للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد بك رشدي


الإسعافات الطبية الوقتية
للمصابين بالكوليرا
للدكتور محمد بك رشدي حكيمباشي محافظة مصر

الكوليرا مرض وبائي، يصل مكروبه للجسم بواسطة المياه والمأكولات
ولا تحصل العدوى به بواسطة الهواء، وعدواه من براز المصابين أشد،
وميكروبه ينمو ويتضاعف في الأقمشة المبلولة، وهذا يفسر شدة العدوى
بالملابس الملوثة بالمواد البرازية للمصابين وانتقالها بها.
ويتضاعف أيضًا وينمو في المأكولات: كاللبن والبيض والمرق والبطاطس
المسلوق والخبز واللحوم وكافة الخضر والشكولاتة والأشربة المسكرة والمربات،
وعلى سطح الأرض الرطبة، ويعيش حيًّا في البراز مدة ٢٤ ساعة من التبرز،
ويعيش (في البرد) لغاية درجة تحت الصفر، إنما يكون بدون حركة ثم ينمو
بارتفاع الحرارة، وعلى ذلك فالبرد يضعفه والحرارة تقويه كسائر
المخلوقات الحيوانية والنباتية.
فمتى دخل ميكروب هذا المرض في البنية بواسطة الماء أو المأكولات،
تمضي مدة من الزمن قبل ظهور أعراضه المرجفة، ويسمى هذا الزمن بدور
التفريخ، ويختلف من ثلاثة إلى خمسة أيام، وهذا في الزمن لا يحس المصاب
بشيء، ثم بعده تظهر الأعراض المرضية، وتحصل منه العدوى ببرازه.
الأعراض:
يعرف هذا المرض في مدة انتشاره بتبرز وقيء متكررين، وظمأ شديد
وتناقص في البول أو فقده، وانطفاء الصوت، وآلام شديدة بسمانة الساقين،
وبتلون الجسم بلون أزرق خصوصًا الأظافر وغور الأعين، وانحطاط شديد
في القوى، وبرودة وقشعريرة، وتكون مواد البراز سائلة شبيهة بسائل غسيل
الأرز.
الأسباب:
من ضمن الأسباب التي تساعد على حصول هذا المرض؛ الاستعداد
الشخصي والتعب والحرمان وعدم النظافة وعسر الهضم.
ثم إن تركيب طبيعة الأرض له دخل في شدة انتشاره، فكلما كانت
الطبقات السطحية للأرض ذات مسام كثيرة كان الوباء أكثر شدة وبالعكس.
وعند حصول الإصابة، توجد جواهر دوائية توقف نمو ميكروبه وتميته
كمحلول الشب واحد على مائة، وعطر النعناع الفلفل واحد على مائتين، أو
حمض اللبنيك واحد على ثلاث مئة، أو حمض الليمون واحد على مائتين،
والحرارة تميته، فالملابس الملوثة بالماء المحتوي على ميكروب هذا المرض
إذا جففت في الحرارة الكافية للتجفيف، وبحثت فيما بعد بحثًا ميكروسكوبيًّا،
لا يوجد بها أثر ميكروب هذا المرض.
الوسائط الوقتية:
يجب على كل إنسان ظهرت الإصابة في جواره أن يتحاشى مخالطة
المصاب، ويسارع إلى استدعاء الطبيب من فوره؛ ليرشده إلى ما يلزم اتخاذه
من الوسائل لنجاة المريض وسلامة غيره من عدوى هذا الوباء.
ومن المعين الاستحمام يوميًا بماء طاهر أي: مرشح مغلي (بعد تبريده)
مع تجنب الاستحمام والوضوء والشرب من ماء النيل العكر؛ لما عسى أن
يكون فيه من ميكروب الداء، وتقصير الثياب بحيث لا تصل سطح الأرض؛
اتقاء لما يمكن أن يعلق بها من الميكروبات. ومن الملاحظات الجديرة بالعناية
وجوب خلع النعال وعدم الدخول بها في محالّ الجلوس أو الاستقبال، والامتناع
عن شرب الخمر من أي نوع كان؛ لأن شرب الخمر يعين على إضعاف
المعدة.
ويجتنب السهر الطويل والتعرض للبرد والاعتدال في الأكل وعدم
الإفراط فيه، ويحسن اجتناب المصافحة باليد مع غسل اليدين قبل الطعام
وبعده وقص الأظافر، ويتعين الامتناع عن أكل الخضر غير المطبوخة؛
كالجرجير والفجل والأسماك البحرية كأم الخلول والجنبري ونحوها، ويجتنب
أكل الفواكه غير الناضجة , وتطهر أطباق الأكل بوضع قليل من السبرتو النقي
بها وإشعالها إن لم يغسل بماء مغلي، ومراقبة الطهارة لعدم مسح الأطباق
بمناشفها القذرة. ويحسن أن لا يؤكل الخبز إلا بعد تجميره على النار أو على
لهب اسبيرتو، والامتناع من التدخين أو التقليل منه؛ لأنه يضعف المعدة
والقلب، ويجب غلي مياه الشرب طول مدة الوباء.
الإسعافات الأولية:
تنحصر تلك الإسعافات في مقاومة ثلاثة أعراض مهمة وهي: القيء
والإسهال وبرودة الجسم.
القيء: يقاوم القيء بتعاطي شراب الليمون المثلج أو منقوع النعناع
المثلج المحلى بالسكر أو شراب حمض اللبنيك.
كالمشروب الآتي:
حمض اللبنيك من ١٠ إلى ١٥ جرام، شراب السكر ٩٠ جرام كؤلات
الليمون والنعناع ٢ جرام , ماء مغلي ١٠٠٠ جرام.
يؤخذ كل ساعة كأس.
الإسهال: يستعمل حقن شرجية من محلول الشب من ١٠ إلى ١٥ جرام
في الألف، تذاب في ماء مغلي، وتعمل الحقنة ٣ مرات في اليوم.
برودة الجسم: الدلك بقطع من الصوف بعموم الجسم بعد غمسها بروح
الكافور، ووضع جملة زجاجات مملوءة بماء سخن حول الجسم بعد لفها
بالقماش، وتثبيت سدادتها جيدًا.
ثم يستدعى الطبيب في الحال لإجراء الوسائط الصحية اللازمة، وتتميم
العلاج بحسب حالة الأعراض.
فهذا ما كنا نشير باستعماله من الإسعافات الوقتية الأولية سنة ١٨٩٦،
حينما كنت حكيمباشي باستبالية مديرية الفيوم، وظهرت فوائدها كما يثبت
الإحصاء ذلك، وقد رأيت أن أكتفي بذكر ما يمكن لغير الأطباء استعماله في
الإسعافات الوقتية لهذا المرض الوبيل، وقى الله البلاد شره إنه سميع مجيب.