للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: المسيو شاتليه


الغارة على العالم الإسلامي
أو فتح العالم الإسلامي [*]

(٦)
مؤتمر أدنبرج سنة ١٩١٠
عقد المؤتمر في شهر سبتمبر سنة ١٩١٠ وكان للمسائل الإسلامية حظ كبير
من مداولات أعضائه، بل إن لجنتين من أهم لجانه تفرغتا للبحث في أمر الإسلام
والمسلمين.
وقد نشرت أعمال هذا المؤتمر ومناقشاته في تسع مجلات لم نتمكن من
الحصول عليها , إلا أننا عثرنا على مجلات ثلاث تكلمت عن هذا المؤتمر واحدة
ألمانية وهي (مجلة الشرق المسيحي) التي تصدرها (جمعية التبشير الشرقية
الألمانية) والثانية إنكليزية وهي (مجلة العالم الإسلامي) المعروفة , والثالثة
سويسرية وهي (مجلة إرساليات التبشير البروتستانية) التي تصدرها (جمعية
التبشير في مدينة بال في سويسرا) .
وأعمال مؤتمر أدنبرج لم تكن حبرًا على ورق , بدليل أن (المؤتمر
الاستعماري الألماني) الذي عقد عقب مؤتمر أدنبرج التبشيري اهتم بأمر إرساليات
التبشير الجرمانية , حتى خُيِّل للناس أن هذا المؤتمر الاستعماري السياسي تحول
إلى مؤتمر تبشيري ديني.
***
أقوال المجلة الألمانية
مجلة الشرق المسيحي هي التي تنشرها جمعية التبشير الشرقية الألمانية منذ
سنة ١٩١٠ , ولهذه الجمعية إرساليات تبشير وملاجئ للأيتام في السلطنة العثمانية
وفارس وبلغارية وروسية.
قالت هذه المجلة في مقالة عنوانها (الشرق المسيحي وإرساليات تبشير
المسلمين) :
(إن أعمالنا قد ازدادت أهمية بين مسلمي البلغار بنعمة الله الساطعة، وذلك
بنشاط وإقدام القسيس (أفيتارنيان) الذي كان اسمه من قبل أمين زاده محمد شكري
وازدياد أهمية التبشير كانت بوجه خاص عقب تأسيس المدرسة الدينية الإسلامية
وما يأتيه هذا القسيس من الأعمال؛ بمساعدة الشيخ أحمد كاشف والمدرس نسيمي
أفندي بقصد مقاومة الإسلام , يبرهن لنا على أنه قد أزف الوقت الذي يتزعزع فيه
الإسلام من أركانه! وينتشر الإنجيل بين الشعوب الإسلامية! وأن هذا الارتقاء
التاريخي وما نعمله في أرمينية وسورية وروسية قد جعلنا نزيد في اسم مجلتنا
(الشرق المسيحي) وندعوها بعد الآن (الشرق المسيحي وإرسالية التبشير
الإسلامية) وسيعهد بتحرير القسم الإسلامي فيها إلى القسيس (أفيتارينيان) .
ونشرت هذه المجلة مقالة أخرى بقلم المستر (لبسيوس) الألماني عنوانها
(دخول التبشير العام في طور جديد) ذكر فيها أهمية مؤتمر أدنبرج , وأنه أبان عن
ارتقاء في أعمال المبشرين.
ومن هذه المقالة نعلم أن مؤتمر أدنبرج كان فيه ١٢٠٠ مندوب بينهم ٥٠٢
من الإنكليز و٥٠٥ من الأميركان , ومن مندوبي التبشير الأميركيين المستر
(روزفلت) رئيس جمهورية الولايات المتحدة السابق , إلا أنه أرسل رسالة اعتذار
عن عدم تمكنه من الحضور , إلا أن المستر (براين) استطاع أن يحضر -
وهو خطيب أميركة المشهور , وقد رشح نفسه لرئاسة جمهورية الولايات المتحدة
مرارًا - وعلى هذا فالمندوبون الذين يتكلمون الألمانية كانوا ٩٨ والآخرون يتكلمون
بلغات مختلفة , ولذلك تقرر أن تكون الإنكليزية لغة المؤتمر.
وتقول هذه المجلة: إن إرساليات التبشير الإنكليزية والأرلندية تنفق في
السنة ٢.١٥٠.٠٠٠ جنيه في سبيل التبشير وجمعيات التبشير الأميريكية
والكندية , تنفق ٢.٠٠٠.٠٠٠ جنيه , وجمعيات التبشير الأوسترالية والأفريقية
والآسيوية والهندية تنفق ٣٠٠.٠٠٠ جنيه وما تنفقه جمعيات التبشير البروتستانية في
باقي القارة الأوروبية يبلغ ٧٠٠.٠٠٠ جنيه.
