للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الدين والإلحاد والاشتراكية

نصر المقتطف
الإيمان على التعطيل
يظن الكثيرون أن صاحبي مجلة المتقطف من الملاحدة المعطلين، وكنت أنا
أظن ذلك، حتى اتفق من بضع سنين أن جرت بيننا مناظرة خاصة جر إليها الكلام
العادي، وكنت أنا الموجب المثبت بالطبع، وكان آخر قولي المقبول فيها وصفوته
أن هذه الكائنات في جملتها حادثة، لم يكن شيء منها كما نعرفه الآن، وفيها من
الإبداع والنظام ما يستحيل أن يكون حصل بالمصادفة، أو يكون مصدره العدم
المحض، بل يجب عقلاً أن يكون لهذا الإبداع والنظام العجيب في العوالم العلوية
والأرضية مصدر وجودي، ولكن حقيقة هذا المبدِع المُوجد للنظام والحافظ له
مجهولة، فنحن نسميه (الله) فإذا اعترف الماديون بما قلناه وسموا ذلك المبدع
(المادة) ، فالاختلاف إنما يكون بالتسمية والألفاظ، إلخ ما دار بيننا يومئذ ووافقني
فيه مناظري أو محدثني على إثبات وجود البارئ عز وجل، وأن من كفر من علماء
أوربا بإله الكنيسة لا يمكنه أن يكفر بإله الطبيعة، وأعني بإله الكنيسة الموصوف
بما تصفه به من الأقانيم والصفات، وكنت أقول في نفسي بعد ذلك: هل الدكتور
يعقوب صروف مادي حقيقة؟ وهل كانت مناظرته لي استرسالاً في هذا البحث
العلمي أم انتصارًا لاعتقاده أم اختبارًا لي.
ذكرت في كتابي (الحكمة الشرعية) الذي كان أول شيء ألفته أو كتبته في
المسائل العلمية الدينية والاجتماعية أن أجدر الناس بقوة الإيمان بالله تعالى علماء
الطبيعة الواقفون على ما لا يعرفه غيرهم من علماء الدين بنظام الكون وآيات الله
تعالى فيه وهم العلماء المشار إليهم في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا
وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (فاطر: ٢٧-٢٨) فلا ريب أن المراد بالعلماء
هنا العلماء بآياته تعالى، وحكمه في نظام هذه الكائنات المذكورة في الآيات.
ثم رأيت في فاتحة جزء المقتطف الذي صدر في هذا الشهر مقالة علمية
لمحرر المقتطف، يرد فيها على أحد المعطلين الاشتراكيين، ويستدل على وجوده
تعالى بآياته في خلقه على طريقة القرآن لا على طريقة المتكلمين النظرية، ويشرح
هذه الآيات شرحًا علميًا على طريقة علماء الكون في هذا العصر، وقد أشار في هذه
المقالة إلى سبب كتابتها؛ وهو ما نشره بعض المتعطلين في باب المراسلة والمناظرة
منه.
راجعنا باب المناظرة، فرأينا فيه رسالة بإمضاء (سلامة موسى) ؛ يرتأي
فيها أن الحكومة المصرية لا يصلح حالها إلا بالسير على مذهب الاشتراكيين الذي
عنوانه (لا رب ولا سيد) ؛ أي لا دين ولا سلطة، وقال الكاتب في رسالته ما نصه: (ما هي اعتراضاتكم على الاشتراكية وعلى الالحاد؟ ماتت بالأمس زوجة لصديق اشتراكي لي، فشيعناها إلى القبر بلا صلاة، وكان على عربة المائتة علم
كبير مكتوب عليه بحروف واضحة، يكاد يقرأها الأعمى (لا رب ولا سيد) ، ولم
أر العالم اختل بذلك ولا الطريق تغيرت ولا الله ظهر ليثبت وجوده) .
