتهم عند قراءة هذه العبارة والدم العربي يتبيغ في أجسامهم إلى إدارة جريدة إقدام
وإهانة صاحبها وتحقيره على نشر هذه السفاهة حتى قيل إنهم بصقوا في وجهه ولا
عجب فصاحب الغيرة على العرض قد يقتل مَن يطعن في عرضه عندما يفاجئه
ذلك، والقوانين تعذر مَن تدفعه الحدة العارضة للدفاع عن عرضه إذا أطاعها مِن
فوره ولا يعد هذا الدفاع منكرًا قبيحًا كسائر أنواع الإهانات إلا مَن لم يعرف للغيرة
على العرض معنى.
نحن لا نقول: إن الاعتداء أو الافتيات على الحكومة في القصاص أمر حسن
مشروع وإنما نقول ويقول العقلاء كافة: إن فرقًا عظيمًا بين اعتداء مبتدأ لا يدفع له
الطبع وبين مؤاخذة فورية لم توطن عليها النفس.
وكيف يستنكر من فتيان العرب مثل هذه الغيرة التي لا رأي لهم فيها ولا روية
وقد اضطربت لهذا الطعن أعصاب الكهول والشيوخ من المبعوثين كغيرهم حتى إن
بعضهم أصابه الصداع ولم يستطع في ذلك المساء تناول الطعام وذهب وفد منهم إلى
الصدر الأعظم وكان في مجلس الوكلاء فأرسلوا إليه فخرج إليهم ووعدهم هو وناظر
العدلية بتدارك الأمر وإحالة أحمد جودت بك مدير إقدام على ديوان الحرب العرفي
لتعطيل جريدته ثم محاكمته في العدلية وقد حكم الديوان بتعطيل جريدة إقدام إلى أجل
غير مسمى ولكنه لم يلبث أن أصدرها وكتب فوق كلمة اسمها كلمة (يكي) أي جديدة
أو الجديدة، وناهيك بهذا من عقوبة!! وحكم عليه أيضًا بمائة ليرة غرامة غرمها.
وقد علم ديوان الحرب أن الناس صاروا يسخرون من تعطيل الجرائد لأن من عطلت
جريدته صار يصدرها بإضافة لفظ (يكي) إليها فقرر أنه لا يجوز لمن يحكم هو
بإلغاء جريدته أن يصدر جريدة ما إلا بإذن منه ولكن هذا القرار لم ينفذ على جريدة
إقدام!
وقد كتب أحمد بك جودت مدير إقدام عندما عطلت جريدته مقالة نشرها في
جريدة (طنين) اعتذار فيها عن نفسه ولكن كان عذرًا أقبح من ذنب فإنه نفث فيها
سموم التغاير والتدابر بين العرب والترك بإيهامه القارئين لها أن العرب يتهمونه بأنه
مندفع لعداوة العرب بجنسيته التركية ويرون أن الترك أعداء العرب وانتقل من هذه
الدسيسة إلى الامتنان على العرب بفضل الترك عليهم وذكر من هذا الفضل ما يعلم
هوانه في غير محله فالظاهر أنه يريد بذلك أن يقوم كتاب العرب للرد عليه وإنكار ما
قاله مخالفًا للتأريخ ليتسنى له ولأمثاله حينئذ أن يوسعوا الخرق ويقولوا: إن العرب
يحتقرون الترك. ونحن لم نسمع أحدًا من العرب يقول: إن مدير إقدام يذم العرب
بإغراء الترك أو رضاهم.
ادعى صاحب (إقدام) في مقالته هذه أن جريدته هذه ليست جريدةً عنصريةً
ولا ترجح الترك على غيرهم من العثمانيين وأن جميع الأجناس يعترفون له بذلك،
والمشهور خلاف ذلك.
