للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


المنشور الهاشمي الشريف الثالث

نشر في عدد الحادي والثلاثين من جريدة القِبلة الذي صدر في ٤ صفر.
بسم الله الرحمن الرحيم
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (يوسف:
١٠٨) الحمد لله الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور، والصلاة إلى سيدنا محمد
صاحب الهداية الباقية ما بقيت العصور وكرت الدهور، وعلى آله وأصحابه الذين
قاموا بعزائم الأمور، وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد: فقد حان لنا أن نخاطب أبناء بلادنا خاصتهم وعامتهم، وكبيرهم
وصغيرهم، وحاضرهم وباديهم في حقائق الأمور التي كنا فيها، والحالة التي
صرنا إليها، والواجبات التي حتمت علينا مقتضيات الدين والقومية والإنسانية أن
نقوم بها حق القيام.
فإنه لم يبق فيهم -ولله الحمد- من يخفى عليه أمر هؤلاء الأغرار الذين تسلطوا
على المملكة العثمانية فأحلوا فيها ما أحلوا وحرموا ما حرموا، مما قدمت الإشارة
إلى بعضه في منشورَيْنا السابقَيْن. واتخذوا دين الله لهوًا ولعبًا، وسلبوا السلطة من
أيدي أهلها. وتصرفوا بالمملكة تصرفًا أضاعوا به من بلادها في بضع سنوات ما
تزيد مساحته على مساحة بضع ممالك عظيمة في أوربا. وآذوا عباد الله بالقتل
والشنق والتعذيب والتغريب ومصادرة الأموال وانتهاك الأعراض بما لا يحيط به
العد والحصر. ولعل أرض الحرمين الشريفين كانت أقل الممالك العثمانية ابتلاء
بمصائبهم ومفاسدهم. لا عن تكريم منهم لمشاعرها المقدسة، ولا رأفة منهم بأهلها،
أو لأن الحجازيين أحب إليهم من سكان الروملي والأناضول والشام والعراق،
بل لما سخرنا لله له من الوقوف لهم موقف النصح تارة والدفع بالتي هي أحسن
أحيانًا، على أمل أن يصبح الذي بيننا وبينه عداوة كأنه ولي حميم.
بذلنا ما في الوُسع لدفع الأذى عن هذه الديار بالطريقة المتقدمة، ولم نألُ جهدًا
في تخفيف ظلمهم عن المسلمين وأهل ذمتهم في كل أنحاء المملكة، وحملهم على
اجتناب كل ما ينكره الناس عليهم، وإقناعهم بخطر أعمالهم وما ستئول إليه من
ضياع البلاد وهلاك العباد، وكنا نخلص النصح لرجالهم في الآستانة بمكاتبات
محفوظة لدينا صورها وأعدادها وتواريخها، لا سيما في السنين الأخيرة. ومن
المتيسر لكل إنسان أن يطلع عليها، وكذلك كنا ننصح لولاتهم هنا بطريق المشافهة
والمخاطبة، وأوفدنا بعض أولادنا إلى الآستانة لهذا الغرض. ولكنهم لم تزدهم
دعوتنا إلا ظلمًا وطغيانًا، وبغيًا وعدوانًا.
ومما زاد مسئوليتنا بين يدي الله عز وجل، ثم أمام واجب الوطنية والقومية،
ما وقع فيه قومي وأبناء جلدتي من الشدة التي لا تحتمل، حتى أمست بلادنا بسبب
أولئك الأغرار الجاهلين منقطعة عن كل أقطار الدنيا، وأن قلب المؤمن لا يرضى
في حال من الأحوال رؤية جيران بيت الله الحرام وهم يموتون من الجوع والعري
على قوارع الطريق. وذلك مما هو معلوم لدى الخاص والعام والبدوي والحضري،
ولا ريب أن أهل بلادنا لم ينسوا تلك الحالة المؤلمة والهلكة التي لمستها الأيدي
وعاينتها الأبصار؛ لأن الحَوْل لم يحُلْ عليها بعد. وما كانت شدتها بالذي يستحق
أن ينسى.