وقد علق المقتطف على هذه الرسالة تعليقًا وجيزًا، ثم أيده بتلك المقالة،
فرأينا أن ننقل في المنار كل ما كتبه تذكيرًا للعالم، وعبرة للمقلدين في الكفر الذين
يقولون: لو كان أصل الدين حقًا لما أنكر وجود الله تعالى العلماء العارفون بنظام
الكائنات، وقد كثر عندنا هؤلاء المقلدون الذين قال في مثلهم الشاعر العربي:
عُمْيُ القلوب عَمُوا عن كل فائدة ... لأنهم كفروا بالله تقليدًا
وقد رأينا أن ننقل ما كتبه المقتطف في التعليق على رسالة ذلك الملحد أولاً،
ثم ننقل مقالته التي أيد فيها الإيمان، ثم نعقب ببعض ما كنا كتبناه في العام الماضي
في مسألة من المسائل التي ألم بها المقتطف، وهي حال المتدينين في الفضيلة،
وكون العمران مبنيًا على أساس الدين، والكفر داعية الفساد والخراب، وهذا نص
تعليقه على الرسالة.
(المقتطف)
نشرنا هذه الرسالة على جاري عادتنا من نشر رسائل المرسلين
ومناظرات المناظرين، ولو كانت على غير رأينا، والغرض من نشرها إطلاع
القراء على كيفية نظر الاشتراكيين في المسائل الاجتماعية، ولا شبهة أن في
الاجتماع البشري مساوئ كثيرة يجب نزعها، وأمراضًا مزمنة يجب علاجها، وأن
الاشتراكية أفادت فائدة كبيرة في التنبيه إلى هذه المساوئ وهذه الأمراض، ولكن
سير العمران لم يتوقف على الاشتراكية والمصلحون الذين لهم اليد الطولى في
إصلاح حال المجتمع لم يتبعوا خطة واحدة وطريقة مقررة؛ فبعضهم أفاد المجتمع
بنشر المبادئ الأدبية، وبعضهم أفاده بنشر المبادئ الدينية، وبعضهم بالثورة على
المستبدين: ولا تفلح طريقة من الطرق ما لم تتهيأ وسائلها وتستعد الأمم لها، وإلا
كانت كالضرب في الحديد البارد، وعلمنا واختبارنا يدلاننا على أن الأمة المصرية
سائرة في الطريق الذي يكن سيره في هذا القطر للبلوغ إلى نزع المساوئ القديمة.
قلنا الأمة المصرية ولم نقل الحكومة المصرية؛ لأن الحكومة جزء من الأمة،
والموظفون الأجانب الذين فيها من الإنكليز وغيرهم، لا يقلون عن الوطنيين اهتمامًا
بإصلاح البلاد، والإصلاح المالي مقدم على الإصلاح العلمي دائمًا، كما يشهد
تاريخ الاجتماع، فلم يخطئ لورد كرومر في سياسته المالية؛ أى تقديم الإصلاح
المالي على الإصلاح العلمي؛ لأن الإنسان إذا أصلح ماله سهل عليه بعد ذلك تعليم
أولاده وإلا فلا، والحكومة الغنية يسهل عليها إنشاء المدارس ونشر التعليم، وأما
الحكومة الفقيرة فيصعب عليها ذلك أو يتعذر.
والتعطيل أي إنكار وجود الله ونسبة الإنسان إليه من مقوضات دعائم العمران
ولا عبرة بثبوت العمران الآن بين الأقوام الذين شاع التعطيل عندهم؛ لأنهم تربوا
تربية دينة؛ فرسخ في نفوسهم عمل الواجب وكراهة الكذب، والاعتداء على الغير
ونحو ذلك من الشرور. ولكن إذا نزع مبدأ الحلال والحرام الديني تعذر وضع مبدأ
آخر يقوم مقامه ويرسخ رسوخه؛ ولذلك يوجس المفكرون شرًّا مما ستصير إليه
حال أوربا وأميركا في أواخر هذا القرن إذا انتشر التعطيل فيهما، هذا فضلاً عن
أن التعطيل غير معقول لذاته، ففرضه خطأ علميًا كما هو ضرر اجتماعيًّا،
والمجاهرة به تفضي إلى أكبر المضار على نوع الإنسان) اهـ.