وإنه ما وجدت جريدة تركية أساءت إلى العرب أو أغضبتهم كما أغضبتهم
جريدة إقدام فهي أشهر الجرائد في التعصب الجنسي، ولأجل هذا التعصب لم تنشر
مقالاتنا التي طالبنا فيه بإنصاف العرب وحسن التفاهم بينهم وبين إخوانهم الترك وإلا
فما هو عذره، ولماذا أخلفنا وعده؟
قال بعد تلك المقدمة التي مدح بها نفسه وبرأها كما شاء (فالقول بأن التركية هي
التي دفعت جريدة إقدام لكتابة تلك الفقرة هو اتهام للترك كلهم) فانظر إلى هذه النتيجة
الخاطئة من تلك المقدمات الباطلة.
ثم قال: (نعم إن الترك فدوا في اليمن وغيرها مئات الألوف من أولادهم فهذا
الفداء ليس لأجل أن يفترقوا عن العرب بل بالعكس يقتضي محبة الاتحاد معهم!!
والتأريخ يشهد لنا بأن الذي خلص جزيرة العرب من استعمار الأجانب لها في أيام
الصليبيين إنما هي دماء الترك وذلك خدمة للإسلام، والعرب لا تنسى ذلك إلى يوم
القيامة.
ونقدر أن نقول بعبارة عامة: إن الترك بذلوا أرواحهم في سبيل العرب!!
بناء على ذلك كيف يكون الترك خصماء للعرب وسالكين سبيل الحاكمية العنصرية
فهل هذه التهم هي مكافئة على الدماء التي أراقها الترك في سبيل العرب؟ وهل بعد
هذا يكون القول بأن صاحب إقدام عدو للعرب موافقا للمنطق؟ اهـ.
الترك أخوة العرب في الدين وفي تكوين هذه الدولة التي هي تراث الإسلام في
الحكم والسلطان فإذا قلنا إن صاحب إقدام جنى على التأريخ بزعمه أن الترك أنقذوا
جزيرة العرب من الصليبيين لا نكون بإبطال الباطل ناكثين للفتل الذي جعلنا مع
الترك أمة واحدة، وكل مَن يعرف التأريخ يعلم أن جزيرة العرب كانت طول
الزمان في أمان من الإفرنج وأما ما أخذوه من سواحل سورية فقد أنقذه منهم المسلمون
كافة لا الترك خاصة.
وإذا قلنا إن سوء سياسة الدولة في سفك دماء العرب في اليمن لا يعد مِنَّة
للترك على العرب لا نكون مخلين بحقوق هذه الإخوة لا لأن الدماء التي سفكت
هناك بأمر قواد الترك وحكامهم هي دماء العثمانيين من الترك والعرب والأرناؤط
والكرد، بل لأن سفكها كان من جهل أولئك القواد بالسياسة وحسن الإدارة، وقد
خربت بلاد العرب ولم تعمر بلاد الترك، على أن الترك بعد أن تشرفوا به لم
يكونوا يعملون لأجل عنصرهم ولا لأجل عنصر العرب، وإنما يعملون لأجله كما
أخذوا من أساتذتهم العرب حتي قام أمثال (صاحب إقدام) من متفرنجي هذا العصر
يصخوب الآذان كل يوم بما يثير العصبية الجنسية ويضعف الرابطة الإسلامية وهم
يجنون على دولتهم من حيث يدرون أو من حيث لا يدرون، ويخشى أن يعلموا
سائر العناصر العصبية الجنسية، وقد ظهرت بوادر ذلك وهو أكبر خطر على هذه
الدولة فنسأل الله تعالى أن ينقذها من شرور هؤلاء الأشرار بمَّنِه وكرمه.
ثم إن (صاحب إقدام) أورد بعد بيان هذه المنن التي في رقاب العرب للترك
موازنة بين ما نشره عن ذهول (كما ادعى) من الطعن في أعراض العرب
ماضيهم وحاضرهم وآتيهم وبين إهانة بعض طلاب العرب له في إدارة جريدته
وزعمه أنهم أهانوا عند ذلك الأمة التركية كلها إهانة لم يُسمع بأن مِلَّه من الملل
أُهينت بمثلها ولم يقع من عنصر من العناصر العثمانية إهانة لعنصر آخر بمثل ذلك!