حينئذ استخرنا الله عز وجل للقيام في وجوه الأئمة الظالمين والمخربين
الملحدين، فرارًا من عاقبة قوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو داود
والترمذي وابن ماجه في حديث صحيح: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على
يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) وقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث
الطبراني: (خذوا على أيدي سفهائكم من قبل أن يَهلكوا أو يُهلكوا) وقوله -صلى
الله عليه وسلم- فيما رواه الطبراني أيضًا بحديث صحيح: (أيما والٍ ولي شيئًا من
أمر أمتي فلم ينصح لهم كنصيحته لنفسه كبَّه الله تعالى على وجهه يوم القيامة في
النار) وقوله -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه الطبراني أيضًا بحديث صحيح:
(لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) وقوله -صلوات الله عليه
وسلامه- فيما رواه أبو داود في سننه: (خيركم المُدافع عن عشيرته) وقد خار
الله لنا أن ننهض بأمتنا للأخذ على أيدي الظالمين، وإجلاء السفهاء المارقين،
عن البلاد والعباد. طالبين لهم ما طلبناه لأنفسنا من جعل هوانا تبعًا لما جاء به -
صلى الله عليه وسلم-، ودفع السوء عن عشائرنا وجماعتنا العربية التي صارحها
هؤلاء الأغرار بعداوة جنسيتها ولغتها وتقاليدها وراحتها وهنائها في كل ما ظهر
وما بطن من أقوالهم وأعمالهم.
وها إن ما كنا نسمعه وتسمعونه من ضروب ظلمهم وبَغْيهم في عرب الشام
والعراق، لم يسلم منه أهل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فقد تواترت
الأنباء بمضاعفة بغيهم وظلمهم فيها، وأخذوا في شنق النفوس البريئة وصلبها،
مستعملين ضروب الوحشية الطورانية، وشرعوا بتشغيل بعض من وقع في أيديهم
من سكان العوالي بالأشغال الشاقة بعد الفظائع الشنيعة التي أجروها لهم من قبل. ثم
شنقوا أخيرًا ثلاثة من أعيان المدينة المنورة، وبدأوا بتجنيد الأهالي بالقوة، حتى
استنجد بعض أهالي المدينة المنورة المكيين لينقذوهم مما هم فيه.
فأي مروءة ترضى لحاكم مهما كان ظالمًا أن يسُلّ سيف حقده وضِغْنه
وانتقامه في سكان المدينة المنورة الذين آثروا جوار النبي -صلى الله عليه وسلم-
على كل لذائذ الدنيا، وصاروا أمانة الله في يد من يحكمهم، وإذا كان حقد المتغلبة
وضغنهم قد وصل بهم إلى حد أن يمدوا أيديهم بالأذى العامة سكان المدينة المنورة
الذين لا حول لهم ولا طَوْل في جانب القوة العسكرية المتسلطة عليهم فإن أولى بهم
أن يخرجوا لقتال أولادي الأربعة ومن معهم من أفلاذ أكباد العرب، فهنالك موضع
الشجاعة والقوة لا في قتل الأهالي الأبرياء والمجاورين الضعفاء، وها إن جيوش
الحق زاحفة عليهم من أربع جهات لا من جهة واحدة، مجيبة داعي الله بالأخذ على
أيدي الظالمين، وتأديب الملاحدة المارقين.
وإنه لا يفوتنا بهذه المناسبة أن نعلن أمتنا المخلصة بسرورنا من غيرتها
الإسلامية وحميتها العربية، وشكرنا لها على ما أبدته حتى الآن من البساطة
والرجولية والشمم العربي ومشاركتها الفعلية في طرد المتغلبة المارقة من عقر دارنا
وحصون بلادنا. فسطرت بذلك صفحة ذهبية جديدة في تاريخ البلاد العربية المجيدة
واستحقت أن تكون صاحبة الفخر الأعظم باسترداد الاستقلال التام الدائم لبلادها ما
دامت السماء والأرض إن شاء الله تعالى.
