للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


تتمة كلام الغزالي
في مسألة الحلال والحرام

(من جواب الفتوى ٢٣ و ٢٤)
وأما المستند الثالث: وهو أخيلها [١] أن يقال: الأموال إنما تحصل من المعادن
والنبات، والحيوان، والنبات، والحيوان حاصل بالتوالد، فإذا نظرنا إلى شاة مثلاً
وهي تلد في كل سنة فيكون عدد أصولها إلى زمان رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قريبًا من خمسمائة، ولا يخلو هذا أن يتطرق إلى أصل من تلك الأصول
غصب أو معاملة فاسدة، فكيف يقدر أن يسلم أصولها عن تصرف باطل إلى زماننا
هذا، وكذا بذور الحبوب والفواكه تحتاج إلى خمسمائة أصل، أو ألف أصل مثلاً
إلى أول الشرع، ولا يكون هذا حلالاً ما لم يكن أصله، وأصل أصله كذلك إلى
أول زمان النبوة حلالاً. وأما المعادن فهي التي يمكن نيلها على سبيل الابتداء،
وهي أقل الأموال وأكثر ما يستعمل منها الدراهم والدنانير، ولا تخرج إلا من دار
الضرب، وهي في أيدي الظلمة بل المعادن في أيدي الظلمة يمنعون الناس منها
ويُلزمون الفقراء استخراجها بالأعمال الشاقة ثم يأخذونها منهم غصبًا [٢] فإذا نظر
إلى هذا عُلم أن بقاء دينار واحد - بحيث لم يتطرق إليه عقد فاسد، ولا ظلم وقت
النَّيْل [٣] ولا وقت الضرب في دار الضرب، ولا بعده في معاملات الصرف،
والربا - بعيد نادر أو مُحال، فلا يبقى إذًا حلال إلا الصيد، والحشيش في
الصحارى الموات، والمفاوز، والحطب المباح، ثم مَن يحصله لا يقدر على أَكْله؛
فيفتقر إلى أن يشتري به الحبوب، والحيوانات التي لا تحصل إلا بالاستنبات
والتوالد، فيكون قد بذل حلالاً في مقابلة حرام، فهذا هو أشد الطرق تخيُّلاً.
(والجواب) أن هذه الغَلَبَة لم تنشأ من كثرة الحرام المخلوط بالحلال،
فخرج عن النمط الذي نحن فيه، والتحق بما عددناه من قبل، وهو تعارُض الأصل
والغالب؛ إذ الأصل في هذه الأموال قبولها للتصرفات، وجواز التراضي عليها،
وقد عارضه سبب غالب يُخرجه عن الصلاح له، فيضاهي هذا محل القولين
للشافعي رضي الله عنه في حكم النجاسات، والصحيح عندنا أنه تجوز الصلاة في
الشوارع إذا لم يجد نجاسة؛ فإن طين الشوارع طاهر، وإن الوضوء من أواني
المشركين جائز، وإن الصلاة في المقابر المنبوشة جائزة [٤] ، فنُثْبِتُ هذا أولاً، ثم
نقيس ما نحن فيه عليه، ويدل على ذلك توضُّؤ رسول الله صلى الله عليه وسلم من
مزادة مشركة، وتوضؤ عمر رضي الله عنه من جرَّةِ نصرانيةٍ، مع أن مشربهم
الخمر، ومطعمهم الخنزير، ولا يحترزون عما نجسه شرعنا، فكيف تسلم أوانيهم
من أيديهم؟ ! ، بل نقول نعلم قطعًا أنهم كانوا يلبَسون الفراء المدبوغة والثياب
المصبوغة والمقصورة، ومَن تأمل أحوال الدبَّاغين والقصَّارين والصبَّاغين علم أن
الغالب عليهم النجاسة، وأن الطهارة في تلك الثياب محال أو نادر، بل نقول نعلم
أنهم كانوا يأكلون خبز البُر والشعير، ولا يغسلونه، مع أنه يداس بالبقر
والحيوانات، وهي تبول عليه، وتروث، وقلَّ ما يخلص منها، وكانوا يركبون
الدواب، وهي تعرق، وما كانوا يغسلون ظهورها، مع كثرة تمرُّغها في النجاسات،
بل كل دابة تخرج من بطن أمها، وعليها رطوبات نجسة، قد تزيلها الأمطار،