وكَبَّر هذه الدعوى وهوَّل فيها ما شاء وأشار بالنقط هكذا.... إلى أن ما طواه من
ذلك وأغضى عنه هو فوق ما قاله تصريحًا وتلويحًا، ولو كان يجب الاتحاد والاتفاق
بين العنصرين كما ادعى في هذه المقالة لما نشر خبر هذه الإهانة المزعومة بين
الترك في جريدة هي أوسع من جريدته انتشارًا، لأن ذلك يوغر صدور مَن يصدقون
هذه الدعوى مِن الترك فتنفرج مسافة الخلف، فمقالته هذه شَرٌّ مِن مقالة (خليل حامد)
وأضر، وأدهى وأمر، ولا يظهر لنا علة لنشر هذه الدعوى والتهويل بها غير تعمد
إلقاء الشقاق بين الأختين الشقيقتين: الترك والعرب، فإن ادعى أنه يريد بذلك تربية
المعتدين عليه يُقال له كان يكفي في ذلك أن تذكر ما وقع للمحكمة العرفية أوالعدلية
من غير أن تنفث في جريدة طنين سموم التفرق والخلاف وما أنت بالمقصر في
الشكوى وتعقيب الدعوى.
ثم إنه بعد إثارة هذه الفتن، وإيقاد نار الشقاق والإحن، أخذ يسخر من العرب
بطريقة أخرى غير الامتنان عليهم بمذابح اليمن وتخريبها في عصور الاستبداد التي
نرجو أن يبد لنا الله تعالى بها عصر العمران والنور في ظل الدستور، تلك الطريقة
هي استدلاله على إخلاصه وحبه إرضاء العرب بدليلين هما من أغرب ضروب
الاستدلال التي لم يبين مثلها في باب السفسطة من علم المنطق:
(أحدهما) إنه قال لناظر الداخلية عندما بلغه خبر تعطيل جريدة إقدام، إن
عنده رخصة باسم (يكي إقدام) ولكنه لا يصدرها لأجل أن يرضي العرب
وتطمئن نفوسهم لحسن نيته.
قال: لأن تعطيل الجريدة لا يُقصد به ورقة مخصوصة أو اسم مخصوص
وإنما الغرض منه إبطال هذه الإدارة أو تخريبها، وأنا أتحمل هذه الخسارة لأجل أن
تطمئن قلوب العرب وترضى خواطرهم! وذكر أن ناظر الداخلية قد أعجب بهذه
الأريحية وسُر وشَكر، وإنه يظن أن سائر الوكلاء مثله في ذلك.
لو صدق في قوله لناظر الداخلية ولم يصدر جريدته باسم (يكي إقدام) لما
شك أحد من العرب في صدقه بما ذكر من السبب، وهو ابتغاء رضاهم واستمالتهم
ولكنه قال هذا القول ولم يلبث أن خالفه وأصدر الجريدة فظهر أنه قال ذلك ليسخر
من العرب وينبه الغافل منهم إلى أن حكم ديوان الحرب بإبطال جريدته لم يكن
عقوبة ولا خسارة وإنما كان عبارة عن زيادة كلمة (يكي) في الجريدة! .
وأما الدليل الثاني: فهو أنه كان عزم على إصدار جريدة عربية واستحضر
أشهر شعراء العرب وأكبرهم من بغداد لأجل تحريرها وكلمه كلامًا حسنًا ثم لم
يصدرها.