واقتبس صاحب هذه المقالة من قيود مؤتمر أدنبرج عدد جيش المبشرين
البروتستانت , فقال: إنه يبلغ ٩٨.٣٨٨ مبشرًا تعضدهم لجان , يبلغ عدد
أعضائها ٥.٥٠٠.٠٠٠ شخص , ويبلغ عدد النساء والرجال الوطنيين وغير
الوطنيين من موزعي التوراة الذين يشتركون في التبشير والوعظ ٩٢.٩١٣.
وعدد المعاهد الكنيسية ١٦.٦٧١ وعدد إرساليات التبشير العامة ٣.٤٧٨
والتي في الدرجة الثانية ٣٢.٠٠٩ وعدد الأساتذة والتلاميذ الذين تحت إشراف
المبشرين ١.١٩٠.٦٠٢ وتوجد تحت سلطتهم ٨١ مدرسة جامعة وكلية وفيها
٧.٩٩١ طالبًا , ولديهم ٤٨٩ مدرسة دينية لتعليم لاهوت النصرانية , وتخريج
المعلمين والمبشرين , وفيها ١٢.٥٤٣ طالبًا , وهي تهيمن أيضًا على ١.٥٩٤
مدرسة ثانوية , فيها ١٥٥.٤٢٠ طالبًا , و ٢٨.٩٠١ مدرسة ابتدائية , يبلغ عدد
تلاميذها ١.١٦٥.٢١٢ وما عدا ذلك فالمبشرون يديرون ١١٣ مدرسة من النوع الذي
يسمى (بستان الأطفال) وفيها ٤.٧٠٣ أطفال.
وأسست هذه الإرساليات ٥٥٠ مستشفى و١٠٢٤ صيدلية لها٤.٠٠٠.٠٠٠
من المترددين عليها ولديها ١١١ مجلسًا طبيًّا , و٩٢ جمعية للممرضات و٢٦٥ ملجأ
للأيتام و٨٨ ملجأ للبرص و٢١ ملجأ للبرص أيضًا وهي خاصة بالأطفال.
وتدير ٢٥ مدرسة للعميان و٢١ معهدًا للإسعاف و١٠٣ مستوصفات لمدمني
الأفيون و١٥ ملجأً للأرامل.
هذا كله كان سنة ١٩٠٢ , ومن يقارن بينه وبين ما وصل إليه هذا الإحصاء
سنة ١٩١١ ير أن هناك ارتقاء باهرًا , لأن عدد إرساليات التبشير العامة بلغ٣.٨٣٨
والإرساليات التي في الدرجة الثانية ٣٤.٧١٩ وعدد الأساتذة والتلاميذ ١.٤١٢.٠٤٤
أما الجامعات والكليات , فصار عددها ٨٨ وفيها ٨.٦٢٨ طالبًا ولدى المبشرين ٥٢٢
مدرسة دينية؛ لتخريج المبشرين , والمعلمين فيها ١٢.٧٦١ طالبًا وعدد المدارس
العليا ١.٧١٤ فيها ١٦٦.٤٤٧ طالبًا , وعندهم ٣٠.١٨٥ مدرسة ابتدائية عدد
تلاميذها ١.٢٩٠.٣٥٧.
أما المستشفيات فصار عددها ٥٧٦ والصيدليات ١.٠٧٧ والمجالس الطبية لا
تزال ١١١ وفيها ٨٣٠ طالبًا , و٩٨ معهدًا للممرضات فيها ٦٦٣ طالبة.
ويشرف على إرساليات التبشير ٢٥٠ جمعية عمومية عاملة و٤٣٣ جمعية
لإعانتها و٢٢ جمعية مختلفة.
وترد على صناديق إرساليات التبشير أموال كثيرة منها ٦٠.٥٠٠.٠٠٠
فرنك في السنة , تدخل في صناديق جمعيات التبشير البريطانية والأرلندية
و٦٧.٠٠٠.٠٠٠ فرنك في صناديق الجمعيات الأميركية والكندية و ٧.٢٠٠٠.٠٠٠
في صناديق الجمعيات الأوسترالية والأفريقية , ولغة الجمعيات كلها الإنكليزية
وأما إرساليات التبشير الأخرى , فيرد على صناديقها٢٠.١٠٠.٠٠٠ فرنك.