وقد لا تزيلها، وما كان يحترز عنها، وكانوا يمشون حُفاة في الطرق، وبالنعال،
ويصلون معها، ويجلسون على التراب، ويمشون في الطين من غير حاجة،
وكانوا لا يمشون في البول والعَذِرَة، ولا يجلسون عليهما، ويستنزهون منه، ومتى
تسلم الشوارع عن النجاسات مع كثرة الكلاب وأبوالها، وكثرة الدوابّ وأرواثها،
ولا ينبغي أن نظن أن الأعصار أو الأمصار تختلف في مثل هذا حتى يُظن أن
الشوارع كانت تُغسل في عصرهم، أو كانت تُحرس عن الدواب، هيهات؛ فذلك
معلوم استحالته بالعادة قطعًا، فدلَّ على أنهم لم يحترزوا إلا من نجاسة مشاهَدة، أو
علامة على النجاسة دالة على العين، فأما الظن الغالب - الذي يُستبان من رد
الوهم إلى مجاري الأحوال - فلم يعتبروه، وهذا عند الشافعي رحمه الله، وهو
يرى أن الماء القليل ينجس من غير تغيُّر واقع؛ إذ لم يزل الصحابة يدخلون
الحمَّامات، ويتوضؤون من الحِيَاض، وفيها المياه القليلة، والأيدي المختلفة تُغمس
فيها على الدوام، وهذا قاطع في هذا الغرض، ومهما ثبت جواز التوضؤ من جرَّةِ
نصرانيةٍ ثبت جواز حكم شربه، والتحق حكم الحل بحكم النجاسة.
فإن قيل لا يجوز قياس الحل على النجاسة؛ إذ كانوا يتوسعون في أمور
الطهارات، ويحترزون من شبهات الحرام غاية التحرُّز، فكيف يقاس عليه؟ !
قلنا: إن أُرِيدَ به أنهم صلُّوا مع النجاسة - والصلاة معها معصية، وهي عماد
الدين - فبئس الظن، بل يجب أن نعتقد فيهم أنهم احترزوا عن كل نجاسة وجب
اجتنابها، وإنما تسامحوا حيث لم يجب، وكان من محل تسامحهم هذه الصورة التي
تعارض فيها الأصل والغالب، فبان أن الغالب - الذي لا يستند إلى علامة تتعلق
بعين ما - فيه النظر مطرح، وأما تورُّعهم في الحلال فكان بطريق التقوى، وهو
ترك ما لا بأس به مخافةَ ما به بأس؛ لأن أمر الأموال مخوف، والنفس تميل إليها
إن لم تضبط عنها، وأمر الطهارة ليس كذلك؛ فقد امتنع طائفة منهم عن الحلال
المحض خيفةَ أن يشغل قلبه، وقد حُكي عن واحد منهم أنه احترز من الوضوء بماء
البحر، وهو الطهور المحض، فالافتراق في ذلك لا يقدح في الغرض الذي أجمعنا
فيه، على أَنَّا نجري في هذا المستند على الجواب الذي قدمناه في المستندين
السابقين.
ولا نسلِّم ما ذكروه من أن الأكثر هو الحرام؛ لأن المال وإن كثرت أصوله -
فليس بواجب أن يكون في أصوله حرام، بل الأموال الموجودة اليوم مما تطرَّق
الظلم إلى أصول بعضها دون بعض، وكما أن الذي يبتدأ غصبه اليوم هو الأقل،
بالإضافة إلى ما لا يغصب ولا يسرق، فهكذا كل مال في كل عصر وفي كل أصل،
فالمغصوب من مال الدنيا، والمتناول في كل زمان بالفساد، بالإضافة إلى غيره -
أقل، ولسنا ندري أن هذا الفرع بعينه من أي القسمين، فلا نسلم أن الغالب
تحريمه؛ فإنه كما يزيد المغصوب بالتوالد يزيد غير المغصوب بالتوالد؛ فيكون
فرع الأكثر لا محالة في كل عصر وزمان أكثر، بل الغالب أن الحبوب المغصوبة
تُغصب للأكل لا للبذر، وكذا الحيوانات المغصوبة أكثرها يُؤكَل، ولا يُقتنَى للتوالد،
فكيف يقال: إن فروع الحرام أكثر، ولم تزل أصول الحلال أكثر من أصول
الحرام، وليتفهَّم المسترشد من هذا طريق معرفة الأكثر؛ فإنه مزلَّة قدم، وأكثر
العلماء يغلطون فيه، فكيف العوام؟ !