وهذا الدليل الثاني أغرب من الدليل الأول وإن كان يشابهه ويقابله في كون كل
منهما عبارة عن وعد وُعِدَ به، وأخلف وقول قاله ولم يَصدُق فيه ويختلفان على
تقدير الصدق في القولين والوفاء بالوعدين إذ لو وَفَّى بالأول لكان دليلا على حبه
للترضية كما قال وإن لم يكن دليلا على التأليف بين العنصرين، ولو وَفَّى بالثاني لما
كان مجرد الوفاء به دليلا على حب العرب ولا على التأليف بينهم وبين إخوانهم
الترك، بل كان يجوز أن تكون جريدته العربية أشد تنفيرًا للعرب من جريدته
التركية فالعرب يعتقدون الآن بأن جريدته متعصبة هاضمة لحقوقهم مهينة لهم ويقل
مَن يراها منهم أو يعلم بما يُنشر فيها فلو نشر جريدة عربية، وقال فيها إنه يجب على
الترك تطهير لسانهم من الألفاظ العربية، أو نشر فيها تلك المقالات عن السنوسية، أو
مقالات (خليل حامد) أو غير ذلك مما ينُشر أحيانا في إقدام من العبارات التي ترمي
إلى العصبية الجنسية، لَمَا كانت الإشر آلات التحليل لهذا الجسم الواحد الذي يحيا
بروح واحد وإن كان مركبًا من عنصرين يسمى أحدهما العرب والآخر الترك.
لَمَّا ظهرت في العام الماضي أسباب سوء التفاهم بين العرب والترك كان من
أقواها ما ينشر في جريدة إقدام واشتهر ذلك في سورية ومصر ولكنني على سماعي
هذا من الكثيرين لم أكن أسيء الظن بصاحب (إقدام) ولذلك سعيت إليه، وأحببت أن
أنشر في جريدته ما أريد أن أكتبه من المقالات لإزالة سوء التفاهم وتأكيد الوفاق
والاتحاد بين العنصرين ولكنه أخلف فيما وعدني به من كل ما أكتبه كما تقدم فساء
ظني فيه وأكد سوء الظن مقالته التي نشرها في (طنين) وما فيها من موقظات
الفتنة التي أشرنا إليها.
كدنا ننجح في سعينا ونزيل تلك الأسباب التي أحدثت سوء التفاهم بما كتبناه
من المقالات هنا وفي المنار ومن المكتوبات الخاصة للأدباء والفضلاء في البلاد
العربية فجاءت هذه الحادثة المشئومة فأعادت المسألة جذعة وكان صاحب إقدام
عُذَيْقُها المُرَجب، وجُذَيْلها المُحَكك، ولم تنته شرورها إلى الآن فديوان الحرب
العرفي لا يزال يطلب الأفراد والثبات من طلاب العرب ورجالاتهم للتحقيق في مسألة
إهانة صاحب إقدام لأنه ألبسها ثوب التعصب الجنسي.
إن المقالة الأخيرة المتضمنة للطعن في أعراض العرب قد طير البرق خبرها
إلى المدن العربية الكبرى وخاضت فيها الجرائد، وكان لها من سوء التأثير فوق ما
يظن أولياء الأمور هنا فإذا كانت نتيجتها هنا أن يُعاقب كثير من الطلاب بالحبس
أو غير الحبس أو يتوسل بها إلى إقفال (المنتدى الأدبي) الذي يجتمع فيه
جمهور أولئك الطلاب للمدارسة والمذاكرة وتعلم اللغات القومية والأجنبية ليمنعوا من
أسباب الترقي كما يظن المتطيرون من الناس ويكتفي من معاقبة صاحب إقدام
بإضافة لفظ (يكي) إلى جريدته فلا يعلم إلا الله ماذا يكون لذلك من سوء التأثير
عند الأمة العربية وعند كل المخلصين لهذه الدولة.