***
أقوال المجلة الإنكليزية
أقوال المجلة الثانية فهي (مجلة العالم الإسلامي) الإنكليزية التي تصدر منذ
شهر فبراير سنة ١٩١١ , ويتولى إدارتها القسيس زويمر رئيس إرسالية البحرين ,
وقد استهل عددها الأول بما يأتي:
(تبين لنا من مراجعة (مجلة العالم الإسلامي) الفرنسية ومجلة (الإسلام)
الألمانية ومن (دائرة المعارف الإسلامية الجديدة) المحررة بثلاث لغات أن زيادة
العناية والاهتمام بأمر الإسلام , تستدعي إصدار مجلة إنكليزية خاصة بالأبحاث
الإسلامية , ودرس أفكار المسلمين وعلاقاتهم بالكنيسة , والخطة التي ينبغي انتهاجها
مع المسلمين , وإذا كانت الكنائس المسيحية تحاول التحكك بالإسلام , فيجب عليها
قبل كل شيء أن تعرف مركز الإسلام.
دخلنا بعد مؤتمر القاهرة في دور جديد , ظهرت فيه أهمية تنصير المسلمين
وشعر زعماء التبشير بأن الكنيسة لا بد لها من سَبْر غَوْر المسألة الإسلامية , وأن
تحسن العناية بتربية المبشرين , وتتوقع خيرًا من أعمالهم, ومهمة تنصير المسلمين
تقضي بإيجاد ميدان مشترك للعمل , تتضافر فيه الأفكار والأبحاث والمجهودات.
ومجلتنا تستحسن الاهتمام الشديد الذي أبداه مؤتمر أدنبرج , وستجتهد هي في
متابعة البحث والمداولة في المسائل التي بحث المؤتمر فيها , وتواصل الجهد؛
لجمع كلمة الذين يحبون المسلمين (!) ويشتغلون لخيرهم (!) .
وهذه المجلة لا تمثل فرقة أو مذهبًا واحدًا من فرق الكنيسة وأحزابها , بل هي
ستكون واسعة الصدر سعة تامة) اهـ.
وقد نشرت هذه المجلة مقالة بقلم المستر شارلس وطسون تحت عنوان (العالم
الإسلامي) قال فيها: (إن من الخطأ الحكم على مؤتمر أدنبرج بأنه لم يهتم
بالمسائل الإسلامية؛ لأن الغاية من عقد ذلك المؤتمر هي البحث في مسائل العالم
الخارج عن النصرانية , والاهتمام بإيجاد وحدة وتضامن بين المبشرين في أعمالهم،
وأن نظرة واحدة توجه إلى قرارات المؤتمر تظهر لصاحبها الحظ الكبير الذي
كان للمسائل الإسلامية في أعمال المؤتمر.
فقد كان المؤتمر مؤلفًا من ثمان لجان , اختصت الأولى والرابعة منها بالتوسع
في بحث المسألة الإسلامية , أما مهمة اللجنة الأولى فهي أن تبحث في المسائل
الإسلامية من الوجهة الخارجية , وفي إيجاد ميدان عام مشترك لأعمال المبشرين
واختيار خطة (الهجوم) و (الغارة) , وتقرير هذه اللجنة يتضمن إحصاء متعلقًا
بالمسلمين , وعددهم ومبلغ ارتقائهم في كل قطر.
(ومما جاء في هذا الإحصاء أن في جزائر (ماليزية) والهند الهولندية
٣٦.٠٠٠.٠٠٠ مسلم , ويزداد عددهم يومًا بعد يوم على نسبة ما ينقص من عدد
الوثنيين , وتبين للجنة أن المبشرين في الهند وقفوا جزءًا من خمسة أجزاء من
أعمالهم على تبشير المسلمين فيها) .
(ولهذه اللجنة فروع بحث بعضها في حال الإسلام في الشرق الأدنى وآسية
الوسطى , وقد جاء في تقارير هذه الفروع أن المبشرين تعذَّر عليهم الخوض في
المسألة الإسلامية، ولكن اللجنة يؤملون زوال الصعوبات التي تقف في طريق
إرساليات التبشير) .
وجاء في تقرير اللجنة عن حالة الإسلام في أفريقية: (أن الموقف فيها صار
حرجًا لسرعة تقدم الإسلام وارتقائه الواسع في الشمال , ومعاقله التي في السواحل
إلى الجنوب والغرب الأفريقي , والمبشرون كانوا أخطأوا في تقديراتهم السابقة؛
لأنه تبين لهم فيما بعد أن بعض البلاد التي كانوا يحسبونها خالية من الأديان
المعروفة هي إما إسلامية بحتة وإما أنها على أُهْبة الدخول في الإسلام) .
