فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الدين والتدين والإلحاد والتعطيل

التدين غريزة فطرية، والدين حاجة من حاجات البشر الطبيعية، والإلحاد
والتعطيل إما نقص في الفطرة. كما يولد بعض الناس مخدوجًا بنقص حاسة من
حواسه، أو تشوه عضو من أعضائه، وإما تصرف سيئ في الفطرة، وجناية على
الطبيعة. وقد خلق الله الإنسان في هذه الأرض وأعطاه فيها سلطان التصرف فيها
وفي نفسه. وأسجد له مَن فيها من ملائكته، الذين هم كالملكات والقوى في تدبير
الأمر، وإقامة النظام في الخلق، فهو بهذا التصرف فيها يفسد فيها ويسفك الدماء،
كما يصلح ويعمر وينفع الناس: يجني على نفسه فيُحَمِّلها فوق طاقتها، ويعرضها
للأمراض التي لا قبل له بها، ويجني على غيره بالعدوان والبغي، وإهلاك الحرث
والنسل. فلا غرو إذا جنى على الدين، بشبهة دليل أو بغير دليل.
كان السواد الأعظم من الناس متدينًا، ولا يزال السواد الأعظم من الناس
متديِّنًا، وسيبقى السواد الأعظم من الناس متدينًا. ولكنهم يتصرفون في أديانهم،
كما يتصرفون في أنفسهم وأبدانهم، وسيظلون زمنًا طويلاً في اضطراب ومخض،
بين رفع وخفض، وإبرام ونقض، حتى تزول العصبيات الدينية، وتسقط
الرياسات المذهبية، ويكون الدين لله، لا للخلفاء والأشياخ، ولا للرهبان والأحبار،
ويكون للإنسان الحرية فيه والاستقلال، فيتفق أكثر المختلفين، ويجتمع أكثر
المتفرقين، فتنقشع السحب عن دين الفطرة، ويدخلون في السلم كافة.
كان الناس متدينين، وكان يكون في كل جيل منهم في كل عصر أناس من
المعطلين، وأفراد من الملحدين، كما يوجد فيهم العُمْي الذين لا يبصرون. والصم
الذين لا يسمعون , والبكم الذين لا ينطقون {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ
وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} (الجاثية:
24) ، هذه حكاية القرآن عن بعض جاهلية العرب. وحكى مثله عن قوم نوح أقدم
من أثر تاريخهم من الأمم. ولكن بعض ملاحدة عصرنا يظنون - لجهلهم
بالتاريخ - أن هذا الشذوذ خاص بالفلاسفة وأصحاب الأفكار الراقية، ولهذا الامتياز
الوهمي صار بعض الغوغاء يكفر بالتقليد، لينتظم في سلك الفلاسفة الجديد. ويتفلت
من قيد التكليف.
نعم يوجد من أهل النظر من حجبته نظريات الفلسفة ومسائلها وتعليلاتها
المسلمة عن الدين وجوهره، وما كان من حسن أثره، فطفقوا يقذفون بتلك
النظريات والمسلمات، ظواهر الدين وتقاليده المحدثات، وخيل إليهم أنهم فازوا
بقصب الرهان، وأبرهوا جيوش الأوهام بسيف البرهان. وما ذلك إلا وهم يناطح
وهمًا، هذا يسميه هدى وذلك يدعوه علمًا، ولو كانت تلك النظريات علمًا يقينيًّا لما
تنازعت فيها الأفكار، واختلفت باختلاف الأجيال والأعصار، فإن فلسفة هذا
الزمان، قد نقضت معظم فلسفة اليونان، وينقض بعضها بعضًا في كل عام. وأما
علم اليقين، فلا شيء منه بمناقض لهداية الدين، وإن نقض بعض تواريخ الكتب
المقدسة في بعض الأديان، وبعض عقائدها المخترعة التي ما أنزل الله بها من
سلطان. وحاشا دين القرآن، الذي كفل حفظه الرحمن، فلم تؤثر فيه تأويلات
المتكلمين، ولا تعليلات المتفقهين، دع أباطيل أهل الزيغ أو الزندقة، كالباطنية
والمتفلسفة.
إن في الفلاسفة متدينين، كما أن فيهم ماديين، وكذلك أصحاب العقول الكبيرة
من العلماء والقواد والسياسيين. فتولستوي الفيلسوف الروسي كان متدينًا. والبرنس
بسمارك كان متدينًا، وإمام الأطباء باستور كان متدينًا، وإن أكبر قائد حربي في
فرنسة اليوم متدين. كما كان ابن سينا والفارابي والغزالي وابن رشد من فلاسفة
المسلمين متدينين. وأمثالهم كثيرون في كل أمة.