مع هذا كله أكرر في المنار وغير المنار وما قلته للعرب في هذه الديار أنه لا
يجوز لنا بحال من الأحوال أن نجعل ذنب الأفراد ذنبًا للأمة أو أن ننسى أن الشعب
التركي الخالص المتدين يحب العرب حب عبادة، وأن العرب يحبونه حب الأخوة
الخالصة، ويجب أن نتقي الانفعال من كلا بعض المتفرنجين الفاسقين أو الملحدين
الذين يحركون العصبية الجنسية ليوقعوا الشقاق بين العنصرين، فإن حدث ما يحرك
الانفعال طبعًا فيجب أن نتقي فيما نقول وما نكتب كل ما يبعد أحد العنصرين عن
الآخر ونجعل انتقادنا على أشخاص المفسدين المفرقين فإن التفرق والتعادي بين
الترك والعرب يجلب الخطر عليهما معًا وعلى الدولة، وإن جَهِلَ المتعصبون،
وتَجَاهل المفسدون.
* * *

(اليمن ودماء العثمانيين المهدورة فيه)
إننا بعد أن كتبنا تلك العجالة في الرد على صاحب جريدة (إقدام) وتخطئته في
التفرقة بين الترك والعرب وتوسله إلى ذلك بالافتراء على التأريخ في مسألة الحرب
الصليبية والمخاتلة في مسألة اليمن رأينا أن نرجع إلى التأريخ فنقتبس منه قبسًا
يضيء سبيل الحق فيما أشرنا إليه هناك من كون الدماء التي سُفكت في اليمن لم
تكن دماء الترك وحدهم ولم يكن فيها شيء لمصلحة العرب لأنها خربت بلادهم ولم
تعمرها وبدئت بالغدر والظلم والتخريب واستمرت على ذلك إلى اليوم، ولا لمصلحة
الترك لأنهم لم يستفيدوا في مقابلة تلك الدماء التي سفكوها والأموال التي أنفقوها من
خزانة الدولة فائدة مادية ولا معنوية كما نوَّه بذلك مجلس المبعوثين في إحدى جلسات
الشهر الماضي إذ قال عبد الحميد أفندي الزهراوي مبعوث حماه: لو عصرنا تراب
اليمن لقطر دماء عثمانيًا فماذا استفدنا من ذلك؟ ؟
ويظن بعض الناس أن معظم هذه الدماء سُفكت في عهد السلطان عبد الحميد
الذي انتهى إليه الاستبداد في هذه الدولة وأقله في زمن السلطان عبد العزيز قبله،
وقد ذكرت هذه المسألة هنا فقال بعض الناس أنها بنت نصف قرن قلت بل هي بنت
أربعة قرون ثم رَجِعْتُ إلى التأريخ فجئت منه بالشهيد الآتي.
جاء في (كتاب البرق اليماني في الفتح العثماني) أي فتح اليمن لقطب الدين
الحنفي المكي الذي قال في مقدمته إنه خدم به سدة السلطان سليم بن السلطان سليمان،
(وفي مكتبة كوبريلي زاده محمد باشا نسخةً منه كتب في طرته بالذهب إنها
أُهديت إلى خزانة كتب الصدر الأعظم محمد باشا في عصره) .
إن ابتداء التصدي لفتح اليمن كان في عهد السلطان سليمان (القانوني) فإنه لما
بلغ السلطان استيلاء الإفرنج من البرتغال على بلاد الهند أمر بإعداد أسطول في
مصر وتجهيز عسكر فيه لمحاربتهم وجعل قائد هذا العسكر بيكلاربكي مصر سليمان
باشا الخادم وهو أحد مماليك السلطان سليم خان بن بايزيد خان الذي (لم يتعلم من
أخلاق سيده غير الفتك، ولم يستقر في باله مما شاهده منه غير إراقة الدماء والسفك)
فاحتال قبل سفره بالأسطول على الأمير جانم الحمزاوي الذي كان من أعظم
الناصحين في خدمة السلطنة وأمر بذبحه فقطعت رقبته بسيفه وهو يقول لا إله إلا
الله محمد رسول الله! ثم قطع رقبة ولده يوسف أمير الحج وإنما قتلهما بعد أن كتب
إلى السلطان بأنه شم من الأمير رائحة العصيان ويخشي أن يطيعه العسكر لإحسانه
إليهم فكتب إليه السلطان (ادفع شرهما) ونسي السلطان أن هذا الأمير هو الذي كان
سبب إصلاح المملكة عند عصيان أحمد باشا وأنه لم يوافقه على العصيان.