وتقول اللجنة: إن العداء الذي كان يُظهره المسلمون للمبشرين قد خَفَّت وطأته
بالنسبة لما كان عليه.
ثم تناولت اللجنة البحث في الأمور الاجتماعية الإسلامية التي تمهد السبيل
لتنصير المسلمين، فحضت جمعيات التبشير على توسيع نطاق التعليم الذي يشرف
المبشرون عليه , وحصرت قراراتها بجملتين اثنتين:
الأولى: أنَّ ترقي الإسلام الذي يتهدد أفريقية الوسطى يجعل الكنيسة تفكر في
مسألة دقيقة وهي: هل ينبغي أن تكون القارة السوداء إسلامية أو نصرانية؟
الثانية: أن المسألة الإسلامية في الشرق على الخصوص صار لها مكان هام
في أعمال المبشرين عقيب الانقلابات التي حدثت في بلاد الدولة العثمانية وفارس،
مع أنها لم تكن تهم الكنيسة قبل هذه الانقلابات إلا قليلاً، ولذلك أصبح من
مقتضيات الظروف أن تقوم إرساليات التبشير بعمل ينطبق على المسائل الإسلامية.
هذا شيء من أعمال اللجنة الأولى , أما اللجنة الثانية فهي خاصة بتمهيد
ميدان العمل لرجال (الأكليروس) في إرساليات التبشير , وقد أشارت إلى الإسلام
عرَضًا؛ لأن كل المجهودات التي يبذلها المبشرون لتأسيس كنائس يقوم بأكثر
أعمالها أو ببعضها المسلمون المتنصرون فشلت تمامًا إلا في جزء من بلاد الهند
الغربية.
واللجنة الثالثة خاضت في الأعمال المدرسية التي يقوم بها المبشرون ,
واكتفت بهذه الكلمة عن المسلمين فقالت:
(اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى في عاصمة السلطنة العثمانية على أن
معاهد التعليم الثانوية التي أسسها الأوروبيون كان لها تأثير في حل المسألة الشرقية
يرجح على تأثير العمل المشترك الذي قامت به دول أروبة كلها) .
وقد كان للإسلام الحظ الوافر من مذكرات اللجنة الرابعة؛ لأنها كانت مكلفة
بالبحث في علاقات الإنجيل بالديانات الخارجة عن النصرانية والوسائل التي تظهر
النصرانية على تلك الديانات المزاحمة لها.
وتناولت هذه اللجنة البحث في الإسلام بصراحة ومجاملة , فذكرت ما ترى
أنه موضع ضعف فيه , وما للنصرانية عليه من المزايا! مستندة على أقوال
المبشرين والمتنصرين.
وتداولت اللجنة الخامسة في كيفية تعليم المبشرين وتربيتهم , وألحت بضرورة
تعليم المبشرين في البلاد الإسلامية دين الإسلام ولغة تلك البلاد.
وأما اللجنة السادسة فبينت كيف تنظم إرساليات التبشير , وذكرت شيئًا عن
الإسلام وعلاقاته بإرساليات التبشير المدرسية التي للأميريكيين.
والموضوع الذي بحثت فيه اللجنة السابعة هوعلاقات المبشرين بحكومات
البلاد التي يبشرون فيها , وموقف المتنصرين الوطنيين أمام حكوماتهم. خصوصًا
في البلاد العثمانية وفارس.
وانتقدت انتقادًا شديدًا الخطة غير المسيحية التي تنتهجها بعض الدول الأوربية
مثل إنكلترا في النيجر والسودان وقالت: إنها خطة من شأنها ترويج الإسلام
والتزام طرفه , أما اللجنة الثامنة من المؤتمر فقد خاضت في كيفية الاشتراك
وتوحيد أعمال التبشير , ولم تخض في المسألة الإسلامية إلا قليلاً حيث قالت في
تقريرها (الأمر الذي لا مرية فيه أن المهمة الصعبة التي يقوم بها المبشرون في
البلاد الإسلامية لم تظهر في غاية الصعوبة إلا لأنه يعسر على جمعية تبشير
واحدة تقوم بها , إلا أن وحدة العمل ستكون أحسن وأسرع حل لهذه المعضلة في
إكمال مهمة التبشير) .
