للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الرحلة الأوربية
(٧)

بيَّنت في الفصل السابق أنه كان مِمَّا أرجو أن أخدم به أمتنا وبلادنا الشرقية
في أوربة إبلاغ مَن ألقى من أحرار الأوربيين حقيقة حال الشرق، وموقفه اليوم
أمام الغرب، والاستعانة بهم على إصلاح ذات البين، وأنه جرى لي أحاديث مع
بعض مَن لقيت منهم، ذكرت بعضها، وكنت - قبل ذلك - كتبت مقالة في
الموضوع، أردت أن تكون بلاغًا عامًّا لهم، فلم يتيسر لي نشرها، فإنني لما كلفت
صاحبنا الشيخ علي الغاياتي ترجمتها قرأها، وأعادها إليَّ قائلاً: إنه لا يوجد جريدة
في جنيف تقبل أن تنشرها لشدة حكمها على إنكلترة، وفرنسة، وهذا نصها:
نداء الشرق لأحرار الغرب
هذه صيحة حقّ - من جانب الشرق - يتموَّج بها الهواء في بُهْرة الغرب [١]
مدينة جنيف الحرة، التي هي كالمنار في هذه البهرة، حيث جمعية الأمم، ومثابة [٢]
كل شعب مظلوم يشكو ممن ظلم، فعسى أن تخترق مسامع أعضاء هذه الجمعية،
فتنفذ إلى عقول حكيمة، وقلوب رحيمة، وعسى أن تردد صداها صحف هذه
المدينة، فتصل إلى أحرار جميع الشعوب الأوربية الكريمة، فتكون حجة لمحكمة
الأمم إذا أرادت أن تحكم بالحق فيما اختلف فيه الغرب مع الشرق، وذلك يتوقف
على سماع أقوال الخَصْمين، والنظر في مستندات الفريقين، وحجة عليها إذا هي
حكمت للقوي القاهر، بمجرد دعواه على المقهور العاجز، يشهد بها عليها أولئك
الأحرار العُدُول، ويسجلها عليها التاريخ الصحيح، حين ترى عاقبةَ هذا الحكم،
وتؤاخذ بسوء مغبَّته، يوم تعود الحرب جذعة [٣] بهذه السياسة الخدعة، الخبأة
الطلعة [٤] ، التي يسلك أخراتها [٥] ، ومضايقها المغرورون بقوتهم، المسرفون في
مطامعهم، المتلذذون بعظمة استرقاق الشعوب، المتنعِّمون بما يسلبون فيها من
الخزائن والجيوب، بل نرجو من هؤلاء الأحرار المنصفين أن يجاهدوا هؤلاء
الساسة الماكرين، ويؤلِّبوا عليهم هذه الشعوب التي أرهقوها بالجندية، وفوادح
الضرائب المالية، فيتعاون العلماء والكُتاب، والصُّنَّاع والزُّرَّاع - على قلب سياسة
المطامع، المعزّزة بالبنادق، والمدافع المفضية إلى حرب بعد حرب، لا تنتهي إلا
بخراب الأرض، وإهلاك الحرث والنسل.
أصيخوا أصيخوا - أيها الأحرار - إلى ما يلقيه عليكم شرقي خبير بشؤون
الشرق، وما يجب أن يتبدَّل من علاقته بالغرب، بما أحدثت هذه الحرب من
الانقلاب الاجتماعي فيه، وأنتم أنتم الذي يمكنكم بهذا الانقلاب أن تكفروا سيئات
هذه الحرب وفظائعها عن مدنيتكم وشرف شعوبكم، وتأخذوا على أيدي دهاة سياسة
الطمع والكبرياء أن يرهقوكم، ويرهقوا العالم كله بحرب شر منها، إذا ظلوا
متحكِّمين في أموالكم، وجنودكم وعُمَّالكم، وظللتم مخدوعين بفصاحة خُطبهم
الخلابة، ومستعذبين لحلاوة أمانيّهم الجذَّابة.