ثم أمر الباشا بسلخ الوالد والولد وحشوهما تبنا وتعليقهما على باب زويلة [*] .
قال المؤلف: (ثم إن سليمان باشا بعد قتله لجانم الجمزاوي تملح أيضًا
بصلب الأمير داود بن عمر أمير الصعيد من غير جُرم أتاه، ولا ذنب سوَّاه، غير
كثرة أمواله، وبذل يده وسعة حاله، فطمع الباشا سليمان، فطلبه إلى الديوان، فلما
جاء أخذ هداياه أولا ثم عاتبه لقصد قتله معللا، فقال ترسل إلينا قمحًا غير نظيف؟
فقال أنا ما جئت إلا بقمح مثل الجوهر اللطيف، فأمر به إلى باب زويله وعلق في
عنقه منديلا فيه قليل قمح وصلبه هناك وأحاط بجميع أمواله وخزائنه، وظفر
بكنوزه ودفائنه، وقتله وهو مظلوم، وعند الله تجتمع الخصوم، وكان أحسن أمراء
الصعيد كثير البر والصدقات، محبًا للخيرات والحسنات، يحسن كل عام إلى كل
واحد من علماء جامع الأزهر والمشايخ المسلكين في ذلك القطر الأزهر، بالخمس
مئة من الذهب فما دونها) ... إلخ ما ذكر من فضائله وفواضله.
ثم سافر سليمان باشا إلى جَدَّه ومنها إلى عدن (وكان صاحبها يومئذ عامر بن
داود بقية بني طاهر ملوك اليمن سابقًا.. . فلما بلغه وصول سليمان باشا للغزو في
سبيل الله، وقطع جادرة الإفرنج عن الإضرار بعباد الله، فتح له باب عدن، وأمر
أن تزين، وجمع له من البلاد، ما أراد من الأزواد، وتوجه هو ووزيره للسلام
عليه إلى الغراب (نوع من المراكب) الذي هو فيه فبمجرد أن رأي سليمان باشا
باب عدن قد فتح أمر عسكره بدخول عدن وأخذها فلما وصل إليه عامر ألبسه ومن
معه خلعًا ثم أمر بصلبهم على الصاري في الغراب الذي هو فيه ونهب العسكر داره
ثم شرعوا في نهب البلد) وعَد البلد من فتوحاته وأقام فيها نائبًا وكتب على بابها
أنه فتحها سنة ٩٤٥.
ثم ذكر المؤلف وصول خبر غدر الباشا إلى أهل الهند فنفر منه الناس وكانوا
استعدوا لنصره وجمع العسكر له ثم كادوا له حتى رجع عنهم إلى اليمن قال:
(وكان سليمان باشا خوَّارًا خوافًا لم يُعهد منه شجاعة ولا إقدام وإنما كان يفتك بمن
وقع في يده مأسورًا مربوطًا، فركبه من ذلك (أي مما بلغوه إياه كيدًا له وإيهامًا
وليس هذا محل شرحه) خوف عظيم وتفرقت عساكره وصاروا يخدمون خوانين
الهند طمعًا في كثرة العلوفة) .