هذا في المتولّدات من الحيوانات والحبوب، فأما المعادن فإنها مخلاة مسبلة
يأخذها في بلاد الترك وغيرها مَن شاء، ولكن قد يأخذ السلاطين بعضها منهم،
أو يأخذون الأقل لا محالة لا الأكثر، ومَن حاز من السلاطين معدنًا، فظلمه بمنع
الناس منه، فأما ما يأخذه الآخِذ منه فيأخذه من السلطان بأجرة. والصحيح أنه
يجوز الاستتابة في إثبات اليد على المباحات والاستئجار عليها، فالمستأجر على
الاستقاء إذا حاز الماء دخل في ملك المستقى له، واستحق الأجرة، فكذا النيل [٥]
فإذا فرعنا على هذا لم تحرم عين الذهب إلا أن يُقَدَّرَ ظلمه بنقصان أجرة العمل
وذلك قليل بالإضافة، ثم لا يوجب تحريم عين الذهب، بل يكون ظالمًا ببقاء
الأجرة في ذمته.
وأما دار الضرب فليس الذهب الخارج منها من أعيان ذهب السلطان الذي
غصبه، وظلم به الناس، بل التجار يحملون إليهم الذهب المسبوك أو النقد الرديء،
ويستأجرونهم على السبك، والضرب، ويأخذون مثل وزن ما سلموه إليهم إلا
شيئًا قليلاً يتركونه أجرة لهم على العمل، وذلك جائز، وإن فرض دنانير مضروبة
من دنانير السلطان، فهو بالإضافة إلى مال التجار - أقل لا محالة، نعم، السلطان
يظلم أُجَراء دار الضرب بأن يأخذ منهم ضريبته؛ لأنه خصصهم بها من بين سائر
الناس حتى توفر عليهم مال بحشمة السلطان، فما يأخذه عوض من حشمته، وذلك
من باب الظلم وهو قليل، بالإضافة إلى ما يخرج من دار الضرب، فلا يسلم لأهل
دار الضرب والسلطان من جملة ما يخرج منه من المائة واحد، وهو عشر العشير،
فيكون هو الأكثر.
فهذه أغاليط سبقت إلى القلوب بالوهم، وتشمر لتزيينها جماعة ممن رَقَّ دينهم
حتى قبَّحوا الورع، وسدوا بابه، واستقبحوا تمييز مَن يميز بين مالٍ ومالٍ، وذلك
عين البدعة والضلال، فإن قيل فلو قدر غلبة الحرام، وقد اختلط غير محصور
بغير محصور، فماذا تقولون فيه إذا لم يكن في العين المتناولة علامة خاصة
(فنقول) الذي نراه أن تركه ورع، وأن أخذه ليس بحرام؛ لأن الأصل الحل، ولا
يُرفع إلا بعلامة معينة كما في طين الشوارع ونظائرها، بل أزيد وأقول لو طبق
الحرام الدنيا حتى عُلم يقينًا أنه لم يبقَ في الدنيا حلال - لكنت أقول نستأنف تمهيد
الشروط من وقتنا، ونعفو عما سلف، ونقول ما جاوز حده انعكس إلى ضده،
فمهما حرم الكل حل الكل، وبرهانه أنه إذا وقعت هذه الواقعة فالاحتمالات خمسة:
أحدها: أن يقال يدع الناس الأكل حتى يموتوا من عند آخرهم.