وهذه مقالته الافتتاحية:
آياته في خلقه
في باب المراسلة في هذا الجزء رسالة لكاتب يرى أن التعطيل: أي إنكار
وجود الخالق لا يضر أحدًا، ونحن نرى أنه يأتي بأكبر المضار. ولكن هب أنه لا
يضر فهل هو معقول؟
في إدارة المقتطف مطبعة أو آلة طباعة، يديرها سير من الجلد تحركه
الكهربائية، فتسحب الورق من لفتين كبيرتين وتمرَّه فوق حروف الطباعة بعد أن
تحبرها، وتطبعه من وجهيه وتقص منه صفحتين بعد صفحتين، وتضع إحداهما
داخل الأخرى، وتلصقها بها وتطويهما طولاً وعرضًا أربع طيات، فيخرج المقطم
منها مطبوعًا مقصوصًا ملصوقًا مطويًا. وهي تطبع كذلك اثني عشر ألف نسخة في
الساعة، وتقصها وتلصقها وتطويها وتعدها تفعل ذلك كله من غير أن تساعدها يد أو
يرشدها عقل، ولكن لقد اشتغلت عقول مئات العلماء وعملت أيادي ألوف من العمال
مدة سنين كثيرة إلى أن صارت هذه الآلة تعمل هذا العمل، وحتى الآن لا يخرج
منها عدد واحد من المقطم إلا بعد أن تشتغل العقول وتعمل الأيادي في بلدان كثيرة
في عمل الورقة والحبر، واستخراج الفحم الحجري وتوليد الكهربائية، ناهيك بما
يلزم للآلات الكهربائية من المواد والعمال، وبما لزم لسبك الحديد والنحاس
والرصاص والنيكل ونحو ذلك من المعادن التي دخلت في عمل آلة الطباعة، وعمل
الحروف وعمل الآلات الكهربائية. ولو أحصينا جميع الذين اشتغلوا في عمل كل ما
يلزم لطبع جزء واحد من المقطم؛ لبلغ عددهم ألوفًا وعشرات الألوف، فمن يقول:
إن المطبعة تطبع الجريدة لذاتها، وينكر كل ما وراءها من العقول يخالف كل
معقول.
يزرع القمح في هذا القطر في نحو مليون وربع مليون من الأفدنة، ومساحة
الفدان أربعة آلاف ومئتي متر مربع، ولا يقل عدد السنابل في المتر المربع من
مئتي سنبلة، فعدد السنابل كلها التي تنبت كل سنة في القطر المصري وحده لا يقل
عن مليون سنبلة: أي أكثر من عدد كل سكان الأرض ست مئة ضعف، وفي كل
سنبلة بل في كل حبة من حبوبها من الدقة في التركيب، والحكمة في النوع
والصفات الموروثة والمكتسبة، والاستعداد للنمو والتوليد ما لا يوجد عشر معشاره
في آلة الطباعة المشار إليها آنفًا، فمن يستطيع أن ينكر وجود العقل الموجد لها
والمتولي شئونها؛ ولو بإيجاد القوى التي تحرك كل دقيقة من دقائقها وكل ذرة من
ذراتها.
وإذا استنرت بنور الكيمياء، وحللت دقائق حبة القمح، رأيت أن كل دقيقة
منها مؤلفة من ملايين وملايين الملايين من الذرات الصغيرة كلها متحركة ولا تحرك
أجزاء آلة الطباعة، وفيها من الصفات والخواص ما يميز القمح الصعيدي عن
البحيري والهندي عن البلدي. ثم إذا علمت أن ما يزرع من القمح في هذا القطر
ليس جزءًا من مئة مما يزرع في الأرض كلها، ولا جزءًا من مئة ألف جزء مما
ينمو من سائر الحبوب والبزور، رأيت أن عالم النبات وحده يذهل العقول، حتى لا
ترى لها مندوحة عن الاعتراف بالقوة الخارقة المدبرة.
