للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


تقريظ المطبوعات الجديدة

(سمير الليالي)
جمع أمين أفندي صوفي السكري من أدباء طرابلس الشام مسائل وفوائد كثيرة
من الكتب والصحف التي طالعها، فكانت كتابًا كبيرًا يدخل في بضعة أجزاء. وقد
طبع الجزء الأول منه في ١٣٢٧ على نفقة الشيخ عبد الله الرفاعي الكتبي في
طرابلس وهي الطبعة الثانية له. وهذا الجزء زهاء مئتي صفحة، أكثرها في
جغرافية المملكة العثمانية، وأقلها في جغرافية الممالك الأوربية، فيجد قارئه كلامًا
مفصلاً في وصف الولايات العثمانية لا يجده في غيره من الكتب العربية المتداولة،
وليت المؤلف وقد أضاف إلى هذه الطبعة فوائد كثيرة لو صحح ما فيه من الإحصاء
بمراجعة الإحصاءات الأخيرة، فهو يذكر أن مسلمي مصر تسعة ملايين؛ أخذًا من
إحصاء سنة ١٨٩٧ م وهم في إحصاء ١٩٠٧ زهاء ١١ مليونًا، وذكر أن نفوس
السودان المصري ١١ مليونًا، ولعله يعد من السودان المصري جميع ما انفصل منه
حتى زيلع ومصوع، كما هو مقتضى سياسة الدولة العلية، ثم إنه لم يلتفت إلى
ما حل به من الأوبئة والحروب. وإنني لم أراجع من الكتاب إلا إحصاء المسلمين،
فنبهت إليه وإلى سببه؛ لئلا يكون منفرًا عن الكتاب صادًّا عن فوائده، وأهمها
وصف الولايات العثمانية. والكتاب يطلب من المكتبة الرفاعية بطرابلس الشام.
* * *
(كتاب النصائح الكافية والردود عليه والانتصار له)
يتذكر القراء أنه ذكر في المنار كتاب (النصائح الكافية لمن يتولى معاوية)
للسيد محمد بن عقيل المقيم في سنغافورة، الذي أحدث عند طبعه وانتشاره ضجة
عظيمة، فأعجب به جماهير العلويين في الأقطار المختلفة، وأنكره آخرون وعدوه
ميلاً عن السنة إلى التشيع، ورد عليه بعض وانتصر له بعض.
أما السيد محمد بن عقيل فهو رجل سني من حزب المصلحين حسن النية وقد
كان كتب إليّ بعزمه على تأليف كتاب، يجمع فيه ما ورد في كتب المحدثين
والمؤرخين من جرح معاوية بن أبي سفيان، وتخطئته في خروجه على أمير
المؤمنين علي كرم الله وجهه، وما تبع ذلك من الفتن والسيئات، وكان الذي وجه
عزمه إلى ذلك خلاف وقع في مسألة جواز لعن معاوية وعدم جوازه، واستفتيت
يومئذ في الواقعة وأفتيت بعدم اللعن، فكتب إليّ هذا الصديق أنه مخالف لي في هذه
الفتوى، وأنه سيبين حجته في هذا الكتاب الذي توجه إلى تأليفه، فكتبت إليه يومئذ
بأنه لا ضير في مخالفته إياي، ولكنني أرى أن يترك وضع هذا الكتاب لما يترتب
عليه، إذا وضع بهذا السبب وبعد هذا الخلاف من القيل والقال، واتباع الهوى في
التفرق والخلاف، فلم يقتنع بصحة رأيي، وقد ظهر له صدقه بعد ذلك، ولكنه لا
يزال يرى أن نفع الكتاب أرجح من ضرر ما كان من الخلاف.
* * *
(الرقية الشافية)
كان أول من غلا في التشنيع على كتاب (النصائح الكافية) رجل من
العلويين اسمه السيد حسن بن شهاب، يظهر لي أنه كان يحسد السيد محمد بن عقيل
على ما آتاه الله من المكانة العلمية الأدبية في قومهم (الحضارمة) ، وغير قومهم
في مهاجرهم (سنغافورة) وغيرها، فأراد وقد سنحت له الفرصة أن يرفع من قدر
نفسه، ويضع من قدر محسوده، فألف رسالة سماها (الرقية الشافية من نفثات
سموم النصائح الكافية) وصار يكتب إلى من يعرف من علماء الأقطار يستنجدهم
بحماسة وشدة؛ للرد على هذا الكتاب، وقد كتب إليّ بإمضائه وغير إمضائه في
ذلك.