الثاني: أن يقتصروا منها على قدر الضرورة وسد الرمق يزجّون عليها أيامًا
إلى الموت.
الثالث: أن يقال يتناولون قدر الحاجة كيف شاءوا سرقة، وغصبًا، وتراضيًا
من غير تمييز بين مال ومال وجهة وجهة.
الرابع: أن يتبعوا شروط الشرع، ويستأنفوا قواعده من غير اقتصار على
قدر الحاجة.
الخامس: أن يقتصروا مع شروط الشرع على قدر الحاجة.
أما الأول: فلا يخفى بطلانه، وأما الثاني: فباطل قطعًا؛ لأنه إذا اقتصر
الناس على سد الرمق، وزجوا أوقاتهم على الضعف، فشا فيهم الموتان، وبطلت
الأعمال والصناعات، وخربت الدنيا بالكلية، وفي خراب الدنيا خراب الدين؛
لأنها مزرعة الآخرة وأحكام الخلافة والقضاء والسياسات، بل أكثر أحكام الفقه
مقصودها حفظ مصالح الدنيا؛ ليتم بها مصالح الدين.
وأما الثالث وهو الاقتصار على قدر الحاجة من غير زيادة عليه، مع التسوية
بين مال ومال بالغصب، والسرقة، والتراضي، وكيف ما اتفق فهو رفْع لحكم
الشرع، وفتح لباب سدَّه الشرع بين المفسدين، وبين أنواع الفساد، فتمتد الأيدي
بالغصب والسرقة وأنواع الظلم، ولا يمكن زجرهم عنه؛ إذ يقولون ليس يتميز
صاحب اليد باستحقاق عنا، فإنه حرام عليه وعلينا، وذو اليد له قدر الحاجة فقط،
فإن كان هو محتاجًا فإنَّا أيضًا محتاجون، وإن كان الذي أخذته في حقي زائدًا على
الحاجة فقد سرقته ممن هو زائد على حاجة يومه، وإذا لم نراعِ حاجة اليوم والسنة،
فما الذي نراعي؟ ، وكيف يضبط؟ ، وهذا يؤدي إلى بطلان سياسة الشرع،
وإغراء أهل الفساد بالفساد.
فلا يبقى إلا الاحتمال الرابع، وهو أن يقال كل ذي يد على ما في يده،
ويقال هو أَوْلَى به لا يجوز أن يؤخذ منه سرقةً وغصبًا، بل يؤخذ برضاه،
والتراضي هو طريق الشرع، وإذا لم يَجُزْ إلا بالتراضي فللتراضي أيضًا منهاج
في الشرع تتعلق به المصالح، فإن لم يعتبر فلم يتعين أصل التراضي، وتعطل
تفصيله.
وأما الاحتمال الخامس - وهو الاقتصار على قدر الحاجة مع الاكتساب
بطريق الشرع من أصحاب الأيدي - فهو الذي نراه لائقًا بالورع لمَن يريد سلوك
طريقة الآخرة، ولكن لا وجه لإيجابه على الكافة، ولإدخاله في فتوى العامة؛ لأن
أيدي الظلم تمتد إلى الزيادة على قدر الحاجة في أيدي الناس، وكذا أيدي السُّرَّاق،
وكل مَن غلب سلب، وكل مَن وجد فرصة سرق، ويقول لا حق له إلا في قدر
الحاجة، وأنا محتاج، ولا يبقى إلا أن يجب على السلطان أن يُخرج كل زيادة على
قدر الحاجة من أيدي الملاك، ويستوعب بها أهل الحاجة، ويدرّ على الكل الأموال
يوما فيومًا أو سنة فسنة، وفيه تكليف شطط وتضييع أموال.