نعم إن دين أمثال هؤلاء قد يخالف في أصوله وفروعه دين العوام المقلدين؛
لأن لعلومهم وفلسفتهم طريقًا خاصًّا في فهمهم الدين، والعامي المقلد تابع لمن يلقنه،
وللبيئة التي يعيش فيها كل منهم تأثير في فهم ما يتلقنه. فإذا كان العالم المستقبل
يخطئ فهم حقيقة الدين في قليل من المسائل، فالجاهل المقلد أجدر بالخطأ في فهم
الأكثر منها.
يغتر كثير من مقلدة الإلحاد في أمتنا بمن اشتهر من ملاحدة علماء الإفرنج،
غافلين عن الاعتبار بحال المتدينين منهم، وما كل من طعن في الكنيسة وأهلها من
علماء الإفرنج كافر بالله ورسله؛ بل لهؤلاء دين غير دين الكنيسة، وتكفير الكنيسة
لهم كتكفير بعض المتكلمين والصوفية لابن سينا وأمثاله. فمن متديني الإفرنج
المقلدون، ومنهم العقليون والموحدون. ولعل دين السواد الأعظم من المتعلمين
المهذبين منهم كدين مدام (كلاير) : عجوز فرنسية ذات علم وأدب، من بيت في
ليون محترم، جاورتنا مرة في الدار، فرأيتها لاتذهب إلى الكنيسة في أيام الآحاد،
فسألتها: ما بالك لا تذهبين إلى الكنيسة؟ ألستِ متدينة. قالت: أنا مؤمنة بالله
وأصلي له في بيتي، وما فضل الكنيسة على البيت؟ إنها لا فضل لها إلا أن فيها
رجالاً يأكلون أموالنا.. . قلت: أتدينين بعقيدة التثليث؟ قالت: لا أعرف التثليث،
أعرف أن الرب واحد. قلت: وما تقولين في السيد المسيح عليه السلام؟ قالت:
(مثل نبي) . فهذه حال أهل التعليم العالي في القوم. دع السواد الأعظم من العامة،
وكثيرًا ممن يعدون من الخاصة، الذين يتمسكون بمذاهبهم التقليدية، لا يثنيهم عنها
إنكار العقليين ولا غيره.
أفلا ينظرون من وراء ذلك كله - جهلوه أم عرفوه - إلى ما يبذله الإفرنج من
ملايين الجنيهات لجمعياتهم الدينية لأجل نشر دينهم في الخافقين، وتعميمه في
المشرقين والمغربين؟ يقول بعضهم بغير علم: إن الغرض من ذلك سياسي لا
ديني. كذبوا، وحكموا بما لم يعلموا، إن تلك الملايين يبذلها الشعب الذي لا يعرف
السياسة، ولا ننكر أن أهل السياسة يستفيدون من سعي المبشرين، فإذا كانت حكومة
روسيا تستفيد بسياستها من تنصير دعاة الأرثوذكسية لمسلمي بلادها، وإنكلترا
تستفيد من تنصير دعاة البروتستانتية لمن ينصرون من أهل الهند والسودان، فأي
فائدة سياسية لأمريكا في بث دعاة النصرانية في بلاد العرب والترك والفرس والهند
وسائر الأقطار؟
تأملت في حال ملاحدة هذا العصر، فما رأيت أشد عماية، وأبعد غواية،
وأضل سبيلاً، وأفسد قيلاً من ملاحدة المسلمين الجغرافيين.
ما رأيت أحدًا منهم صاحب دعوة سياسية في أمته قد ثبت عنده أن الإسلام
يعارضها، ويحول دون التحول السياسي والاجتماعي الذي يراد بها، فهو ينفرد من
الإسلام وينفر عنه لأجلها، كيف وهم يعترفون - تبعًا لحكماء الإفرنج - بأن الدين
أقوى عوامل السياسة؛ ولا سيّما دين الإسلام، كما صرح بذلك علماءالاجتماع.
ما رأيت أحدًا منهم صاحب مذهب فلسفي أدبي ثبت عنده أن حكمة الإسلام
تناقضه، وأن صلاح الأمة لا يكون إلا به، فهو يلهج بالاعتراض على الإسلام؛
لأنه عقبة في طريق ما يحاول من الإصلاح. كيف وإن التربية عند أئمتهم - أكثر
الإفرنج - لا تزال قائمة على أساس آداب الدين؟
ما رأيت أحدًا منهم عني بفقه القرآن وصحيح السنة. وما كان عليه سلف
الأمة، ثم عرضت له شبه قوية على صحة تلك الهداية فهو يريد التفصي منها.
