للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد بسيوني عمران


ترجمة فقيد العلم والإصلاح
أحمد فوزي عمران
بقلم شقيقه محمد بسيوني عمران في (جاوه)

حضرة العلامة المِفضال، ذي الفضل والكمال، سيدي الأستاذ السيد محمد
رشيد رضا صاحب المنار الأغر متّعني الله والمسلمين بوجوده الشريف.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فإني أكتب إليكم اليوم ويدي مضطربة
وقلبي مملوء حزنًا وأسى، والهموم مسدلة على القلوب لما رُزِئنا بل رُزئت به
(سمبس) كلها من فقد شقيقنا العزيز أحمد فوزي عمران ليلة الخميس الواقعة في ٢٧
شعبان المعظم سنة ١٣٣٩ الموافقة ٥ مايو سنة ١٩٢١.
ألا إن مصيبتنا في فقيدنا المرحوم كبيرة كما كان رجاؤنا فيه لإصلاح الأمة
كبيرًا، لما رزقه الله تعالى من الأخلاق القويمة والصفات الكريمة، فكان رحمه الله
مخلصًا قوي الإيمان، قائمًا بالواجبات، منزهًا عن الفواحش والمنكرات صادقًا في
الجد والهزل، عالي الهمة، قوي الإرادة، ساعيًا في مصلحة الأمة، محبًّا للعمل،
متواضعًا ناصحًا أمينًا، صابرًا حليمًا، عزيز النفس، مكرمًا محبوبًا من أقاربه
وأصحابه وقومه وجميع من عاشره من مختلفي الأجناس.
ولكن الله سبحانه وتعالى لم يحقق رجائي ورجاء الأمة فيه، فلله ما أعطى
ولله ما أخذ، إنا لله وإنا إليه راجعون، ألا إلى الله تصير الأمور.
وُلد - رحمه الله تعالى - يوم السبت غرة شعبان المعظم سنة ١٣٠٦ ولما بلغ
ست سنوات من عمره علمه والدنا الشيخ محمد عمران مهراج أمام قاضي (سمبس)
قراءة القرآن الشريف، ثم أدخله في مدرسة الحكومة الهولاندية ليتعلم فيها الكتابة
الملاوية ومبادئ الحساب، وأنا يومئذ في مكة المكرمة أطلب العلم فيها، ففاق رحمه
الله في المدرسة أقرانه وتقدم عليهم، ولما أتم دروسه فيها لم يلبث أن طلبته الحكومة
معلمًا في هذه المدرسة، وفي سنة ١٣٢٨ قويت رغبته في تعلم اللغة العربية والعلوم
الدينية وكنت أنا منذ سنتين ونصف جئت من سفري من مكة المكرمة فقلت له: إن
أردت أن تتعلم اللغة العربية وعلومها والعلوم الدينية والدنيوية (العصرية) فاذهب
إلى مصر وأنا أذهب معك، فاتفق رأينا وطلبنا من الوالد رحمه الله الإذن بالسفر إلى
مصر رأسًا لأجل طلب العلم فيها، فلم يستطع مخالفتنا في ذلك، وأخبر الوالد -
رحمه الله - مولانا السلطان محمد صفي الدين بمرادنا فسرَّه ذلك الخبر وقال له: إنا
نرجوا أن يكون ولداك نبراسًا لبلادنا.
وفي شهر ذي القعدة الحرام سنة ١٣٢٨ سافرت أنا والفقيد - رحمه الله - وأحمد
سعود وسعد علي من أهل بلدنا إلى مصر القاهرة ذاكرين اسم الله وناوين طلب العلم
فيها، وفي يوم ١٣ ذي الحجة الحرام سنة ١٣٢٨ وصلنا إلى مصر القاهرة ونزلنا في
بيت مصلح الأمة العالم العلامة مولانا السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار، فإننا لم
نكن نعرف غيره من الناس في مصر، ولا محل لرجائنا في تحقيق أملنا تحصيل ما
سافرنا وهاجرنا إليه غير هذا المصلح العظيم، وما كنت أعرفه ولا أرجو ما رجوناه
إلا بعد قراءتي المنار، فإني اشتركت فيه منذ سنتين قبل سفرنا إلى مصر، وقد قابلنا
في محطة مصر شقيقه الفاضل السيد صالح رضا وكان السيد صاحب المنار ينتظرنا
في منزله الشريف، ولما دخلنا وسلَّمنا عليه قابلنا بحفاوة وإكرام على عظم قدره وعلو
مقامه، وأكرم مثوانا وضيافتنا ولم ننتقل من بيته إلا بعد أيام - جزاه الله عنَّا خير
الجزاء - وكان أول ما سألني عن أحوال مسلمي جاوه وملايو فأخبرته بما علمت،
وظهر لي أنه متأسف من انحطاطنا في الأمور الدينية والدنيوية وأنه مهتم بأمورنا
الدينية بل والدنيوية، ولم يكن أحد منا يعرف اللغة العربية سوى كاتب هذه الأسطر.