كان من رأيي - وأنا شديد الحرص على التأليف بين المسلمين، شديد النفور من
الخلاف والتفرق - أن لا أقرأ كتاب (النصائح الكافية) حتى لا أحكم له ولا عليه،
فلم أنجد ابن شهاب وحزبه فيما استنجدوني فيه، فاتخذوني عدوًّا لأجل ذلك، وما زال
أهل الأهواء يحدثون العداوة بين المسلمين؛ بمعاداة من لا يتبع أهواءهم ولا يعدل
آراءهم.
وقد رد على كتاب الرقية الشيخ أبو بكر بن شهاب المدرس بمدرسة دار
العلوم بحيدر آباد الدكن، وهو أشهر علماء الحضارمة في هذا العصر بكتاب سماه
(وجوب الحمية عن مضار الرقية) قرأت عدة مباحث منه، فظهر لي تهافت حسن
بن شهاب وضعفه، وأن الجهل وحده لا يهبط بصاحبه إلى مثل تلك الشتائم
والدعاوى والتمويهات لولا مساعدة الحسد واتباع الهوى، وأين السيد حسن بن
شهاب من السيد محمد بن عقيل.
وأين الثريا وأين الثرى ... وأين معاوية من علي
* * *
(نقد النصائح الكافية)
يظهر لك الفرق بين من يكتب ما يمليه عليه الهوى، ومن يكتب ما يمليه
عليه العلم والهدى، إذا قابلت بين ما كتبه السيد حسن بن شهاب وما كتبه الشيخ
جمال الدين القاسمي الدمشقي، فقد كتب رسالة سماها (نقد النصائح الكافية) ، انتقد
بها النصائح معتصمًا بحبوة الأدب، متحليًا بحلية الثناء على المؤلف والاعتراف
بفضله، وكان الإمام مالك رحمه الله تعالى، يقول: كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد
عليه إلا صاحب هذا القبر. ويشير إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
قسم القاسمي نقده إلى مقدمة و ١٤ مبحثًا وخاتمة، أكثرها في مسائل علمية؛
في أصول الفقه، وأصول الحديث والمناظرة والأحكام التي تتعلق بموضوع الكتاب؛
ككون التفسيق والتضليل لا يكون إلا بمجمع عليه، وكون أخوة الإيمان لا ترتفع
بالمعاصي، ومنها ما يتعلق بمعاوية خاصة؛ ككون الوقيعة فيه تستلزم رفض
مرويه ومروي من من أقام معه من الصحب (وهذا غير مسلم على إطلاقه) ،
وكونه بلغ رتبة الاجتهاد (وما كل مجتهد يعمل دائمًا بما أداه اجتهاده إلى كونه هو
الحق، وإلا لزم أن يكون كل مجتهد معصومًا من المعصية عامدًا عالمًا) .
ومن مباحثه أن من عدل المؤلف إذا ذكر لأحد ما عليه أن يشفعه بماله. أي
والعكس، ولا نزاع في هذا إذا أريد بالمؤلف المؤرخ والمحدث الذي يحكم بالجرح
والتعديل، ويريد أن يبين حال من يترجمه لمن يقرأ كتابه. وقد يكون لبعض
المؤلفين غرض من ذكر ما للمرء فقط أو ما عليه فقط؛ كتحقيق مسألة معينة أو
العبرة ببعض الخطآت والخطيئات، أو التأسي ببعض المناقب والحسنات، وقد
جمع صديقنا الناقد أحسن ما قيل في معاوية من الحقائق ومن الشعريات، ولم يذكر
في مقابلتها ما عليه، وما نكب به الإسلام والمسلمون على يديه، فإن كان غرضه
من هذا البحث أن ابن عقيل قد قصر؛ إذ ترك أحد الشقين، فهذا مشترك الإلزام؛
لأنه هو قد قصر أيضًا بترك الشق الآخر، والصواب أن كل واحد منهما قد ذكر ما
يرمي إلى غرضه.
وجملة القول أن كل واحد من الكاتبين في هذه المسألة وغيرها يؤخذ من
كلامه ويترك، ويقبل منه ويرفض، وليس من غرضنا تحرير المسألة بما يصل
إليه اجتهادنا، وإنما نود لو يكون كل ناقد كالقاسمي في أدبه وإخلاصه وتحريه ما
يرى أنه الأنفع للناس، فما فرق كلمة المسلمين إلا أهل الجدل والمراء بالهوى.