للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


خاتمة المجلد الثاني والعشرين

بسم الله وبحمده أختتم المجلد الثاني والعشرين من المنار كما افتتحته باسمه
وبحمده فهو به وله منه وإليه، ولا حول ولا قوة إلا به.
بفضله تعالى أعدنا أجزاء المنار إلى حجمها السابق الذي انتقصت منه رزايا
الحرب وطبعناه على ورق أقوى وأنظف وأغلى من ورقه الأول، فثمنه يزيد على
الثمن الذي كان قبل الحرب خمسة أضعاف وتوسعنا في مباحثه ومسائله، عملنا كل
ما أقدرنا الله تعالى عليه فعسى الله أن يوفق سبحانه قرَّاءَه إلى أن يقوموا بما يجب
عليهم من أداء حقه، فلا يزال الكثيرون من أهل الوفاء منهم يرجئون دفع القيمة
إلى انتهاء السنة واستيفاء أجزاء كل مجلد كاملة، ولا يزال الكثيرون من غيرهم
مدينين باشتراك عدة سنين، يلوون ويمطلون، وهم أغنياء واجدون، ويندر أن
يوجد فيهم من يستبيح هذا الجرم ويستحل أن يصدق عليه قول الرسول - صلى
الله عليه وسلم -: (مطل الغني ظلم) متفق عليه، ولكنهم غافلون حتى عن
أنفسهم فلا يفكرون في نفقات العمل من أين تأتي إذا كان جميع المشتركين أو
أكثرهم مطل ولا يرضون لأنفسهم أن يكون غيرهم خيرًا منهم، ولا يحاسبونها على
الظلم وهضم الحق الصراح، ولا سيما إذا كان صاحبه مهملاً أو مقصرًا في حياته
بالإلحاح؛ لأن الأمور السلبية قلَّما يحاسب نفسه عليها في الأمم المريضة -إلا
نادرًا -إلا الأفراد من الفضلاء وأما الدهماء فقلما يفكرون في جناياتهم العملية
على أنفسهم وأهليهم وأمتهم، أو يفطنون إلى سوء عواقبها فيها وفيهم، وإذا ذكر
أحدهم أو وجهت إليه لائمة بادر إلى تبرئة نفسه، وتحويل اللائمة إلى غيره، فلا
ينبه اللوم والتذكير منه إلا غريزة الدفاع عن النفس، والمحافظة على كرامتها بما
يسبق إلى ذمته بادي الرأي، وقد يقضي بما يقول عليها، وهو يحسب أنه قد قضى
لها، وما هي إلا الغفلة عن النفس تصل إلى درجة السهو والنسيان، كما
أرشد إلى ذلك القرآن، فقد قال في قوم: {نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} (الحشر:
١٩) ووصف قومًا بأنهم {فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} (الذاريات: ١١) .
لا يبالي المُلِيمُ ما يدفع به اللوم أكان حقًّا أم باطلاً ولا يقول ما يقول دائمًا عن
اعتقاد، وقد يقول كلمة حق يريد بها باطلاً أو لا يريد بها إلا مقابلة اللوم بمثله كمن
يعتذر عن تأخير أداء الحق الذي عليه للصحيفة بتأخير بعض الأجزاء عنه، ويقل
فيمن يعتذرون مثل هذا الاعتذار من قصد جعل الإرجاء أو ترك الوفاء عقابًا على
تأخير بعض الأجزاء أو الأعداد، والأصل في الاشتراك أن تدفع القيمة كل سنة
سلفًا للاستعانة بها على العمل فيكون باذلها مشاركًا لصاحبها فيه فإن لم يفعل
المشتركون ذلك وعد مدير العمل مسيئًا بتأخير إصدار الصحيفة فإساءته تكون
متأخرة عن إساءة مرجئ الدفع سلفًا، بل تكون معلولة لها في الأكثر، وإذا كان كل
مشترك لا يدفع إلا بعد استيفاء أجزاء السنة كلها في مواقيتها وكان إصدار الأجزاء
في مواقيتها أو مطلقًا متوقفًا على دفع القيمة قبله لأجل النفقة تكون المسألة من قبيل
ما يسمى في اصطلاح المنطق بالدور، فيقال: لولا تأخير المشتركين لقيمة الاشتراك
لما تأخر صدور شيء من أجزاء المجلة، ولولا تأخير أجزاء المجلة لما تأخر
المشتركون عن أداء القيمة سلفًا، هذا محال.