وقد تناقش المؤتمر في المواضيع التي خاضت فيها اللجنة , وكان للمعضلة
الإسلامية حظ وافر؛ إذ قام الدكتور القسيس (كارل كوم) الذي كان راجعًا من
أفريقية , وأوضح بكل بيان الخطر الذي يهدد أفريقية , وأنذر به الدكتور (جورج
روسون) فتكلم المبشر (كوغبرغ) عن أحوال تركستان الشرقية , ثم أشار
القسيس (لبسوس) إلى عدم وجود مؤلفات مسيحية تختص بالمسلمين , وانبرى
القسيس (صموئيل زويمر) , فأوضح بكل براعة وبيان المعضلة الإسلامية
العمومية.
***
أقوال المجلة السويسيرية
نشرت مجلة (إرساليات التبشير البروتستانية) التي تصدر في بلدة (بال)
من سويسرة سلسلة مقالات عن تقارير اللجنتين السابعة والثامنة من لجان مؤتمر
أدنبرج، وتكاد تكون هذه المقالات المتسلسلة تكملة لما نشرته (مجلة العالم
الإسلامي) الإنكليزية.
أما مقالات المجلة السويسرية فمكتوبة بقلم الأستاذ (شلاتار) صاحب التقرير
المقدم إلى مؤتمر أدنبرج بضرورة إعداد الوسائل لتوحيد أعمال التبشير.
قال هذا الأستاذ: إن مسألة توحيد أعمال التبشير من أهم ما ينبغي للإرساليات
على وجه العموم العناية به، ما دامت النصرانية لم تنتشر إلا بين ثلث بني الإنسان ,
وبالتالي ما زال أمام النصرانية عمل جسيم يجب أن تتمه , إذ من المحقق أن الأمم
المتجانسة التي لا تدين بالنصرانية قد أخذت تتدرج إلى الأعمال التاريخية , وسيقوم
بينها وبين المنتمين إلى الإنجيل نزاع ومعارك شديدة , لذلك ينبغي للمبشرين أن
يتضافروا ويتعاونوا لتكون ثمرات مجهوداتهم وهم متحدون أربعة أمثالها وهم
متفرقون.
وهنا استشهد بحوادث اشترك المبشرون في الفيليبين وكورية بالعمل فأدت
إلى النجاح , مثال ذلك أنهم تفاهموا في دهلي فتسنى لهم تحديد مناطق أعمالهم، وفي
الصين نجح المبشرون المنتمون إلى جمعيات متعددة في تأسيس مجلس لتوزيع
الأعمال , فكان موضع ثقة الجميع، واتحدت اثنتان من الإرساليات المنصرفة إلى
طبع الكتب الدينية ونشرها , فطبعتا كتابًا جُمعت فيه النقط والمسائل التي تتفقان
فيها , وانفردتا في نشر ما تختلفان عليه , وكذلك الحال في الجرائد والمجلات
والمطبوعات التي تنشر بمشاركة الإرساليات المختلفة.
ثم بنى على ذلك ما لهذا التضامن والاشتراك من المحاسن والتأثير في جمع
الكلمة وقال: إن لجنة مؤتمر أدنبرج أقرت ضرورة تعاون الإرساليات المختلفة؛
ليتسنى لها تأسيس كنيسة واحدة وسط كل أمة غير مسيحية , كما فعل المبشرون في
بعض جهات اليابان والصين والهند الوسطى , وقد ختمت لجنة مؤتمر أدنبرج
قرارها في هذا الشأن بالجملة الآتية: (إن الميل إلى تثبيت كنيسة المسيح المنشقة
يزداد يومًا بعد يوم) , ومما يجدر بالذكر أن لجنة مختلطة تألفت للنظر في هذا
الأمر.
وأشار الأستاذ (شلاتار) إلى أهمية اللجنة السابعة التي كان اللودر بلفور -
وزير أسكتلندة السابق وهو الآن عضو في المجلس الأعلى - رئيس شرف لها.
نظرت هذه اللجنة في المستندات التي وردت عليها من المبشرين عن علاقاتهم
بحكومات البلاد الموجودين فيها , وعما إذا كان يوجد في سبيل التبشير ونموه موانع
وعقبات , وعلى هذا فاللجنة السابعة بحثت عن حالة التبشير في كل البلاد.