وكنا نود لو نقرأ على السيد ونتعلم منه العلوم العربية والدينية وغيرها من
العلوم العصرية، ولكن لم يجد وقتًا لذلك لكثرة أشغاله واشتغاله بما هو أكبر من
إقرائنا وتعليمنا من الإصلاح الديني والدنيوي العام، ومع ذلك لم تفُتنا إراشاداته
وإفاداته وذلك قبل تأسيس مدرسة دار الدعوة والإرشاد، وأما بعد تأسيسها وفتحها
فقد كنتُ أنا والفقيد - رحمه الله - نحضر دروس التفسير والتوحيد التي ألقاها السيد
في المدرسة، ولم نحرم ولله الحمد ما كنا نوده ونتمناه، وكنت أنا والفقيد - رحمه
الله - نتعلم في الأزهر الشريف ويأخذ كل منا معلمًا خصوصيًّا بأجرة وبغير
أجرة.
وكان - رحمه الله - يقرأ النحو والصرف والفقه ويشتغل بحفظ اللغة العربية،
ولم يمكث سنة واحدة بمصر إلا وهو يعرف النحو والصرف وينشئ باللغة العربية،
ثم أُسست مدرسة دار الدعوة الإرشاد بالروضة بجهة مصر القديمة وكان ناظرها
ومديرها العلامة صاحب المنار، ودخلت أنا والفقيد - رحمه الله تعالى - في هذه
المدرسة المباركة بعد امتحاننا فيما اشترطته في طلابها من العلوم التي تعلموها.
وكان الفقيد - رحمه الله تعالى - يُجاري طلبة المدرسة المصريين الذين طلبوا
العلم في الأزهر نحو ثماني سنين في العلوم التي تعلم فيها غير أنه رحمه الله لم
ينطلق لسانه بالتكلم باللغة العربية انطلاق ألسنة المصريين، وفي سنة ١٣٣١
سافرت إلى وطننا (سمبس) والفقيد لم يزل يطلب العلم في المدرسة، ويشتغل
بالمطالعات والمذاكرات والمكاتبات، ثم خرج من المدرسة واتخذ معلمين
خصوصيين لم يفارقهما حتى سافر إلى (سمبس) أول سنة ١٣٣٥ وكان قصده التوجه
أولاً إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، ثم إلى وطنه ولكن لم يحصل على إذن
الحكومة المصرية في السفر إلى الحجاز (كانت الأيام أيام الحرب الأوربية الهائلة
التي كانت الإنكليز تخاف فيها السياسة) وكان - رحمه الله - متهمًا بالاشتغال
بالسياسة لما وجدته الحكومة المصرية من بعض كتبه إليّ، الذي فيه ذِكر أخبار
الحرب، وكان لا يكتب إليّ إلا باللغة العربية.
ولما وصل الفقيد رحمه الله تعالى إلى (سمبس) أحبه مولانا السلطان وازداد
رغبة في إنشاء مدرسة تعلم فيها اللغة العربية وعلومها والعلوم الدينية والدنيوية
كالجغرافية والحساب، وأمر الفقيد بتأليف نظام للمدرسة المرغوب وجودها في
سمبس، فألف رحمه الله نظامًا بموجب الأمر السلطاني مقتبسًا من نظام مدرسة دار
الدعوة والإرشاد.
وفي شهر ذي القعدة الحرام سنة ١٣٣٦ تأسست في (سمبس) والحمد لله
مدرسة عربية دينية تسمى (المدرسة السلطانية) وكان ناظرها ومديرها وأكبر
أساتذتها فقيدنا المرحوم المأسوف عليه، فكان الإقبال على هذه المدرسة أطال الله
عمرها عظيمًا من أهل البلد، فأدخلوا فيها أبناءهم وبناتهم حتى خرج كثير من طلبة
مدرستي الحكومة وانتظموا في سلك تلاميذها، ومن يوم تأسست المدرسة وفتحت كان
وما زال رحمه الله يشتغل بالتعليم فيها إلى ١٠ رجب الفرد سنة ١٣٣٨ الموافق ١
مارس سنة ١٩٢٠ فإنه - رحمه الله - استأذن مولانا السلطان في السفر إلى الحجاز
لأداء فريضة الحج وزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة.