وعالم الحيوان لا يقل عن عالم النبات في غرائبه، ترى في هذا الرسم حيوانًا
من أصغر الحيوانات الدنيا السابحة في الماء؛ طوله جزء من ثلاثة آلاف جزء من
العقدة: أي لو جمع ثلاثة آلاف حيوان منه، ونظمت طولاًَ في سطر واحد، ما بلغ
طولها أكثر من عقدة بوصة، فلا يرى إلا بالميكروسكوب (المجهر) ، راقب بعضهم
هذا الحيوان في العام الماضي ودرس طبائعه وكتب عنه يقول: رأيته أولاً كما في
الشكل الأول، ومستطيلاً وله ذنب دقيق طويل، وعند مغرز هذا الذنب في بدنه
ذنب آخر غليظ قصير فيسبح في الماء بتحريك هذين الذنبين، وبعد أن يسبح مدة
تختلف من بضع دقائق إلى بضع ساعات، يسكن ويصير كرويًا كما ترى في الشكل
الثاني، ويبقى ذنبه الطويل متحركًا متمعجًا كالأفعى، وحركته تجعل أمواجًا في
الماء تندفع إليه بما فيها من الميكروبات. وحينما تدنو هذه الميكروبات منه ينحني
عليها ذنبه الطويل، وتنفتح لها فتحة بين الذنبين فتبتلعها، على هذه الصورة يلقم
هذا الحيوان غذاءه، وقد يلتقم حيوانات صغيرة من نوعه كما ترى في الشكل الثالث
والرابع؛ فهو من الحيوانات المفترسة على صغر جسمه وحقارة قدره، وقد التقم
واحد أمامي خمس حيوانات صغيرة من نوعه في تسع ساعات وقبض على ثلاثة
أخرى ليبتلعها. لكنها تملصت منه وهربت بعد أن كاد يفترسها، وفي باطنه سائل
حامض يهضم ما يفترسه كما تهضم معدنا الطعام، ثم يسكن مدة بعد ما يتغذى الغذاء
الكافي، ويعود جسمه مستطيلاً كما كان أولاً، وتكثر المادة الحبيبية فيه، ويحدث له
حينئذ أمر من أمرين: إما أن يستدق من وسطه كما ترى في الشكل الخامس، ثم
ينقسم إلى حيوانين مستقلين كما ترى في الشكل السادس، كل منهما مثل الحيوان
الأول. وإما أن يتغير شكله وتضعف حركته ويأتي حيوان آخر يشبهه وهو في
شكله الأول، ويلتصق به كما ترى في الشكل السابع، فيمتزج الحيوانان امتزاج
التزاوج الحقيقي، ويصيران حيوانًا واحد كرويًا فيزول ذنباه، ويسكن مدة طويلة
ست ساعات أو أكثر، ثم ينفجر من أحد جوانبه وتخرج البزور منه كما ترى في
الشكل الثامن، وكل منها جزء من ثلاثين ألف جزء من العقدة، وهذه البزور تعوم
في الماء وتنمو رويدًا رويدًا، وبعد نحو ساعتين يتولد لكل منها ذنبان ويصير
حيوانًا كاملاً: أي أن هذه الحيوان الذي لا يرى بالعين لصغره، يولد ويتحرك
ويتغذى ويتزوج ويلد حيوانات كثيرة من نوعه: إما بالانقسام وإما بالولادة.
وكم في مياه الأرض من الملايين وملايين من مثله؟ وكم في هوائها وترابها
من مثل ذلك؟ وكل حيوان منها يولد ويسعى ويأكل ويتغذى ويتزوج ويلد، وفي
بنيته من الأعضاء والآلات ما يفوق آلة الطباعة المشار إليها آنفًا إتقانًا وإحكامًا؛
عدا ما فيها من ذرات العقل المدبر والأعصاب التي تشعر وتدير حركات الحيوانات،
وتكيفها حسب الأحوال التي تعرض لها حتى تهاجم وتدافع وتفترس وتهضم
وتتغذى وتتزاوج وتتوالد.
وما هي هذه الحيوانات الميكرسكوبية بالنسبة إلى الحيوانات الكبيرة؛ بالنسبة
إلى الأسماك والطيور والزحافات، وإلى الحيوانات العليا كالهر والأسد والفرس
والفيل، بل بالنسبة إلى الإنسان سيد المخلوقات في هذه الأرض، فهل يعقل أن
ليس في الكون قوة خالقة مدبرة أوجدت هذه الكائنات أو أوجدت القوى التي توجدها
وتدبرها وتدير حركاتها؟ .
هذه هي بعض الآيات البينات التي لا يغضي عقل الإنسان عنها وعن ما تدل
عليه، إلا إذا تكلف الإغضاء تكلفًا، أو كان خاملاً لا يفكر ولا يقيس ولا يستنتج)
اهـ.