أيها الأحرار المتفكِّرون، إنه ليقُل فيكم مَن كان له علم أو إلمام بدخائل هذه
السياسة الأفَّاكة [٦] المُرَائية، أو سبْر لغَوْر مكرها وتلبيسها، وقد كنتم معذورين في
الزمن الماضي بتصديقهم في زعمهم أن الاستعداد للحرب، هو الذي يمنع الحرب،
وأن التنافس في الاستعمار الذي هو علة عِلَلها، ليس إلا مسابقة في خدمة الإنسانية
بتحضير الشعوب الهمجية، ومباراة في العمران الذي يرفِّه معيشتكم ومعيشة هذه
الشعوب جميعًا؛ ليُعلم العلم والعمران، ويعيش البشر كلهم في رَغَد السلام.
أما الآن، فلم يبقَ لكم عذر إذا استمررتم مخدوعين بخلابتهم، مستسلمين
لكيدهم، فقد فضحتهم هذه الحرب شر فضيحة، وكذبت دعواهم أن الاستعداد
للحرب أنفى للحرب، ورأيتم كيف كان التزاحم على الاستعمار والتنافس في حب
السيادة سببًا للمباراة في الاستعداد لها، وكيف كان هذا الاستعداد لها مُضرمًا لنارها،
وسببًا لإزهاق أرواح الملايين من البشر، ولخراب ما عمروه في العشرات، بل
المئات من السنين، ولضياع ما ربح المستعمرون بظلم الشعوب المستعبَدة من
الأموال، ثم لتشويه مدنيَّة هذا العصر وسوء سمعتها.
ألا إن تبعة هذه المصائب يجب أن تُلْقَى على أكتاد [٧] رجال هذه السياسة
السوأى، وإن لم يثبت على أحد منهم بعينه إلقاء جذوة النار الأولى، فإنني على
رأي الفيلسوف الاجتماعي موسيو غوستاف لوبون في تبرئة كل دولة من دولها،
وكل رجل من هذه الدول، ملوكها ووزرائها، من تعمد بدء الحرب حتى ألمانية،
وعاهلها، وروسية وقيصرها، وفي أن سببها الحق مجموع أعمالهم السياسية التي
كانت كنقط ماء تقع في كأس، لم تلبث أن طفحت، ففاضت كما قال، أو كتجميع
القوى الضاغطة يوجب الانفجار، أو كوضْع البارود بجوار النار، لا يؤمن عليه
الاحتراق، فإذا لم تؤاخذوا هؤلاء الساسة بما جنتْه سياستهم على البشر لعُذْركم إياهم
بخطأ الاجتهاد، فلماذا تقرونهم على الإصرار على هذا الخطأ، والاستمرار على
هذه السياسة، وأنتم تعلمون أن المعلولات تتكرر بتكرار عللها، والمسببات تدوم
بدوام أسبابها؟ ، فكيف وقد تجدد لهذه المصائب والدواهي أسباب جديدة أحدثتها
الحرب، ثم معاهدات الصلح، وهذه الأسباب نوعان: يقظة الشرق، وتأريث
الحقد والانتقام بين أمم الغرب.
ما تعلمه الشرق من الحرب والصلح
أيها الأحرار، اعلموا أن حرب المدنية المادية الأوربية وهُدنتها، ومعاهدات
الصلح ونتائجها قد علَّمت عوامّ شعوب الشرق ما لم يكن يعلمه إلا بعض
خواصّهم من سوء مقاصد الدول المستعمِرة، حتى ساء الاعتقاد بالأمم الأوربية
أنفسها، فهدمت - في خمس سنين - ما بَنَى في العقول والقلوب من فضل هذه
المدنية، وعظمة أهلها في مدة قرن كامل، وعلَّمتها وجوب الاتِّحاد والتعاون بينها
- على اختلاف أديانها ومذاهبها وأجناسها - على دفْع عادية المستعمرين القساة
المتكبِّرين الظالمين المُرائين، علَّمتها الاقتداء بهم في بذل النفس والنفيس، وعدم
المبالاة بالموت في سبيل الحرية والاستقلال، علمتها أنهم لا يعرفون للحق، ولا
للعدل، ولا للفضيلة ولا للإنسانية معنًى، وأن الشرف والمجد استبداد القوي
بالضعيف، واستعباده، وتسخيره لعظمته وشهواته، علمتها أنهم كذَّابون مراؤون
أفَّاكون، يسمون الأشياء بأسماء أضدادها، يحسِّنون بذلك سيئاتهم، ويقبِّحون
حسنات غيرهم.