امتدحت اللجنة خطة حكومة اليابان مع المبشرين بمقدار ما استهجنت العداء
الذي يظهره الموظفون الصينيون لكل شيء تشتَمّ منه رائحة الأجنبي , أما في الهند
فالمبشرون متمتعون بالراحة؛ لأن الحكومة تساعدهم وتعضدهم بالإعانات ,
وتشرف على المكان الذي تصرف فيه هذه الإعانات , إلا أنها مع ذلك واقفة على
الحياد في الأمور الدينية , وتساءلت اللجنة عما إذا كان من الممكن أن تخرج حكومة
الهند عن حيادها الديني؟
وحكومة هولندة تشد أزر المبشرين أكثر من الحكومة الإنكليزية , وقد رتبت
لهم مرتبات مالية؛ لتصرف على المستشفيات والملاجئ والمدارس , وسبب هذا
الاتفاق بين الحكومة الهولندية والمبشرين وجود (فون بوتزيلر) قنصل المبشرين
والوسيط بينهم وبين الحكومة , أما في آسية الغربية، فأعمال المبشرين قاصرة على
الطب؛ لأن نشر الإنجيل لم يزل محظورًا هناك , والمتنصرون عرضة للهلاك في
فارس وهدف للأخطار الشديدة في البلاد العثمانية.
والمعضلة الإسلامية في أفريقية أعقد منها في آسية , وكل ما يستطيعه
المبشرون هناك هو منافسة المسلمين في التقرب من قلوب الوثنيين والاستيلاء
عليهم ليس إلا.
والبلاد التي يدخلها الإنكليز يكون باب التبشير فيها مفتوحًا , إلا أن أهمية ذلك
تقل إذا علم أن سياسة الإنكليز التي يشكو منها المبشرون مبنية على المجاملة
القصوى إلى حد يضر بالمسيحيين , حتى إن الموظف يضطر للخضوع إلى
العادات والتقاليد الإسلامية واعتبار يوم الجمعة يوم راحة والاشتغال في يوم الأحد
كما هي الحال في مصر والسودان [١] , ولا حاجة إلى التصريح بأن هذه الخطة
تعرقل أعمال المبشرين , وتدعو إلى سخطهم وتجعل الأقباط عُرضة للظلم [١] كل
ذلك احتفاظًا بمصلحة المسلمين , والمسيحيون في مصر كانوا إلى سنة ١٩٠٧
محرومين من تعلم أمر دينهم في مدارس الحكومة على نفقة كنيستهم , بينما الحكومة
تعلم القرآن على نفقتها [٢] , فإذا كان الإنكليز يودون أن يروا تعاليم الأخلاق
النصرانية ظاهرة على غيرها , فينبغي لهم أن يساووا بين مسلمي مصر ونصاراها
في الحقوق [٣] .
أما في مدغشقر فقد كان المبشرون يلاقون صعوبة وشدة في المعاملة.
والقسم الثاني من أعمال هذه اللجنة يتعلق بموقف المبشرين أمام الحكومات من
الوجهة الحقوقية , فتقرر أن يُبقي المبشرون على تابعيتهم الأولى ما لم يتجنسوا
بجنسية البلاد , والمتنصرون يظلون في تابعيتهم الأولى؛ لأن علاقتهم بالمبشرين
دينية محضة , ويمكن للمبشرين أن يطلبوا من الحكومات مساعدات وامتيازات
ولكن لا يجوز لهم التداخل فيما يتعلق بالمتنصرين.
ولما انتهت اللجنة من أعمالها قال (اللورد بلفور) رئيس الشرف: (إن
المبشرين هم ساعد لكل الحكومات في أمور هامة , ولولاهم لتعذر عليها أن تقاوم
كثيرًا من العقبات , وعلى هذا فنحن في حاجة إلى لجنة دائمة يناط بها التوسط
والعمل لما فيه مصلحة المبشرين) .
فأجيب اللورد إلى اقتراحه وتألفت لجنة مختلطة ولجنة لمواصلة العمل.
***
نتائج مؤتمر أدنبرج
ألفت على إثر انحلال مؤتمر أدنبرج لجنة لمواصلة الأعمال التي بدأ بها ,
وعمل لها فروع كثيرة بعضها للإحصائيات وبعضها للنشر وللمطبوعات وبعضها
للتربية والتعليم وآخر لحسم المشاكل بين المبشرين وواحد لدرس علاقات المبشرين
بالحكومات , وخصص أحد الفروع لدرس العقبات التي تحول دون نشر التبشير
بين المسلمين.