أما تكليف الشطط فهو أن السلطان لا يقدر على القيام بهذا مع كثرة الخلق،
بل لا يتصور ذلك أصلاً، وأما التضييع فهو أن ما فضل عن الحاجة من الفواكه،
واللحوم، والحبوب - ينبغي أن يُلقَى في البحر، أو يُترَك حتى يتعفن، فإن الذي
خلقه الله من الفواكه والحبوب زائد على قدر توسع الخلق وترفههم، فكيف على قدر
حاجتهم؟ ، ثم يؤدي ذلك إلى سقوط الحج، والزكاة، والكفارات المالية، وكل
عبادة نِيطتْ بالغِنَى عن الناس إذا أصبح الناس لا يملكون إلا قدر حاجتهم، وهو
في غاية القُبْح.
بل أقول لو ورد نبي في هذا الزمان - ضربًا للمثل - لوجب عليه أن
يستأنف الأمر، ويمهد تفصيل أسباب الأملاك بالتراضي وسائر الطرق، ويفعل ما
يفعله لو وجد جميع الأموال حلالاً من غير فرق. وأعني بقولي يجب عليه: إذا
كان النبي ممن بُعث لمصلحة الخلق في دينهم ودنياهم؛ إذ لا يتم الصلاح برد الكافة
إلى قدر الضرورة والحاجة إليه، فإن لم يُبعث للصلاح لم يجب هذا، ونحن نُجَوِّز
أن يقدِّر الله سببًا يهلك به الخلق عن آخرهم، فيفوت دنياهم، ويضلون في دينهم،
فإنه يضل مَن يشاء، ويهدي من يشاء، ويميت من يشاء، ويحيي من يشاء، ولكنَّا
نقدر الأمر جاريًا على ما ألف من سُنة الله تعالى في بعثة الأنبياء لصلاح الدين
والدنيا.
وما لي أقدر هذا وقد كان ما أقدره؟ ، فلقد بعث الله نبينا - صلى الله عليه
وسلم - على فترة من الرسل، وكان شرع عيسى - عليه السلام - قد مضى عليه
قريب من ستمائة سنة، والناس منقسمون إلى مكذبين له من اليهود، وعبدة الأوثان،
وإلى مصدقين له قد شاع الفسق فيهم، كما شاع في زماننا الآن، والكفار مخاطَبون
بفروع الشريعة [٦] ، والأموال كانت في أيدي المكذبين له والمصدقين.
أما المكذبون فكانوا يتعاملون بغير شرع عيسى عليه السلام، وأما المصدقون
فكانوا يتساهلون - مع أصل التصديق بنبوته - كما يتساهل الآن المسلمون، مع أن
العهد بالنبوة أقرب، فكانت الأموال كلها أو أكثرها أو كثير منها حرامًا، وعفا -
صلى الله عليه وسلم - عما سلف، ولم يتعرض له، وخصص أصحاب الأيدي
بالأموال، ومهد الشرع، وما ثبت تحريمه في شرع لا ينقلب حلالاً لبعثة رسول،
ولا ينقلب حلالاً بأن يُسْلِم الذي في يده الحرام، فإنَّا لا نأخذ في الجزية من أهل الذمة
ما نعرفه بعينه أنه ثمن خمر أو مال ربا؛ فقد كانت أموالهم في ذلك الزمان كأموالنا
الآن، وأمر العرب كان أشد لعموم النهب والغارة فيهم.
فبان أن الاحتمال الرابع متعين في الفتوى والاحتمال الخامس هو طريق
الورع، بل تمام الورع الاقتصار في المباح على قدر الحاجة، وترك التوسع في
الدنيا بالكلية، وذلك طريق الآخرة، ونحن الآن نتكلم في الفقه المنوط بمصالح
الخلق، وفتوى الظاهر له حكم ومنهاج على حسب مقتضى المصالح، وطريق لا
يقدر على سلوكه إلا الآحاد، ولو اشتغل الخلق كلهم به لبطل النظام، وخرب العالم،
فإن ذلك طلب ملك كبير في الآخرة، ولو اشتغل كل الخلق بطلب ملك الدنيا،
وتركوا الحرف الدنية والصناعات الخسيسة لبطل النظام، ثم يبطل ببطلانه الملك
أيضًا، فالمحترفون إنما سُخِّروا لينتظم الملك للملوك، وكذلك المقبلون على الدنيا
سخروا؛ ليسلم طريق الدين لذوي الدين، وهو ملك الآخرة، ولولاه لما سلم لذوي
الدين أيضًا دينهم، فشرط سلامة الدين لهم أن يُعرض الأكثرون عن طريقهم،
ويشتغلوا بأمور الدنيا، وذلك قسمة سبقت بها المشيئة الأزلية، وإليه الإشارة بقوله
تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِياً} (الزخرف: ٣٢) .
