للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


المجمع اللغوي المأمول
دعوة إلى هذه الأمنية وخطوة جديدة على ذكرى بلوغ المقتطف سن الأربعين
من حياته المفيدة
طالما تشوفت أنفس أهل العلم والأدب من المشتغلين بالتصنيف والإنشاء
والترجمة بلسان العرب إلى إنشاء مجمع لغوي للتعاون على خدمة اللغة العربية
بالطرق التي تقتضيها حال هذا العصر، وطالما تحدثوا بهذا في أنديتهم وسمارهم،
وكثر ما هموا ولم يفعلوا، وما أقدموا ثم أحجموا، وما بدأوا ثم لم يثبتوا، وقد كان
عدم تيسر المكان اللائق بهذا العمل من الموانع العائقة لكثير من الذين تمنوه وتحدثوا
بشأنه عن مواصلة المذاكرة فيه ومعاودة الاجتماع لأجله، فلما أنشأ الأساتذة
المتخرجون من مدرسة دار العلوم ناديهم منذ سنين قليلة تعلقت آمال كثير من الناس
بهم، وكان اختيار حفني بك ناصف رئيسًا لناديهم، مقويًا للرجاء فيهم، ثم ما عتم
هذا النادي أن خبت ناره، وأطفئت أنواره، ولكن بعد ترك حفني بك لإدارته
ومغادرته مدينة القاهرة مرتقيًا في منصبه.
لاح لنا أمس بارق أمل جديد، عسى أن نصل في نوره إلى ما نريد، فيكون
ذلك من بركات المقتطف المفيد.
صدر الجزء الأول من مجلة المقتطف في مثل هذا اليوم أول مايو من سنة
١٨٧٦ فتم له أمس أربعون سنة، وقد كان مما يخطر على بال كثير من أهل
العلم وأنصار النهضة العربية أن يجعلوا هذا اليوم عيدا للمقتطف يحتفلون به
الاحتفال اللائق بخدمته للعلوم والفنون بهذه اللغة الشريفة التي لا حياة لنا إلا بحياتها
العلمية والفنية، ولكن الحرب الأوربية العامة جعلت العالم كله في مأتم ولا تكون
المآتم أعيادًا.
وقد كان في مقدمة الذين شعروا بوجوب الاحتفال بالمقتطف صديقنا الأديب
الخطيب الشهير إسماعيل بك عاصم المحامي، وقد رأى أن ما يمنع من إقامة
الاحتفالات العامة، لا يمنع من اجتماع خاص لتهنئة خاصة، فأعد أمس في دارها
الزاهية مأدبة لصاحبي المقتطف دعا إليها صاحب الدولة رئيس الوزارة حسين
رشدي باشا وصاحب المعالي عدلي باشا يكن وزير المعارف وصاحب الفضيلة
الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية وصاحبي السعادة يحيى باشا إبراهيم رئيس
الاستئناف الأهلي وأحمد زكي باشا كاتب سر مجلس النظار وحضرة صاحب العزة
أحمد بك لطفي السيد مدير دار الكتب السلطانية، وبعض أصحاب المجلات العربية
المشهورة.
انتظم عقد هذه الجماعة عشاء في تلك الدار، المتألقة بالأنوار فكانت سامرًا
علميًّا من أرقى السمار، افتتحها حضرة صاحب الدعوة بهذه الأبيات:
يا بدورًا قد تجلى ... في سماء العليا سناكم
حاكت الأفلاك داري ... حين حياها نداكم
فاقبلوا مني دعاء ... أسعد الله مساكم
وبعد مسامرات كان جلها في مناقب العرب وما سبق لهم من ترقية العلوم
والفنون تحلقوا حول تلك المائدة، فأصابوا مما طيف عليهم به من ألوانها الفاخرة، ثم
نهض الداعي الوفي الكريم فألقى خطبة نفيسة في الثناء على المقتطف المفيد، وعلى
منشئيه الفيلسوفين الكبيرين الدكتور يعقوب صروف والدكتور فارس نمر، بين فيها
خدمته الجليلة للعلم والعربية وذكر أنه أنشئ في بيروت ثم جذبته مصر إليها، وذكر
مقالتين نشرتا في الجزء الأول كانتا كالمرآة التي تجلى فيها كماله، مقالة في عمل
الزجاج ومقالة في القمر وتشكله منذ يبدو هلالاً إلى أن يكون بدرًا كاملاً، قال:
وكذلك كان المقتطف فإنه كالزجاج في صفائه وبهائه، وهو كالقمر بدأ
هلالاً ثم صار بدرًا كاملاً وأسأل الله حفظه من المحاق.