(المنار)
رأينا أن نعيد هنا ما كنا كتبناه في قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} (النساء: ١٣) في
معنى ما جاء في تعليق المقتطف عن ضرر الكفر وإفساده للعمران، وبيان أن
الإيمان بالله تعالى لا يكفي لحفظ العمران من إفساد الكفر، حتى يضم إليه الإيمان
بالوحي والرسل عليهم الصلاة والسلام وهو:
الأستاذ الإمام: طاعة الرسول هي طاعة الله بعينها؛ لأنه إنما يأمرنا بما
يوحيه إليه الله من مصالحنا التي فيها سعادتنا في الدنيا والآخرة، وإنما يذكر
الرسول مع طاعة الله؛ لأن من الناس من كانوا يعتقدون - قبل اليهودية وبعدها،
وكذلك بعد الإسلام إلى اليوم - أن الإنسان يمكن أن يستغني بعقله وعمله عن الوحي،
يقول أحدهم: إنني أعتقد أن للعالم صانعًا عليمًا حكيمًا، وأعمل بعد ذلك بما يصل
إليه عقلي من الخير واجتناب الشر، وهذا خطأ من الإنسان، ولو صح ذلك لما كان
في حاجة إلى الرسل، وقد تقدم في تفسير سورة الفاتحة أن الإنسان محتاج بطبيعته
النوعية إلى هداية الدين، وأنها هي الهداية الرابعة التي وهبها الله للإنسان بعد هداية
الحواس والوجدان والعقل، فلم يكن العقل في عصر من عصوره كافيًا لهداية أمة
من أممه، ومرقيًا له بدون معونة الدين.
أقول: يرد على هذا من جانب المرتابين والملاحدة: أننا نرى كثيرًا من أفراد
الناس لا يدينون بدين؛ وهم في درجة عالية من الأفكار والآداب وحسن الأعمال
التي تنفعهم وتنفع الناس، حتى إن العاقل المجرد عن التعصب الديني يتمنى لو كان
الناس كلهم مثله، بل يسعى كثير من الفلاسفة لجعل الأمم مثل هؤلاء الأفراد في
آدابهم وارتقائهم. وأجيب عن هذا (أولاً) : بأن الكلام في هداية الجماعات من
البشر كالشعوب والقبائل والأمم الذين يتحقق بارتقائهم معنى الإنسانية في الحياة
الاجتماعية؛ سواء كانت بدوية أو مدنية، وقد علمنا التاريخ أنه لم تقم مدنية في
الأرض من المدنيات التي وعاها وعرفها إلا على أساس الدين، حتى مدنيات الأمم
الوثنية كقدماء المصريين والكلدانيين واليونانيين، وعلمنا القرآن أنه ما من أمة إلا
وقد خلا فيها نذير مرسل من الله عز وجل لهدايتها، فنحن بها نرى أن تلك الديانات
الوثنية كان لها أصل إلهي ثم سرت الوثنية إلى أهلها حتى غلبت على أصلها؛ كما
سرت إلى من بعدهم من أهل الديانات التي بقي أصلها كله أو بعضه على سبيل
القطع أو على سبيل الظن، وليس للبشر ديانة يحفظ التاريخ أصلها حفظًا تامًا إلا
الديانة الإسلامية وهو مع ذلك قد دون في أسفاره كيفية سريان الوثنية الجلية أو
الخفية إلى كثير من المنتسبين إليها؛ كالنصيرية وسائر الباطنية وغيرهم ممن غلب
عليهم التأويل أو الجهل، حتى إنه يوجد في هذا العصر من المنتمين إلى الإسلام من
لا يعرفون من أحكامه الظاهرة غير قليل مما يخالفون به جيرانهم؛ كجواز أكل لحم
البقر في الأطراف الشاسعة من الهند، وكيفية الزواج ودفن الموتى في بعض بلاد
روسيا وغيرها، فمن علم هذا لا يستبعد تحول الديانات الإلهية القديمة إلى الوثنية.