(فإن قيل) لا حاجة إلى تقدير عموم التحريم حتى لا يبقى حلال؛ فإن ذلك
غير واقع وهو معلوم، ولا شك في أن البعض حرام، وذلك البعض هو الأقل أو
الأكثر فيه نظر، وما ذكرتموه من أنه الأقل بالإضافة إلى الكل - جلي، ولكن لا بد
من دليلٍ محصلٍ على تجويزه ليس من المصالح المرسلة، وما ذكرتموه من
التقسيمات كلها مصالح مرسلة، فلا بد لها من شاهد معين تقاس عليه؛ حتى يكون
الدليل مقبولاً بالاتفاق، فإن بعض العلماء لا يقبل المصالح المرسلة [٧] .
(فأقول) إن سلم أن الحرام هو الأقل فيكفينا برهانًا عصر رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - والصحابة مع وجود الربا والسرقة، والغلول، والنهب، وإن
قدر زمان يكون الأكثر هو الحرام، فيحل التناول أيضًا، فبرهانه ثلاثة أمور:
(الأول) التقسيم الذي حصرناه، وأبطلنا منه أربعة، وأثبتنا القسم الخامس؛
فإن ذلك إذا أُجري - فيما إذا كان الكل حرامًا - كان أحرى فيما إذا كان الحرام
هو الأكثر أو الأقل، وقول القائل هو مصلحة مرسلة هوس؛ فإن ذلك إنما تخيله
مَن تخيله في أمور مظنونة وهذا مقطوع به، فإنَّا لا نشك في أن مصلحة الدين
والدنيا مراد الشرع، وهو معلوم بالضرورة، وليس بمظنون، ولا شك في أن رد
كافة الناس إلى قدر الضرورة أو الحاجة أو إلى الحشيش، والصيد مخرب للدنيا
أولاً، وللدين بواسطة الدنيا ثانيًا، فما لا يُشك فيه لا يحتاج إلى أصل يشهد له،
وإنما يستشهد على الخيالات المظنونة المعلقة بآحاد الأشخاص.
(البرهان الثاني) أن يعلَّل بقياس محرر مردود إلى أصل يتفق الفقهاء
الآنسون بالأقيسة الجزئية عليه، وإن كانت الجزئيات مستحقرة عند المحصلين،
بالإضافة إلى مثل ما ذكرناه من الأمر الكلي الذي هو ضرورة النبي لو بُعث في
زمان عَمَّ التحريم فيه، حتى لو حكم بغيره لخرب العالم، والقياس المحرر الجزئي
هو أنه قد تعارض أصل وغالب فيما انقطعت فيه العلاقات المعيّنة من الأمور التي
ليست محصورة، فيحكم بالأصل لا بالغالب قياسًا على طين الشوارع وجرة
النصرانية، وأواني المشركين، وقد أثبتناه من قبل بفعل الصحابة، وقولنا:
انقطعت العلامات المعينة احتراز عن الأواني التي يتطرق الاجتهاد إليها، وقولنا
ليست محصورة احتراز عن التباس الميتة، والرضيعة بالذكية، والأجنبية.
(فإن قيل) كون الماء طهورًا مستيقن، وهو الأصل، ومَن يسلم أن الأصل
في الأموال الحل، بل الأصل فيها التحريم، (فنقول) الأموال التي لا تحرم لصفة
في عينها حرمة الخمر والخنزير خُلقت على صفة تستعد لقبول المعاملات
بالتراضي، كما خلق الماء مستعدًّا للوضوء، وقد وقع الشك في بطلان هذا
الاستعداد منهما، فلا فرق بين الأمرين؛ فإنها تخرج عن قبول المعاملة بالتراضي
بدخول الظلم عليها، كما يخرج الماء عن قبول الوضوء بدخول النجاسة عليه، ولا
فرق بين الأمرين.