وقد خانته البينات والدلائل المزيلة لها، كيف ونحن نعلم أن أكثرهم لم يقرأ تفسير
سورة من السور. ولا يميز بين الصحيح والموضوع من الأثر؟ وإن مَن له إلمام
بشيء من علم الدين، قلّما يعرف إلا بعض القشور من هذه التقاليد، فهو يهزأ بالدين
لأجل خرافة أو بدعة. يحسب أنها عقيدة ثابتة أو سنة.
ألا إنهم - على ما هم عليه من جهل بحقيقة الإسلام، وقصور عن النهوض
بدعوة إلى الإصلاح - يطلقون للسانهم العنان، فيجمح بهم في كل ميدان. فمنهم من
يتشدق بالسياسة، ومنهم من يتفيهق بالمقابلة بين القانون والشريعة، ومنهم من يهذر
بالأخلاق والآداب، ومنهم من يهذي بالاعتراض على العبادات، يتخذون الكلام في
ذلك هزؤًا ولعبًا، وأفاكيه يتلذذون بها تلذذًا، في زمن قل فيه العليم بأسرار الدين،
والبصير بحكم التشريع، الذي يفرّق بين الأصول الثابتة بالدليل، والنصوص التي
لا تحتمل التأويل. وبين الفروع المستنبطة بالاجتهاد، والظواهر التي لم يتعين منها
المراد.
على أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجته، ومن مفصح للشرع عن حكمته،
ولكن هؤلاء بمعزل عن الحجة وأهلها، هي مجهولة لهم؛ فهم لا يطلبونها، ثقيلة
عليهم فإذا تليت عليهم آياتها لا يسمعونها، إلا من كان سليم الفطرة، قريب العهد
بهذه الهجرة، وطالما تأذنهم المنار، بما يذهب بالتعلات والأعذار، من الاستعداد
لإزالة كل شبهة، والتصدي لكشف كل غمة.
يا سبحان الله! أتبيح السياسة لبسمرك أعظم رجال أوربا في القرن الماضي -
وهو كما قال جمهوري بالطبع - أن يكون على دين يناقض طبعه فيجعله عبدًا لملك
بروسية؛ لأنه يقول له - إن سلطة المملوك من الله؟ - ولا تبيح لهؤلاء المتشدقين
منا أن يكونوا على دين سبق كتابه إلى وضع أعظم أساس للحكم الذاتي بقوله:
{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38) ، وأقام على هذا الأساس أركان
المصالح المرسلة، وجعل رفع المفسدة مقدمًا على جلب المصلحة، إلى غير ذلك
من الأركان الثابتة، ثم قِس على هؤلاء المتشدقين، أمثالهم من المتفيهقين والهاذين
والهاذرين.
وإن تعجب فعجب خوضهم في مسائل الأخلاق والآداب، فقد انقلبت عقولهم
فيها شر الانقلاب، حتى صار فيهم من يعدّ العفة والغيرة والرحمة من الرذائل
وأضدادها من الفضائل؛ بناءً على قاعدة الإتخاب الطبيعي التي تغري القوي،
بالضعيف، وتبيح له أن يعجل بسلب حياته ويستأثر دونه بزوجه وماله، ولعل
واحدهم لا يرجع عن هذه الغواية إلا إذا مسه الضر، وعضه ناب الفقر، وتصدى
إخوانه في الكفر لإزهاق روحه، وتعدى أخدانه في الإلحاد على عرض زوجه،
ومنعوها من خدمته ومواساته؛ بناء على قاعدتهم في كون الحق في ذلك للقوي
القادر على الإنتاج، والقيام بشؤون الاجتماع!
ألا إن من بلغ هذه الغاية من ارتكاس الفطرة، وانتكاس الفكرة، فصار يرى
الحقائق بغير صورها، ويزن الأشياء بغير ميزانها، فلا طمع في هدايته، ولا
رجاء في مناظرته، أولئك الذين ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم،
يجادلونك في الحق بعدما تبين، ويمارونك في البديهي وقد تعين.
وأما أكثر المخدوعين بأوهام هؤلاء المبطلين، فهم مستعدون لقبول الدليل،
والاهتداء إلى سواء السبيل، إذا تداركهم العلماء والراسخون، وتعاهدهم الحكماء
الربانيون ولكن قل العلماء القادرون على كشف الشبهات، وكثر المشتبهون،
فالإصلاح موقوف على تكثير سواد المصلحين الجامعين بين علوم الدنيا والدين،
مع استقلال الفكر، وتزكية النفس، ولا يكون هذا إلا بتربية وتعليم، على صراط
الحق المستقيم، فقل للذين هم على الدين يغارون: لمثل هذا فليعمل العاملون.
فسارعوا إليه إن كنتم صادقين، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.