وإن نظرة واحدة فيما كانت بلادنا عليه بالأمس وما صارت إليه بحول مُحوّل
الأحول كافية لترديد شكر الله تعالى منا جميعًا على جزيل آلائه، وعظيم نعمائه فقد
أبدلها من العسر يسرا، ومن الخوف أمنًا ومن الضعف قوة، وكانت مقدّراتها تحت
تصرف وصيّ جاهل لا يراعي فيها إلاًّ ولا ذمة فأزاحه الله عنها. وصارت
حكومتها منها وفيها، وفتحت لرجالها على اختلاف طبقاتهم أبواب العمل لإدارتها،
واستعمال عقولهم وذكائهم ومواهبهم في تحسين أحولها، كما فتح لأبنائهم الطريق
القويم إذا جدُّوا في إدراك الفضائل وتحصيل الكمالات، حتى يبلغوا بقدرة الله عز
وجل سعادة الدنيا بتولي المراتب العالية في دولتهم، والمناصب الجليلة في حكومتهم؛
ويحصلوا على سعادة الآخرة بإيفاء ما يجب علينا من خدمة وفود الله وحجاج بيته
الحرام، واستحصال جميع الأسباب التي تستلزمها راحتهم من كل الوجوه، وإن
عزائم حكومتنا معقودة للنهوض بأمر المعارف على أساس قويم يضمن تهذيب ناشئة
البلاد -إن شاء الله تعالى- على الوجه الذي أشرنا إليه. وإن كل ما حصل حتى
الآن ليس إلا جزءًا قليلاً مما ستناله البلاد من الخير التدريجي الدائم، وإن كان
كثيرًا بالنسبة إلى ما نحن فيه من التدابير الحربية، وبالنسبة إلى الوقت القصير
الذي تمتعت فيه الأمة بالاستقلال.
ومما لا يختلف فيه اثنان أن تأسيس الممالك يحتاج أن تبذل فيه كل طبقات
الأمة ما تستطيعه من السعي والجهد والعمل، وأن يقوم كل فرد من أفرادها بما
يحسنه من وسائل المساعدة للنهضة العامة، حتى يتم الخير العمم على أيديهم جميعًا
فتشترك الأمة كلها في نتائجه بعد اشتراكها في مقدماته. وبهذا تقيم الأمة صُروح
المجد، وتهيئ لممالكها أسباب الهناء والسعد.
وأهم ما ينتظر من الأمة إخلاص النية والتناصح والتعاضد والدفاع عن الحق
والمصلحة القومية والوطنية، فقد ورد في صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي
ومسند أحمد: (إن الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)
وفي صحيح مسلم: (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع
بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانًا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا
يكذبه ولا يحقره، التقوى هاهنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات) بحسب امرئ
من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)
وفي سنن الترمذي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يد الله على الجماعة)
فبالتعاون والتآزر والتناصح تنجح الأمم وتفوز في معترك الحياة وتكتسب رِضى الله
ورضى الخلق، وبهذا يأمرنا ديننا الإسلامي الحنيف، فلنكن مسلمين حقيقة، ومن
كان مع الله كان الله معه، وإن ما نالته جيوشكم حتى الآن من النصر والفوز لم يكن
بالإخلاص والنية الصالحة واستئصال شأفة الإلحاد والفساد، وشتان بين من
يؤسس بنيانه على التقوى ومن يؤسس بنيانه على شفا جُرُف هارٍ.
وإن من باب التحدّث بالنعم الإلهية، والتوفيقات الصمَدَانية، ما ترونه من
أني لم أضنّ بنفسي وراحتى وحياة أولادي، على الدفاع عن راحة أبناء جلدتي
ومصلحة بلادي، وذلك لما علمته من أن الخدمة لا تتم إلا بأن يعمل لها كلٌّ بما
يستطيع.
ومن نِعم الله تعالى على بلادنا هذه العربية اتفاق مصالحها مع مصالح من
والاها من حلفائها، وإعلانهم العطف عليها في آمالها وأمانيها، وتصريحهم بأن من
النقط التي لا تقبل التغيير والبديل بقاؤها في أيدي حكومة إسلامية مستقلة أمينة من
كل طارئ خارجي. وإن من مقتضى أخلاقنا الإسلامية التي منها الاعتراف بالجميل
شكر حلفائنا الكرام على إخلاصهم في صداقتنا وحسن سيرتهم معنا وبذلهم الوُسع
فيما فيه خير هذه البلاد. وأنا سنحرص على دوام ما يؤيد هذه المنافع المتبادلة إلى
ما شاء الله.