والجواب الثاني أن اليد دلالة ظاهرة دالة على الملك نازلة منزلةَ الاستصحاب
أقوى منه، بدليل أن الشرع ألحقه به؛ إذ مَن ادُّعِي عليه دَين فالقول قوله؛ لأن
الأصل براءة ذمته، وهذا استصحاب، ومَن ادعي عليه ملك في يده فالقول أيضًا
قوله إقامةً لليد مقام الاستصحاب، فكل ما وُجد في يد إنسان فالأصل أنه ملكه، ما
لم يدل على خلافه علامة معينة.
(البرهان الثالث) هو أن كل ما دل على جنس لا يُحصر، ولا يدل على
معين لم يعتبر، وإن كان قطعًا فبأن لا يعتبر إذا دل بطريق الظن أولى، وبيانه أن
ما عُلم أنه ملك زيد فحقه يمنع من التصرف فيه بغير إذنه، ولو علم أن له مالكًا في
العالم، ولكن وقع اليأس عن الوقوف عليه، وعلى وارثه، فهو مال مرصد
لمصالح المسلمين، يجوز التصرف فيه بحكم المصلحة، ولو دل على أن له مالكًا
محصورًا في عشرة مثلاً أو عشرين - امتنع التصرف فيه بحكم المصلحة، فالذي
يُشك في أن له مالكًا سوى صاحب اليد أم لا - لا يزيد على الذي يتيقن قطعًا أن له
مالكًَا، ولكن لا يعرف عينه، فليَجُزْ التصرف فيه بالمصلحة، والمصلحة ما ذكرناه
في الأقسام الخمسة؛ فيكون هذا الأصل شاهدًا له، وكيف لا، وكل مال ضائع فقد
مالكه يصرفه السلطان إلى المصالح، ومن المصالح الفقراء وغيرهم، فلو صرف
إلى فقير ملكه، ونفذ فيه تصرفه، فلو سرقه منه سارق قُطع يده، فكيف نفذ
تصرفه في ملك الغير؟ ، ليس ذلك إلا لحكمنا بأن المصلحة تقتضي أن ينتقل الملك
إليه، ويحل له، فقضينا بموجب المصلحة.
(فإن قيل) ذلك يختص بالتصرف فيه السلطان، (فنقول) والسلطان لم
يجوِّز له التصرف في ملك غيره بغير إذنه؟ ، لا سبب له إلا المصلحة، وهو أنه
لو ترك لضاع، فهو (مردد) بين تضييعه وصرفه إلى مهم، والصرف إلى
مهم أصلح من التضييع، فرجح عليه، والمصلحة فيما يشك فيه، ولا يعلم تحريمه
أن يحكم فيه بدلالة اليد، ويترك على أرباب الأيدي؛ إذ انتزاعها بالشك وتكليفهم
الاقتصار على الحاجة - يؤدي إلى الضرر الذي ذكرناه، وجهات المصلحة تختلف؛
فإن السلطان تارة يرى أن المصلحة أن يبني بذلك المال قنطرة، وتارة أن
يصرفه إلى جند الإسلام، وتارة إلى الفقراء، ويدور مع المصلحة كيف ما دارت،
وكذلك الفتوى في مثل هذا تدور على المصلحة، وقد خرج من هذا أن الخلق غير
مأخوذين في أعيان الأموال بظنون لا تستند إلى خصوص دلالة في ملك الأعيان،
كما لم يؤاخذ السلطان، والفقراء الآخذون منه بعلمهم أن المال له مالك؛ حيث لم
يتعلق العلم بعين مالك مشار إليه، ولا فرق بين عين المالك، وبين عين الأملاك
في هذا المعنى، فهذا بيان شبهة الاختلاط، ولم يبقَ إلا النظر في امتزاج المائعات،
والدراهم، والعروض في يد مالكٍ واحدٍ، وسيأتي بيانه في باب تفصيل طريق
الخروج من المظالم اهـ.