ثم ذكر بدء معرفته لمنشئ المتقطف من زهاء ثلاثين سنة، وذكر من فضلهما
وأخلاقهما ما هو معروف، وأشار في خطابه إلى ما سبق من احتفاله المشكور
ببلوغ مجلة المنار عشر سنين، وذكر المنار في سياق الاستدراك على وصف
المقتطف بالسبق في خدمة العلوم، ثم قام كاتب هذه السطور فاستأذن الوزير الأكبر
بإلقاء كلمة في الموضوع خلاصتها:
ورد في الحديث الشريف (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) وقد رأيت
صديقنا الفاضل إسماعيل بك عاصم استدرك على ما وصفه المقتطف بأنه المجلة
العربية الوحيدة التي قامت بما قامت به من خدمة العلم فذكر المنار وقرنه بالمقتطف
وقال: إن للمقتطف فضيلة السبق وذكر أنني أعترف له بذلك كما اعترف لابن
معطٍ ابنُ مالك إذ قال في فاتحة الألفية:
وهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجب ثنائي الجميلا

نعم أعترف للمقتطف بالسبق والتبريز في العلم، وأزيد على ذلك
الاعتراف بأنني قد استفدت من المقتطف من أول عهدي بطلب العلم ولا أزال
أستفيد منه.
إنني لما دخلت المدرسة الوطنية في طرابلس الشام وذلك أول عهدي بطلب
العلم رأيت أستاذنا الشهير الشيخ حسينًا الجسر مشتركًا في المقتطف ومواظبًا على
قراءته، فكانت تلك أول معرفتي بالمقتطف وصرت أستعيره بعد ذلك وأقرؤه،
فاستفدت من مباحثه فوائد عقلية وصحية واجتماعية، ولا أزال أعتمد على ما يكتبه
في معرفة أطوار التجدد العلمي العصري.
إن المقتطف في نظري مدرسة جامعة سيارة يستفيد منها العالم العربي في كل
بلد يقرأ فيه فإن الذين يتعلمون مبادئ العلوم العصرية باللغة العربية، يحتاجون إلى
الوقوف على ما يتجدد فيها بالبلاد الغربية، ولا سبيل إلى هذا إلا بالاطلاع على
الكتب والمجلات الأوربية التي تصدر في كل عام وهذا لا يتيسر إلا لبعض الأغنياء
المتقنين لبعض لغات العلوم الأوربية، فالمقتطف يلخص لنا في كل شهر ما لا
يستغني عنه قراء العربية.
من حق المقتطف على الأمة العربية أن تحتفل به في الوقت المناسب ونرجو
أن يكون ذلك على رأس الخمسين من حياته النافعة.
احتفل فريق من المصنفين ببلوغ مطبعة المعارف سن العشرين في خدمة
الصناعة وإتقانها فإذا جرينا على سنتهم كان علينا أن نقيم للمقتطف عشرات من
الاحتفالات. كان على مروِّجي الصناعة أن يقيموا للمقتطف مثل هذا الاحتفال لا
لأن له مطبعة أخرجت للناس من المطبوعات النافعة ما لم يخرجه غيرها فحسب،
بل لأن للصناعة بابًا في المقتطف فهو مرشد إلى ترقيتها بجميع فروعها، وكان
على المجتهدين في ترقية الزراعة أن يقيموا له احتفالاً آخر لأن للزراعة بابًا فيه
مثل باب الصناعة، ومثل هذا يقال في كل علم وفن ولكن صديقنا إسماعيل بك
عاصم جمع لنا في هذه الليلة صورة مجملة لما يجب على الأمة مفصلاً.
إن أكبر منقبة للمقتطف ومنشئيه أنهما حجة اللغة العربية على من يتوهمون
أنها لا تتسع لجميع العلوم العصرية ولا يسهل تعليمها بها، فهذان العالمان الكبيران
تعلما العلوم باللغة العربية واشتغلا بالكتابة والتأليف فيها مدة أربعين سنة فأفادا العلم
ما لم يفده أحد من المتعلمين منا باللغات الأجنبية.
هذا ملخص ما قلته، ثم ألقى أحمد زكي باشا خطبة نفيسة في فضل المقتطف
ومنشئيه في خدمة العلم باللغة العربية افتتحها بما هو معروف في الفقه الإسلامي من
تقسيم الواجب إلى فرض عين وهو ما يطلب من كل فرد من الأفراد كالصلاة
والصيام، وفرض كفاية وهو ما إذا قام به بعض الأفراد سقط الطلب عن الباقين
كالفنون والصناعات التي لا يستغني الناس عنها في معايشهم، وقال: إن صاحبي
المقتطف هما اللذان قاما بفرض الكفاية من خدمة العلوم والفنون، ثم ذكر أول عهده
بالمقتطف وأنه أرسل إليه سؤالاً إلى بيروت ثم عهده برؤية منشئيه وما يحمد من
صحبته لهما.
