للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: السر ألفرد شارب


الإسلام في نيازالاند [*]

قول لحاكمها
لما رزت نيازالاند منذ ٢٠سنة لم يكن الإسلام موجودًا إلا في بقعة أوبقعتين
جاءهما به بعض العرب ومن ذلك الحين انتشر الإسلام انتشارًا عظيمًا لا سيما في
السنوات الأخيرة، وقد امتازت قبيلة (الياوس) بالميل إلى الإسلام ونشره وأما
القبائل المقيمة غربي بحيرة نيازا فليس بينها مسلم وقد تغلبت البعثة
الإسكوتلاندية الدينية هناك فمال القوم إلى النصرانية، أما الإسلام فقد كان انتشاره
من ساحل إفريقية الشرقي وليس من السودان. والفضل الأعظم في نشره للعرب
جاؤوا من زنجبار وقد نمت هذه النهضة الإسلامية بدون مساعدة وليس فيها شيء
من قبيل الدعوة الجامعة، وفي جميع بلاد (باو) من بحيرة نيازا إلى الساحل
الشرقي يوجد في كل قرية تقريبًا جامع وإمام، وليس في هذه النهضة شيء من
التعصب أو العداء فإن جماعة الياوس يميلون إلى الحكومة، ولا تزال هذه النهضة
حتى الآن خالية من كل أذى، على أنه مما لا ريب فيه دائمًا أن الإسلام معارض
للنفوذ الأوربي، أما الحكومة فقد جرت على خطة النزاهة فلم تفضل دينًا على دين
آخر، ولا خوف من هذا القبيل ما دامت هذه خطة الحكومة، ولا أظن أن النهضة
الإسلامية تنتشر إلى جنوبي (زمباسي) نظرًا لقوة النفوذ الأوربي هناك اهـ.
وقد نشرت هذا القول جريدة الدايلي تلغراف من كبريات جرائد لندرة، وقَفَّت
عليه بهذه المقالة.
(إن نهضة الإسلام لجديرة من إنجلترا بعناية أكثر من العناية المبذولة الآن
في سبيلها نظرًا لاتساع ملك إنجلترا على المسلمين، ولأن لها منهم رعايا أكثر من
رعايا سلطان الدولة العثمانية، ولقد قلنا مرارًا: إن كثرة عدد المسلمين في المملكة
الإنجليزية جعل واجباتها نحو الإسلام ذات صفة خاصة.
على أنها فرطت في إهمال هذه الواجبات وإذا بأمة أخرى تغتنم الفرص
السانحة وتدرك ما جهله الإنجليز وتفعل ما لم يفعلوه.
(فالواجب الأول المفروض على إنجلترا نحوالإسلام هو أن تفهم هذا الشعب
ولا سبيل إلى هذا التفاهم إلا بتعليم جميع الإنجليز الذين يختلطون بالمسلمين لغات
الشعوب الإسلامية وطريقة فكرتهم وشرائعهم، إلا أن الدولة لم تقتصر على إهمال هذا
الواجب إهمالاً تامًّا ولكنها لم تعين له النفقات ولم تبذل في سبيله من الاهتمام ما هو
جدير به، على أن مراسلنا في برلين يقول في رسالته الأخيرة: إن ألمانيا تهتم
كثيرًا بما أهملناه فقد أنشؤوا في ألمانيا مجلة تأريخ ومدنية الشرق الإسلامي، وفي
أكثر من مدرسة جامعة ألمانية يوجد قسم خاص لتعليم لغات الشرق وآدابه، وقد
سعى الألمان بواسطة هذه المباحث وراء التدخل بين المسلمين لمصلحته الخاصة،
وقد أشار مراسلنا في برلين إلى وجود مدارس ألمانيا في مراكز عديدة في
المملكة العثمانية، وإنهم ينوون إنشاء مدرسة جامعة ألمانية في آسيا الصغرى أو ما
بين النهرين، وهي مساع سلمية تبذلها ألمانيا في سبيل تعزيز روابط العلاقات بينها
وبين الدولة العثمانية، فهل سعت إنجلترا السعي الواجب في سبيل تعزيز روابط
الصلات بينها وبين الشعوب الإسلامية التي تتولى أمورهم؟ .
وأهم هذه البلاد هي الهند ومصر، نحن نرسل إليهما نخبة من رجالنا لتولي
أمورهم وهم ما بين إنجليزي وإسكوتلاندي وأرلندي، ولكننا لا نبذل الجهد لإفهام قومنا
في إنجلترا بالذات هذه الحقيقة بحيث يدركون ما يفعله رسل دولتنا هناك، فإن
مدارسنا الجامعة لا تحفل بالدروس الشرقية كما أن المدارس العامة لا تتعرض لها،
والذين يعرفون اللغة العربية في إنجلترا أو يعلمون شيئًا من الإسلام وحياة المسلمين
هم أندر من الكبريت الأحمر، إن من مصلحة حكومة الهند وسلطتنا في مصر أن
نعد بعض رجالنا ليقفوا على حركة الإسلام وسيره، لا يفهم من قولنا هذا أنه لا
يوجد في إنجلترا من يعلم ذلك. والحقيقة أن فيها عددًا غفيرًا من هؤلاء العالمين
الذين يهتمون بهذا الأمر.
فعندنا الجمعية الآسيوية الملوكية وجمعية آسيا الوسطى وعندنا بعض
أساتذة جامعاتنا ولهم اهتمام تام باللغة العربية والإسلام، على أن الدروس في تلك
المدارس ليس فيها ما يحفز الإنسان إلى السعي والاهتمام، وكان يجب على الحكومة
أن تعين مبلغًا كبيرًا إعانة لمعهد شرقي عظيم يدفع بكثير من شباننا إلى الانقطاع لنقل
حقيقة الشرق إلى الغرب، وهذا النقل ضروري لمصلحة الغرب، وإلا فإن الغرب
لا يمكن أن يدرك حقيقة الشرق؛ لأن إدراكه له يؤدي إلى سقوطه، ومنذ خمسين سنة
زعم (رانك) أن الإسلام يضعف كلما أثرت فيه المؤثرات الغربية، ومع ذلك فقد
تواترت النهضات الإسلامية من ذلك الحين، ففي إفريقية ظهر المهدي وأمثاله
والسنوسي، وانتشرالإسلام جنوبًا فجرف كل دين آخر في سبيله وأوجد وراء بحيرة
تشاد المدن الكبيرة وهي ذات نظام وشرائع تختلف كثيرًا عن الهمجية السابقة ولم
يؤثر في الهنود اختلاطهم بالإنجليز. وهذه الدولة العثمانية التي سميت قبلاً
(بالرجل المريض) قد نهضت نهضة وطنية على قاعدة لا تختلف عن الإسلام في
شيء، وكل هذا هو من قبيل وضع خمر جديدة في زجاجات قديمة، ولا نعلم حتى
الآن ماذا تكون النتيجة، على أن حالة مصر تفيدنا أن الغرب كان عجولاً وكان الأولى
به أن بتدبر الأمر طويلاً، فدراسة هذه المسائل من مقتضيات المصلحة الوطنية
الإنجليزية وجدير برجال سياستنا أن يعتنوا به عناية خاصة اهـ.
(المنار)
عسى أن يكون لمحاربي العربية عظة بهذا الكلام، وأن يعلموا أن محاربة
العربية محاربة للإسلام.