ثم ذكر خبر وصوله بمن بقى معه من العساكر إلى (مخا) وغدره بصاحب
اليمن قال: (وأرسل إلى الناخود أحمد بخلعه ومرسوم فيه الأمان وأن يكون نائبًا
عن السلطنة بمملكة اليمن كما كان وأن يصل بنفسه يدوس البساط، ويحصل له
كمال الشرف والانبساط، فلما وصل إليه المرسوم استشار أخصاءه فكلهم أشار عليه
بعدم المواجهة وقالوا له إنه لم يكن عنده شيء من الخيل ونحن عندنا سبع مئة
حصان فإن قاتلنا قاتلناه، وإن رضي منا بالإطاعة أطعناه، فلم يستصوب هذا الرأي
وركب إليه لملاقاته هو وخاصة عبيده وكانوا نحو الخمس مئة ووصل إليه طائعًا
لابسًا خلعته هو وولده وولد اسكندر رموز وهما صبيان دون المراهقة وقدم إليه من
هدايا اليمن ما قدر عليه، فلما دخل عليه أمر بقتله في الحال وذلك في ثامن
شوال سنة خمس وأربعين وتسع مئة فتشتت عبيده فنادى فيهم مناد من أراد من
العبيد السود العلوفة السلطانية عند الوزير فليأت! فاجتمعوا بأسرهم ودخل معهم من
ليس منهم طمعًا في العلوفة وأُدخلوا حوشًا كبيرًا له باب واحد وصاروا يخرجونهم
اثنين اثنين ويكتب اسمهما الكاتب بحضوره ويبرز بهما إلى خارج الباب فيرمي
رقابهما ولم يشعر بهما أحد منهم ممن داخل الحوش ولم يعلموا ما يفعل بهما عند
الباب إلى أن قتل الجميع!!) .
ثم ذكر عوده وحجه وما فعل في الحرم من الإلحاد والظلم والنهب والسلب من
أهل عرفات والحجاج ومن أميري الحج الشامي والمصري ثم عودته إلى مصر
وافتخاره أمام الوزير لطفي باشا زوج أخت السلطان سليمان بفتوحاته لعدن واليمن
وانتصاره ولا ندري على أي الأعداء انتصر وما كان صاحبا عدن واليمن إلا فرحين
به مستأمنين له من غير ضعف ولا خوف، ثم قال المؤلف رحمه الله ما نصه وهو
الحكمة البالغة والعبرة المؤثرة:
(ولو نظروا في حقيقة الحال، وتدبروا ما سيؤول إليه المآل، علموا أنهم
كانوا في غنى عن هذا العنا، وتيقنوا أنه جر إليهم محنًا وإحنا، ولقد سمعت
المرحوم محمد حلبي المقتول دفتر دار مصر يفاوض المرحوم داود باشا في حدود
سنة ثلاث وخمسين وتسع مئة فقال: (ما رأينا مسبكًا مثل اليمن لعسكرنا كلما
جهزنا إليه عسكرًا ذاب ذوبان الملح، ولا يعود منهم إلا الفرد النادر ولقد راجعنا
الدفاتر في ديوان مصر من زمن إبراهيم باشا إلى الآن فرأينا قد جهز من مصر إلى
اليمن في هذه المدة ثمانون ألفا من العسكر لم يبق منهم في اليمن ما يكمل سبعة آلاف
نفر) ا. هـ كلامه.
(قال المؤلف) قلت وقد تجهز بعد ذلك إلى هذا الزمان أضعاف ما ذكره
محمد بك رحمه الله تعالى وهلُمَّ جرا إلى آخر الزمان، وهذا سر إلهي لا يعلم حقيقته
إلا الله تعالى، والذي يلوح للخاطر أن سبب نقصان بركتهم، وتقهقر عددهم، ما
يرتكبونه من ظلم العباد، وما يتصاعد من المظلومين من الأدعية التي تصدر عن
قلوب منكسرة ليس لها ناصر إلا الله تعالى، والله سبحانه يلهم حكامنا وأمراءنا العدل
والإنصاف، ويعدل بهم عن الجور والاعتساف، إنه مجيب الدعوات، ومقيل
العثرات، اهـ.