وقام أيضا الشاب النجيب إميل أفندي زيدان صاحب مجلة الهلال الغراء فأثنى
على المقتطف وذكر أنه تلميذ لتلاميذ منشئيه العلامتين وذكر أن والده وهو أستاذه
الأول كان تلميذهما، وكذلك كان أساتذته في المدرسة الكلية من تلاميذهما.
ثم قام صاحب مجلة المفتاح الغراء توفيق أفندي عزوز فخطب خطبة أثنى
فيها على المقتطف بما هو أهله وذكر استفادته منه كغيره وقال: إن منشئيه
العلامتين الفاضلين قد أفادا بأخلاقهما كما أفادا بمجلتهما فهما باتفاقهما وتكافلهما
وإخائهما قدوة صالحة لهذه الأمة التي تشكو من التفرق والاختلاف وقلة الثبات ما
هو أعظم عائق لها عن القيام بالأعمال النافعة.
وبعد ذلك قام العلامة الدكتور فارس نمر فألقى خطابًا بليغًا قال في فاتحته:
إنه بلسانه ولسان شريكه وأخيه الدكتور صروف يشكر أولاً لسعادة إسماعيل بك
عاصم عنايته بهذه الدعوة ويعتب عليه أنه جعلها بصورة احتفال ومما قاله:
إن حضرة رب هذه الوليمة شرف إدارتنا منذ بضعة أيام وهنأنا بمرور أربعين
عامًا على مجلتنا المقتطف ودعانا إلى تناول الطعام مع جماعة من علماء مصر
وأرباب المجلات العربية الذين دعاهم احتفالاً بذلك فأبنا لحضرته أن الوقت لا
يصلح للاحتفالات ولا خدمتنا تستحق هذه العناية ولكن أبت مكارمه ومكارمكم أيها
السادة إلا أن تخصونا بالنصيب الأوفر من محاسن هذه الليلة وأن تتحفونا بهذا المدح
الذي لا نستحقه فلحضرة صديقنا الفاضل صديق العلم والأدب رب هذه الدار ولدولة
الوزير الكبير رئيس الوزراء ولمعالي وزير المعارف ولفضيلة مفتي الديار
المصرية ولسعادة رئيس الاستئناف الأهلي ولسعادة سكرتير مجلس النظار وسائر
الذين تكرموا بالثناء على المقتطف وذكروه بالخير ولبوا هذه الدعوة إكرامًا له جزيل
الشكر من هذين العاجزين.
ثم قال: إن المقتطف وإن كان قد أنشئ في القطر السوري فقد كان معظم
انتشاره في القطر المصري، وقد لقي من أعاظم مصر أعظم عضد وأرحب صدر
حتى أن وزير مصر الشهير المرحوم رياض باشا كان يكاتبه منذ بدء إنشائه، ولما
نقلناه من سورية إلى مصر رحب به رحمه الله كما رحب به الوزير الكبير شريف
باشا والعالم المرحوم شفيق بك منصور وغيرهم من أعاظم مصر وأكابر علمائها،
والأمل وطيد أن خدمة المقتطف على ما بها من الضعف تجد من تأييدكم أيها السادة
ما يقويها ويزيدها أضعافا مضاعفة بمؤازرة سائر المجلات والجرائد العربية في
عصر مولانا السلطان المعظم الذي حق لنا أن نباهي به سلاطين الشرق والغرب
معا على حبه للعلم وإكرامه للعلماء ورغبته في إعلاء منار الأدب وغيرته على نشر
المعارف وجوده في سبيل التربية أدامه الله للأمة العربية فخرًا وأدامكم للغة العربية
فخرًا.
ثم دارت بعد ذلك المذاكرة في مسائل علمية ولغوية أفضت إلى الكلام في شدة
الحاجة إلى إنشاء مجمع لغوي في مصر فقال أحمد لطفي بك السيد مدير دار الكتب
السلطانية إن أحمد زكي باشا كان قد اقترح علي أن أخصص مكانًا من دار الكتب
لذلك، وإني أجبت إلى ذلك فلديّ الآن في المكتبة مكان لائق كانت الجرائد ذكرت
أننا فرشناه وأعددناه لراغبات المطالعة من السيدات وليس عندنا سيدات يغشين دار
الكتب للمطالعة فنعد لهن مكانًا.
فسر جميع الحاضرين بهذا وقابلوه بالثناء ورأوا أن قد زالت به عقبة من
عقبات الشروع في تأسيس المجمع اللغوي الذي بينا مكانته من النفوس في أول هذه
النقلة وزادهم سرورًا ما رأوه من ارتياح الوزير الأكبر ووزير المعارف للشروع في
تأسيس المجمع اللغوي بدار الكتب السلطانية، وأرجو أن نبشر قراء العربية في
مقال آخر بتأسيس هذا المجمع بالفعل.
وقد امتد هذا السمر المفيد إلى منتصف الليل فانصرف السامرون مثنين على
رب المنزل أطيب الثناء.