ونستنهض همة أمتنا في الختام إلى العمل على حفظ ما بأيديهم من نعم الله
السابغة، والاستمرار فيما أخذوا به من أسباب النهوض والتقدم؛ لأن الزمان
الحاضر زمان جِدّ وعمل، وقد خاضت كل الأمم في معامع الحروب والخطوب
تأمينًا لمصالحها وبقائها، وضحت كل مرتخص وغالٍ في سبيل عزها ومجدها،
وإننا لجديرون بأن نكون في مقدمة الطامحين إلى إحياء الأمجاد، والسير في سبيل
الأجداد، ورفع شأن البلاد، واجتناب كل ما يخل بنعمة حاضره، وسعادة مستقبله،
ومن جهة ثانية فإني أحث قومي على الاقتصاد والأخذ بأسبابه وترك البطالة المنهي
عنها في الدين الإسلامي، ولنا مُعتبَر في الحث وشدة المثابرة في وسائل الاكتساب
مهما كان حكمنا على حالة بلادنا في الوقت الحاضر من جهة ما يظهر في النظرة
الأولى من قلة أسبابها الاقتصادية، ولكن مباشرة العمل ستبين لكم أنها تأتي بثمرات
لم تكن في الحُسبان، فيكون بها تعديل الحاجة وتهوين الضرورة التي أحست البلاد
بها في الشهر الأول بل في الأسبوع الأول من وقوع الحصر.
وإنه لم يبق لأحد عذر في التقصير بشيء من أسباب الارتقاء بعد أن فتحت
أبواب الاكتساب الخارجية للرجال، وأبواب المدارس للأطفال، وسوف تستمر
حكومتنا في هذا السبيل -إن شاء الله- حتى تستكمل كل أسبابه، لا سيما المدارس
المساعدة على ذلك بكل أنواعها، كالمدارس التجارية والزراعية والصناعية والطبية
والهندسية، وسائر ما نحتاج إليه في حياتنا الجديدة والعُمران الحاضر على الطراز
والوجه المناسب لقدسية بلادنا، حتى يسهل استثمار ما أعد الله تعالى فيها من لوازم
الحياة على أيديكم وبواسطتكم في عهد قريب -إن شاء الله تعالى- وليس ذلك بعزيز
عليكم بالنظر إلى ما خصكم الله تعالى به من الذكاء والفطنة، وإن خطتنا الإسلامية
هي المحافظة على ما نحن فيه والسعي لتنميته والتقدم به بالتدريج الذي تقتضيه
حالة البلاد {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} (التوبة: ١٠٥) .
... ... ... ... ... ... ... ... ... شريف مكة المكرمة
... ... ... ... ... ... ... ... ... وملك البلاد العربية
... ... ... ... ... ... ... ... ... الحسين بن علي

(المنار)
كان المنشور الهاشمي الأول خطابًا خاصًّا بالمسلمين، وقد نشرنا خلاصته في
الجزء الرابع، والمنشور الثاني موجهًا إلى الناس عامة والمسلمين خاصة، وقد
نشرناه بنصه في الجزء السادس، وهذا المنشور الثالث خاص بأهل الحجاز وحدهم
وكلهم مسلمون كما يعلم القراء، إلا أنه يوجد في جدة أفراد من أهل الكتاب
المعاهَدين تساهَلَ الحكام من قبل بالسماح لهم بالإقامة فيها، وسبب جعل الحرمين
وما يحيط بهما من جزيرة العرب خاصًّا بالمسلمين، مع ما هو معروف من تساهل
الإسلام هو أنهما أعظم المعابد الإسلامية وما حولهما حرم لهما. ومن المساواة في
الإسلام أنه لا يجوز للمسلمين في دار الإسلام دخول معابد غيرهم، ولو مؤقتًا إلا
أن يكون بإذنهم، فهل تجوز الإقامة فيها؟ لو كان لهذا الملك الشريف رعية من
غير المسلمين لَخَصَّهم بخطاب يعلم منه القاصي والداني أنه أوسع صدرًا وأشد
تسامحًا من خلفاء العباسيين، وأنه لو حكم بينهم بما يأمره به دينه واجتهاده لكان
حكمه خيرًا لهم من دستور العثمانيين في دينهم ودنياهم.
وقد كنت مع جمهور من المسلمين السوريين في مجلسه الشريف من دار
حكومته بمكة المكرمة ومعنا عبد العزيز بك المصري المشهور، فذكرت في سياق
الحديث عن العرب إخلاص القائمين بالنهضة العربية من المسلمين والنصارى
وضربت الدكتور أمين المعلوف مثلاً وشاهدًا فقال -حفظه الله تعالى-: يا حضرة
السيد، إنني لا أحب أن يفرق في هذا المقام بين مسلم وغيره، وإذا كان أصل
شرعنا في الذمي الغريب عنا أن له ما لنا وعليه ما علينا، فكيف إذا كان من أبناء
جنسنا، ثم أثنى على الدكتور وأعرب عن رضائه عنه، فسر الحاضرون بقوله
سرورًا عظيمًا.