وفي ٢٣ رجب سنة ١٣٣٨ الموافق ١٣ أبريل سنة ١٩٢٠ سافر رحمه الله
إلى سنغافورة فإلى مكة المكرمة، وقبل أداء فريضة الحج حصل له فيها نزيف
شديد من فمه فذهب مسرعًا إلى طبيب الحكومة الحجازية وفحصه ثم فحصه
وعالجه طبيب جاوي أرسلته الحكومة الهولاندية إلى مكة وقال له: إن هذا الداء هو
السل وإنك لا بد أن تسافر سريعًا إلى جاوه، وبعد أن أدَّى رحمه الله فريضة الحج
سافر إلى سمبس ولم يمكنه السفر إلى المدينة المنورة طبعًا، وفي يوم الإثنين الواقع
في ٥ صفر ١٣٣٩ وصل رحمه الله إلى وطنه وهو لم يزل مريضًا نحيفًا وبعد
أسبوع ذهب إلى سنكاوغ (إحدى قرى سمبس) لأجل التداوي عند طبيب الحكومة
الهولاندية فقال له الطبيب الهولاندي: إنك لا بد أن تعالج في بتاوي فإني لا يمكنني
أن أعالجك هنا وفي ٣٠ صفر ١٣٣٩ سافر إلى بتاوي ودخل إلى أحد
المستشفيات هنالك ثم نقل إلى مستشفى في بوقر وكان لا ينقل إلى هذا المستشفي إلا
من تقدمت صحته، وفي ٨ رجب ١٣٣٩ وصل رحمه الله تعالى راجعًا من بتاوي
إلى سمبس فسررنا سرورًا عظيمًا لأنا ظننا أنه قد شفي شفاءً تامًّا إذ لم نر فيه إلا
سعالاً قليلاً، وفي يوم ١٦ شعبان ١٣٣٩ عاوده نزيف الدم وازداد مرضًا، وفي
ليلة الخميس عند الساعة الثانية ونصف عربية الواقعة في ٢٧ شعبان سنة ١٣٣٩
خرجت روحه الطاهرة بعد أن نطق بالشهادتين فحصلت الضجة والجزع والحزن
من أقاربه خاصة ومن الناس عامة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
كان رحمه الله تعالى أديبًا، وخطيبًا واسعًا، وشاعرًا قليلاً، وكان له في
العلوم العربية نصيب وكذا في العلوم الرياضية والعصرية والدينية، وتدل على ذلك
مقالاته التي كتبها باللغة العربية والملاوية، وكان محررًا بجريدة الاتحاد الملاوية
التي كانت تصدر بمصر القاهرة، وكان رحمه الله يقرأ المنار من يوم عرف
العربية وكان آخر قراءته له الجزء الثاني من المجلد الثاني والعشرين وله مقالة
نشرها المنار أيام كان بمصر، ومن أثر اجتهاده وحسن طريقته في التعليم أن تعلم
وفهم في مدة سنتين عدة أشخاص من تلامذته اللغة العربية والنحو والصرف فهمًا
مكنهم من قراءة وفهم الكتب العربية السهلة العبارة ومن الكتابة باللغة العربية على
أنهم لم يكونوا يعرفون شيئًا من اللغة العربية قبل دخولهم المدرسة، ولذلك لما
وصل الفقيد رحمه الله من سفره تمنى كل من تلاميذ المدرسة ذكورًا وإناثًا أن يعود
إليها معلمًا ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، وإن إرادة الله فوق كل إرادة
وقدرته تعالى نافذة وليس لنا إلا الرضاء والتسليم لحكمه وقضائه.
وقد قال كثير من الناس بعد وفاة المرحوم: إن المدرسة تموت قريبًا، فإنه
ليس فيها معلمون أكفاء، والسبب الأول في موتها عدم الأموال التي تحيا بها،
والمسلمون بخلاء ضعفاء في الأحوال المالية.
هذا وإنني ذكرت ما ذكرت من الإطراء والثناء على شقيقي رحمه الله، وهو
حق إن شاء الله تعالى، ولا فائدة لي وله في ذلك ما لم يستحقه، وشهد له بذلك
جميع من عرفه من أهل العلم والفضل الذين يقدرون الفضيلة حق قدرها كما تشهد
له به آثاره التي لا موضع لذكرها هنا.
سمبس برنيو الغربية في ٩ شوال سنة ١٣٣٩ الموافق ١٦ يونية ١٩٢١
... ... ... ... ... ... ... ... ... كتبه
... ... ... ... ... ... محمد بسيوني عمران