(المنار)
إن أعجب ما في هذه النبذة التي اقتبسناها من هذا التأريخ قوله (وهلم جرا
إلى آخر الزمان) فلله در المؤرخين إن أشعة بصائرهم لتخترق حجب القرون،
فتبصر ما وراءها وتخبر بمضمرات الغيوب، فقد صدّقت حوادث هذه القرون
الأربعة قول الرجل ما أراه إلا كان يعتقد بعلة خفية لهذا الخذلان في تلك البقعة لهذه
الدولة التي كانت في تلك الأيام أقوى دول الأرض ولعلها هي ما أشار إليه في مقدمة
الكتاب من الأحاديث الصحيحة الواردة في اليمن الناطقة بأن الإيمان يماني والحكمة
يمانية وأن نفس الرحمن يأتي من جهة اليمن على أن الرجل كان متعصبًا للدولة
على الزيدية مفتخرًا بما كان يحصل لها من الانتصار، متألمًا مما كان يحدث لها من
الانكسار، ذامًّا للزيدية مشنعًا عليهم بالبدعة، مادحًا للدولة وعسكرها بنصر السنة،
ولم تكن عنده نعرة جنسية عربية فإن الإسلام نزع من قلوب العرب هذه العصبية
الجاهلية فلم تعد إليهم حتى اليوم، بل نرى المؤلف يذم عرب اليمن أحيانًا مع التعبير
عنهم بالعرب، ويمدح الترك معبرًا عنهم بالترك، ويبتهج بنصرهم ويدعو لهم وهذا
شأن العرب إلى اليوم في كل البلاد يفرحون بنصر الدولة على عرب اليمن وإن
ظلمت هنالك العباد، وخربت البلاد، حتي إنهم كانوا يقولون في السلطان عبد الحميد
لا أزال الإله دولته الغرا (م) وإن كان قد طغي وتجبر.
وقد قرأنا في جريدة الإصلاح التي تصدر في سنغافورة كتابة من عهد قريب
لبعض عرب حضرموت يتمنون فيها أن تعجل الدولة باحتلال بلادهم والاستيلاء
عليها، ولكن متعصبي فروق أمثال صاحب جريدة إقدام مجدون في التفريق، فهم
الذين يعيدون بأقوالهم وأفعالهم إلى العرب عصبية الجنس إلا إذا تدارك رجال
السياسة هذا عاجلاً كما نصحنا لهم أمس حين جئنا العاصمة، ولما يستبينوا النصح
في ضحي الغد.
اتقوا الله يا ساسة الدولة وانزعوا هذا الوسواس من صدوركم، اتقوا الله
وأصلحوا ذات بينكم، اتقوا الله فإنكم تقولون إننا في حاجة إلى المساواة والاتحاد مع
جميع العناصر العثمانية، وكيف يكون الاتحاد إذ لم يكن قبل كل شيء بين العرب
والترك؟ اتقوا فنحن في أشد الحاجة إلى الاعتصام بالأخوة الإسلامية مع جميع
المسلمين والأخوة العثمانية مع جميع العثمانيين، فلا يَهْدِمَنَّ السفهاء ما يبنيه الحكماء،
فإن الهدم أسهل وأسرع من البناء، والسلام على من اتبع الهدى، ورجح العقل على
الهوى.
***
(دار العلم والإرشاد)
رجوت في النبذة الثانية من رحلتي أن أنشر في الجزء الثالث من المنار نظام
مدرسة (دار العلم والإرشاد) بناء على الرجاء في الشروع بالعمل في ربيع الأول،
وقد حدث بعد أن كتبت ما كتبت ما أيأسني من مساعدة الحكومة بعد وعدها القطعي
أو كاد، ثم عادت المياه إلى مجاريها والمرجو من فضل الله تعالى أن يكون الشروع
في شهر ربيع الآخر وقد تمت المقدمات في ربيع الأول والله الموفق وهو
المستعان.