للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الرد على جريدة القبلة

جاءتنا رسالة لأحد علماء نجد في الرد على ما نشر في جريدة القبلة من
الطعن في دين الملقبين بالوهابية من أهل تلك البلاد، وفي هذه الرسالة أن لصاحبها
رسالةً أخرى في الرد على تلك الجريدة نشرت قبلها، وقد اقترح علينا نشر هذه
الرسالة، فحال دون ذلك عدة موانع، أهمها: شدة عبارتها في التشنيع على
المردود عليه، وكوننا نرى أن التمادي في هذه الردود ضرره أكبر من نفعه،
ولكننا نذكر منها عبارةً في الرد على ما جاء في المنشور الذي نشر في تلك الجريدة
وسبق لنا نقله عنها في الجزء الخامس من هذا المجلد (٢١) من قوله:
(فتبجحهم بقولهم: إن العالمَ سيبعث، شاء المولى أو لم يشأ) وقوله: إنهم
تظاهروا بهذه الشناعة (وأباحوا دماء من لم يجب دعاتهم على اعتقادها وأمثالها
وبدأوهم بالقتال، واستحلوا أموالهم وأنفسهم، فكيف لا يقال والحالة هذه بقتالهم)
هذه عبارة المنشور بحروفها.
وإننا عندما اطلعنا على هذه التهمة دهشنا؛ لأن اعتقاد وقوع كل شيء في
العالم بمشيئة الله - تعالى - وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن من المسائل
الإجماعية التي لم تدخل في باب من أبواب الخلاف التي بولغ فيها بين الوهابية
وخصومهم، ورأينا هذه الرسالة قد أنشئت للرد على هذه التهمة بعد مقدمة وجيزة
فيما كان من قيام الشيخ محمد عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - بتجديد الدين في
بلاد نجد وغيرها، وإرجاع الجماهير من العرب الذين كانوا على جاهلية شر من
الجاهلية الأولى إلى الكتاب والسنة قولاً واعتقادًا وعملاً.
قال الكاتب في الرد على قول المنشور: (فتبجحهم بقولهم: إن العالم سيبعث)
بعد تصحيحه بأنهم يقولون: (إن الله سيبعث العالم) لا إن العالم سيبعث -
بصيغة الفعل المجهول - ما نصه: (نعم إننا نتبجح بذلك ونعتقده وندين الله به؛
إيمانًا بالله وباليوم الآخر، وتصديقًا لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من
ذلك عن ربه، ولا ينكر ذلك ويشك فيه إلا كافر معاند) ثم أورد عشر آيات من
القرآن الكريم في إثبات الاستشهاد والحجة، وذكر أن الآيات في ذلك كثيرة.
ثم قال: (وأما قوله عنا: إننا نقول: شاء المولى أو لم يشأ، فهذا من الكذب
والبهتان ... وقول الزور {مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} (النور: ١٦) وبعد تشنيع القول على قائله شرع يناقشه في عبارته، فقال في
قوله: (إن العالم سيبعث) إنه يوهم ببنائه للمجهول أن الباعث للعالم غير الله -
تعالى - شاء المولى ذلك أو لم يشأه، والله - سبحانه وتعالى - لا غالب له، ولا
مكره له، ولا إله غيره، ولا رب سواه {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ
آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً} (مريم: ٩٣) إلخ ما أورده من الآيات في ذلك، وفيما روي
عن السلف في تفسيرها، ثم شرع يناقشه فيما رد به على هذه التهمة الباطلة،
وأورد في أثناء ذلك آيات كثيرةً في قيام الساعة والبعث.
ثم انتقل من ذلك إلى تفنيد قوله: (وأباحوا دماء من لم يجب دعاتهم على
اعتقادها وأمثالها) , فقال: إن هذا من الزور والبهتان. وكذَّب أيضًا قوله:
إنهم بدأوهم بالقتال، فقال: بل هم الذين بدأونا وزحفوا علينا بالجنود الهائلة
العظيمة، والكيد الشديد والعدد والعدة التي ما عليها من مزيد، واستحلوا دماء
المسلمين الذين كانوا في (بلدة تربه) وأموالهم واستباحوا نساءهم، وأكثروا في
البلد الفساد {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} (الفجر: ١٣) بشرذمة قليلة من
سرايا المسلمين {فَغُلِبُوا هُنَالِكَ} (الأعراف: ١١٩) إلخ ما أورده في وصف
تلك المعركة.
نكتفي بهذه الجملة من رسالة الرد، ونعتذر للكاتب عن نشرها كلها بأنه يزيد
نار الخلاف والتفرق اشتعالاً بما فيه من شدة الطعن، ونحن نريد إطفاء هذه النار
وإصلاح ذات البين، وإنما لخصنا منها ما لخصنا ليعلم أصحاب جريدة القبلة أن ما
نقل إليهم في ذلك كذب، وتَقوُّل على النجديين حتى لا يثقوا بعدُ بهذه النقول،
ويتبينوا إذا جاءهم فاسق بأمثال هذه الأنباء، كما أمر الله تعالى.
وإننا نرجو من الفريقين الكف عن طعن بعضهم في بعض، كما اقترحنا
عليهم من قبل، والاكتفاء في مسائل الخلاف بالحجة والبرهان {عَسَى اللَّهُ أَن
يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الممتحنة: ٧) .