فاتباع الرسل وهداية الدين أساس كل مدنية؛ لأن الارتقاء المعنوي هو الذي
يبعث على الارتقاء المادي، وها نحن أولاء نقرأ في كلام شيخ الفلاسفة الاجتماعيين
في هذه العصر " هربرت سبنسر ": إن آداب الأمم وفضائلها التي هي قوام مدنيتها
مستندة كلها إلى الدين وقائمة على أساسه، وإن بعض العلماء يحاول وتحويلها عن
أساس الدين؛ وبناءها على أساس العلم والعقل، وأن الأمم التي يجري فيها هذا
التحويل، لا بد أن تقع في طور التحويل في فوضى أدبية لا تعرف عاقبتها ولا
يحدد ضررها، هذا معنى كلامه في بعض كتبه، وقد قال هو للأستاذ الإمام في
حديث له معه: إن الفضيلة قد اِعْتَلَّتْ في الأمة الانكليزية وضعفت في هذه السنين
الأخيرة؛ من حيث قَوِيَ فيها الطمع المادي، ونحن نعلم أن الأمة الإنكليزية من أشد
أمم أوربا تمسكًا بالدين؛ مع كون مدنيتها أثبت وتقدمها أعم؛ لأن الدين قوام المدنية
بما فيه من روح الفضائل والآداب، على أن المدنية الأوربية بعيدة عن روح الديانة
المسيحية؛ وهو الزهد في المال والسلطان وزينة الدنيا، فلولا غلبة بعض آداب
الإنجيل على تلك الأمم لأسرفوا في مدنيتهم المادية إسراف غير مقترن بشيء من
البر وعلم الخير وإذًا لبادت مدنيتهم سريعًا، ومن يقل: إنه سيكون أبعدها عن الدين
أقربها إلى السقوط والهلاك، لا يكون مفتاتًا في الحكم ولا بعيدًا عن قواعد علم
الاجتماع فيه، فحاصل هذا الجواب الأول عن ذلك الإيراد؛ أن وجود أفراد من
الفضلاء غير المتدينين لا ينقض ما قاله الأستاذ الإمام: من كون الدين هو الهداية
الرابعة لنوع الإنسان التي تسوقه إلى كماله المدني في الدنيا، كما تسوقه إلى سعادة
الآخرة.
وثانيًا أنه لا يمكن الجزم بأن فلانًا الملحد الذي تراه عالي الأفكار والآداب قد
نشأ على الإلحاد وتربى عليه من صغره، حتى يقال: إنه قد استغنى في ذلك عن
الدين؛ لأننا لا نعرف أمة من الأمم تربي أولادها على الإلحاد، وإننا نعرف بعض
هؤلاء الملحدين الذين يعدون في مقدمة المرتقين بين قومهم، ونعلم أنهم كانوا في
نشأتهم الأولى من أشد الناس تدينًا واتباعًا لآداب دينهم وفضائله، ثم طرأ عليهم
الإلحاد في الكبر بعد الخوض في الفلسفة التي تناقض بعض أصول ذلك الدين الذي
نشأوا عليه، والفلسفة قد تغير بعض عقائد الإنسان وآرائه، ولكن لا يوجد فيها ما
يقبح له الفضائل والآداب الدينية أو يذهب بملكاته وأخلاقه الراسخة كلها، وإنما
يسطو الإلحاد على بعض آداب الدين: كالقناعة بالمال الحلال، فيزين لصاحبه أن
يستكثر من المال ولو من الحرام؛ كأكل حقوق الناس والقمار بشرط أن يتقي ما
يجعله حقيرًا بين من يعيش معهم أو يلقيه في السجن وكالعفة في الشهوات، فيبيح له
من الفواحش ما لا يخل بالشرط المذكور آنفًا، هذا إذا كان راقيًا في أفكاره وآدابه،
وأما غير الراقين منهم فهم الذين لا يصدهم عن الفساد في الأرض وإهلاك الحرث
والنسل إلا القوة القاهرة، ولولا أن دول أوربا قد نظمت فرق المحافظين على
الحقوق من الشحنة والشرطة (البوليس والضابطة) أتم تنظيم، وجعلت الجيوش
المنظمة عونًا لها عند الحاجة؛ لما حفظ لأحد عندها عرض ولا مال، ولعمت بلادها
الفوضى والاختلال، وقد كانت الحقوق والأعراض محفوظة في الأمم من غير
وجود هذه القوى المنظمة أيام كان الدين مرعيًا في الآداب والأحكام؛ فتبين بهذا أن
طاعة الله ورسله لا بد منها لسعادة الدنيا، على أن السياق هنا؛ قد جاء لما يتعلق
بالسعادة الدائمة في الحياة الأخرى.