وفي مايو سنة ١٩١١ اجتمعت لجنة أعمال المؤتمر , وبحثت في طرائق
التربية والتعليم التي ينبغي لمبشري المسلمين اتباعها , وقررت أن تنتهز الفرص
وتنتفع بالظروف السانحة , وأن تنشر مجلة مختلطة تصدر سنة ١٩١٢ مرة في كل
ثلاثة أشهر.
وتقول مجلة العالم الإسلامي الإنكليزية: إن أول ما ينفذ من قرارات مؤتمر
أدنبرج إنشاء مدرسة تبشير مشتركة بين كل الفرق البروتستانية , وتكون خاصة
بتعليم مبشري الأقطار الإسلامية , وهذه المدرسة يحتفل بافتتاحها في خريف سنة
١٩١١ , وتقبل النساء والرجال وتعلم فيها اللغة العربية والعلوم الإسلامية وتاريخ
الأوضاع الإسلامية , والأمور الاجتماعية التي اقتبسها المبشرون من بلاد الإسلام ,
وسيكون لهذه المدرسة مكتبة تحتوي أمهات الكتب العربية وغير العربية المتعلقة
بالإسلام.
***
٧
المؤتمر الاستعماري
نشرت المجلة السويسرية التي نقلنا عنها المقالة الماضية مقالة ذات شأن عن
موقف إرساليات التبشير في المؤتمر الاستعماري الألماني , ومما يزيد في أهمية
هذه المقالة أنها مكتوبة بقلم (م ك. أكسنفلد) صاحب التقرير عن الفرع المختص
بالإسلام في المؤتمر الاستعماري , وهوأيضًا سكرتير جمعية التبشير في برلين.
قال صاحب المقالة: إن المؤتمر الاستعماري امتاز بمزيتين:
الأولى: أن بحث في الشؤون الصناعية والاقتصادية.
والثانية: إجماعه على وجوب ضم المقاصد السياسية والاقتصادية إلى الأعمال
الأخلاقية والدينية في سياسة الاستعمار الألماني.
واستشهد بقول (شنكال) رئيس غرفة التجارة في (همبرج) : إن نمو ثروة
الاستعمار متوقف على أهمية الرجال الذين يذهبون إلى المستعمرات , وأهم وسيلة
للحصول على هذه الأمنية إدخال الدين المسيحي في البلاد المستعمرة؛ لأن هذا
هوالشرط الجوهري للحصول على الأمنية المنشودة، حتى من الوجهة
الاقتصادية.
وحض السامعين على تقدير عمل المبشرين وإحلاله في محله اللائق به ,
وبحث أعضاء المؤتمر الاستعماري في شئون تتعلق بالتبشير , فكفوا المبشرين
مؤنة الكلام عن أعمالهم , ولم يشترك هؤلاء المبشرون في المداولات إلا عندما أخذ
المؤتمر يبحث في أعمال فرعه الرابع الخاص بالمسألة الإسلامية , فأفاض
المبشرون وتوسعوا في القول حتى خيل للجميع أن المؤتمر الاستعماري تحول إلى
مؤتمر تبشير!
ثم حدث اختلاف بين المبشرين وأعضاء المؤتمر في نقطة النظر إلى الإسلام
فقام (أكسنفلد) كاتب هذه المقالة في المجلة السويسرية , ولفت الأنظار إلى الخطر
الاستعماري في المستعمرات الألمانية بأفريقية , واقترح على المؤتمر الاهتمام من
كل الأوجه بعاقبة الحالة الحاضرة، سواء في ذلك الوجهة التبشيرية والوجهة
الفكرية ووجهة السلطة السياسية.
وقام بعدها الأستاذ (باكر) العضو في مجلس المستعمرات في همبورج
فتوسع في الكلام على (الحكومة وإرساليات التبشير وعلاقاتهما بالسياسة الإسلامية)
وأبان عن الفارق الذي يفصل مصالح الاستعمار ومقاصده عن إرساليات التبشير ,
وقال: إن من الخطأ تطبيق الآراء والأقوال المتعلقة بالتبشير على أمور الحكومة.
فرد عليه (أكسنفلد) وقال: إن الأستاذ (باكر) لم يدرك المقصد الذي أراده
المبشرون، والخطر الإسلامي صار أمره معروفًا عند الجميع , وعند الأستاذ باكر
أيضًا [٤] , ونحن المبشرين لم نقصد أبدًا أن نجعل مصالح الحكومة كمصالح الكنيسة.