والحق أن الإرجاء والتسويف لا يكون من جميع المشتركين في الصحف وإن
من المرجئين من يرجئ كسلاً وتهاونًا في الوفاء، ومنهم من يرجئ لأن أداء الحق
ثقيل على طبعه، وليس له من باعث الدين ولا التربية على الوفاء والنظام في
المعيشة ما يرجح على البخل وهضم الحقوق، ومنهم المعسر الذي ينتظر الميسرة،
ومنهم الحريص الذي يخشى أن يُعجز صاحبَ المجلة أو الجريدة الاستمرارُ على
إصدارها، وأكثر الناس في هذه البلاد وأمثالها لا يثقون بأكثر ما يتجدد من الصحف
لكثرة ما يصدر منها أيامًا وأسابيع أو أشهرًا قليلة، ثم ينقطع وتضيع قيمة الاشتراك
التي دفعت لأصحابها سلفًا، ولكن قلَّما يشك أحد في الثقة بثبات الصحف التي
طالت أعمارها وصبرت على لأواء الزمان، ولا سيما لأواء هذه الحرب.
ألا إن كل من أنصف من نفسه وأعطى التفكر في المسألة حقه يظهر له الحق
فيها ويجتهد في المسارعة إلى دفع قيمة الاشتراك في الصحيفة التي ارتضاها سلفًا،
فإن لم يكن ففي أثناء السنة، وإنه يظلم صاحبها بالتأخير إلى نهاية السنة، فكيف
بمن يرجئ اشتراك سنتين فأكثر وصاحب الصحيفة يظل يرسلها إليه ثقة به وحسن
ظن فيه؟ وجملة القول: إن الناس في هذه المسألة كما قال تعالى في الذين أورثوا
الكتاب: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ
الفَضْلُ الكَبِيرُ} (فاطر: ٣٢) وكل ظالم لغيره فهو ظالم لنفسه.
***
مواد المجلد الـ ٢٣
لدينا من المواد المعدة للمجلد الآتي بحث طويل الذيل متدفق السيل في مسألة
الخلافة الإسلامية لأحد أركان النهضة الإسلامية في الهند صديقنا المولى أبو الكلام
محيي الدين آزاد صاحب مجلة (الهلال) العلمية الإصلاحية، وجريدة بيغام - أي
البلاغ - السياسية في كلكتة الذي قد كنى عن الكلام بالإلهام فإنه من أفصح أهل
العصر كلامًا وأقدرهم على الخطابة والكتابة وهو يجيد فهم اللغة العربية بحيث إنه
أعاد الخطاب الذي اختتمت به مؤتمر ندوة العلماء في لكهنؤ بطريق الخطابة باللغة
الأوردية في جلسة خاصة عقدت لأجل ذلك، وكانت خطبتي ارتجالية استغرق إلقاؤها
زهاء ساعتين، وقد سمعت ممن يفهم اللغتين أنه لم يفرط في أداء معانيها من شيء.
وهذا البحث في الخلافة يؤلف كتابًا جليلاً ذا أبواب وفصول تاريخية وشرعية
واجتماعية وسياسية تهم جميع المسلمين وجميع الذين يعنون بمعرفة تاريخهم الديني
والسياسي، ومن مباحثه: الفرق بين خلافة النبوة الراشدة وما بعدها من خلافة المُلك
وأحكامها وأحوال المسلمين فيها، ومسائل الجماعة وما ورد في لزومها وفي النهي
عن التفرق، وأسباب ضعف المسلمين، وطاعة الخليفة والتزام الجماعة، وتفسير
أولي الأمر، وأحكام الجهاد والهجرة، وشروط الإمامة والخلافة في حال الاختيار
وحال التغلب، وكون الخليفة لا يتعدد، والتعارض والترجيح بين طاعة الخليفة وبين
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإزالته، ومن أهم مباحثه: خلافة آل
عثمان، وغير ذلك مما لم يصل إلينا بعد، وسنعلق على بعض المسائل حواشي
مختصرة إيضاحًا أو استدراكًا أو انتقادًا ونترك للقرَّاء الحكم فيه.
ولدينا أيضًا كتاب (من الخرافات إلى الحقيقة) وهو كتاب إصلاحي عظيم
كما علم من مقدمته وأبوابه التي نشرناها في هذا الجزء، وسنعلق عليه بما ذكرنا
آنفًا.
ويلي ذلك رحلتنا الأوربية، فهذا أوسع ما لدينا الآن من الزيادة في المواد
على المعهود إجمالاً من أبواب المجلة كالتفسير والفتاوى وغيرهما أو تفصيلاً
كفصول بحث القياس في اللغة العربية والرحلة السورية ووراء ذلك ما يتجدد من
المقالات والرسائل في أثناء السنة.
ونسأله تعالى أن يُقِرَّ أعيننا بحياة أمتنا، ويوفقها إلى تغيير ما بأنفسها من
أفكار فاسدة وخرافات كاسدة وأخلاق سيئة، ليغير ما بها من ذلة ومهانة، وضعف
واستكانة، وأن يجعلنا فيها وفي سائرالعالم من الهداة الناصحين، والصالحين
المصلحين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.