ووافق أكسنفلد الأستاذ باكر على نقط متعددة وقال: (إن الحكومة لا بد لها
من القيام بتربية الوطنيين المسلمين في المدارس (العلمانية) ما دام هؤلاء المسلمون
ينفرون من المدارس المسيحية، ونحن نعترف بهذه الحقيقة بالرغم عن اعتقادنا بأن
المدارس العلمانية تزيد الإسلام نموًّا وارتقاء! وإذا نحن طالبنا الحكومة بتقدير
مقاصدنا ومصالحنا , فيجب علينا بداهة أن ندرك أهمية هذه المعضلة من حيث
واجبات الحكومة ومصالحها أيضاً.
وأشار (أكسنفلد) إلى قرار المؤتمر الاستعماري الذي وافق عليه عقب
خطاب (الاستصراخ لشن الغارة على الإسلام) الذي ألقاه أكسنفلد نفسه، يضم إلى
ذلك الخطاب المعتدل الذي ألقاه الأستاذ باكر وحسبه أكسنفلد مدحًا وثناء على الإسلام.
أما قرار المؤتمر الاستعماري الذي وفق فيه بين خطابي أسكنفلد وباكر فقد
جاء فيه:
(إن ارتقاء الإسلام يتهدد نمو مستعمراتنا بخطر عظيم , ولذلك فإن المؤتمر
الاستعماري ينصح للحكومة بزيادة الإشراف والمراقبة على أدوار هذه الحركة ,
والمؤتمر الاستعماري - مع اعترافه بضرورة المحافظة على خطة الحياد تمامًا في
الشئون الدينية - يشير على الذين أمسكوا زمام المستعمرات أن يقاوموا كل عمل
من شأنه توسيع نطاق الإسلام , وأن لا يضعوا العراقيل في طريق انتشار
النصرانية , وأن ينتفعوا من أعمال إرساليات التبشير التي تبث مبادئ المدنية،
خصوصًا خدماتهم التهذيبية والطبية , ومن رأي المؤتمر أن الخطر الإسلامي يدعو
إلى ضرورة انتباه المسيحية الألمانية لاتخاذ التدابير - من غير تسويف - في كل
الأرجاء التي لم يصل الإسلام إليها بعد) اهـ.
هذا ما جاء في مقالة المجلة السويسرية.
ونشرت (مجلة العالم الإسلامي) الإنكليزية بعض جمل من خطاب الأستاذ
باكر الذي ألقاه في المؤتمر الاستعماري الألماني , ومن هذه الجمل قوله:
إن السياسة التي ينبغي الجري عليها في معاملة المسلمين , تحتم علينا وضع
خطة جديدة في مجرى سياسة حكومتنا.
والمبشرون هم الذين اختصوا وحدهم بالاهتمام بأمر الإسلام والبحث في
شئونه بكل مستعمراتنا الألمانية إلى هذه الأيام الأخيرة.
وأنا لا أرى أن تظل الحالة على ما هي عليه، بل رأيي أن تنتقل أزمة
السياسة الإسلامية منذ الآن وبعد الآن إلى يد الحكومة في كل مستعمراتنا.
ويجب على حكومتنا في هذه الخطة الجديدة التي أشير إليها أن تستعين
بالوجهة الوطنية لا بالوجهة الدينية كيما تتوصل إلى مقاصدها , وعندئذ يتسنى لها
أن تعلم حق العلم أن الإسلام وإن يكن عدو النصرانية إلا أنه مستعد للارتقاء والتقدم
في سبيل المدنية الحاضرة.
وقال بعد ذلك:
يجب على إدارة المستعمرات أن تستعين بالإسلام على تربية الوطنيين كما
تفعل فرنسة وإنكلترة وهولندة , وينبغي للحكومة أن تقف على الحياد التام في
المسائل الدينية.
وأنا أقترح على حكومتنا أن تضع خطة موطدة الأركان في الأمور الآتية:
الأول: في الخطة العامة للنظام الإداري والديني.
الثاني: في علاقة الشرع الإسلامي بالقوانين الأوروبية.
الثالث: في نظام التعليم.
ومن الضروري أن تدرس الحكومة الدين الإسلامي , وأن تعني به أشد العناية
بواسطة أشخاص تختصهم بتوفية هذا العمل حقه.
وختم خطابه بقوله:
يجب علينا - بالرغم من العناية برعاية الإسلام - أن نهتم بمقاومة انتشاره
في مستعمراتنا على قدر الإمكان , وليس هنالك غير واسطة واحدة توصلنا إلى هذه
الغاية وهي إنشاء مراكز ثابتة الأركان لدين النصرانية، كما تفعل إرساليات
التبشير) .
(يُتلى)
((يتبع بمقال تالٍ))