كان الشرقي إذا أراد أن يؤكد صدق قوله، أو الوفاء بوعده يقول: (كلمة
إفرنجية أو إنكليزية) ، وقد صاروا يطلقون هذا الوصف النسبي على ضد ما كانوا
يطلقونه عليه تعميمًا وتخصيصًا، ويعتقدون بحق أن الترك أصدق وأبرّ وأعدل
وأرحم من الإفرنج عامة، ومن الإنكليز والفرنسيس خاصة، وكيف لا، وقد
وعدهم هؤلاء بالتحرير والاستقلال وعودًا عامة وخاصة، بما أمطرت شركاتهم
البرقية، وجرائدهم الخافقين (الغرب والشرق) ، من وصف مبادئهم ومقاصدهم
من الحرب، وبما كانت طياراتهم تُلْقيه في البلاد العربية من المنشورات والجرائد
العربية الشارحة لهذه الوعود الموجزة، والمفصلة لمقاصد تلك المبادئ المجملة،
وأهم تلك المنشورات ما كان باسم أمير مكة بالأمس، وملكها اليوم، والأمير فيصل
أحد قواد الحلفاء بالأمس، وملك العراق من قبل بريطانية اليوم، وجريدة (القبلة)
التي أنشأتها حكومة الحجاز بعد الثورة العربية، وجريدة (الكوكب) التي كانت
تُصدرها السلطة البريطانية بمصر، فكان هذا وذاك وعودًا وعهودًا رسمية من
الحلفاء، تصدر من لدُن ملوكهم وقوادهم، وتنشرها بُرُدهم العسكرية وطيَّاراتهم،
فلا يمكن أن تكون من غيرهم.
ثم كانت عقابتها احتلالاً عسكريًا قاهرًا في سورية والعراق، ومعززًا بجميع
آلات الحرب الحديثة، مع بيع وطن فلسطين العربي لليهود، واستعبادًا واستذلالاً
للعرب من قِبَل المحررين المنقذين لهم! ، والمنتدَبين باسم جمعية الأمم؛ لمساعدتهم
على النهوض بأمر استقلالهم، بعد ما أصابهم من نوائب الحرب، ولكن هذه
المساعدة اضطرت هؤلاء الأصدقاء المخدوعين إلى ثورات، ومقاومات دمرت
مئات من المزارع والقرى، وقتلت عشرات الألوف في العراق وسورية!
جهل جمعية الأمم بمكر الحلفاء بها
أيها الأحرار المنصفون، إننا نعلم أنه لا يعزُب عن علمكم أن التنافس في
القوة المادية، والتزاحم على المطامع الاستعمارية - هما اللذان أوقدا نار الحرب
العامة، وأن معاهدات الصلح السوءى في فرسايل وسان ريمو وسيفر - هي التي
نقضت تلك المبادئ، وجعلت الظفر فتحًا وانتقامًا واستعمارًا، سيعيد الحرب جذعة،
ولكن الذي يرتاب فيه كثير من الناس في الشرق والغرب هو علم محبِّي الحق
والعدل من أعضاء جمعية الأمم، الذين ليس لدولهم هوًى، ولا لأفرادهم ضلع مع
أحد من الدول الظافرة القاهرة، بما يكيد لهم دهاة ساسة هذه الدول بمجلس الجمعية،
وما يلقون على عواتقهم من المهمة الثقيلة تجاه العالم الإنساني: تبعة حكم جمعية
الأمم لهم، وإقرارها إياهم على قهرهم للشعوب المغلوبة في الغرب، واستخدامهم
إياها لمنافعهم باسم التعويضات، وعلى استعباد شعوب الشرق كلها باسم الانتداب،
هذا الاسم الذي ابتدعوه؛ ليكون مخرجًا لهم من تلك الوعود والعهود، ودعوى أن
الحرب كانت بين مبدأين (المبدأ الجرماني الذي يبغي الاستعلاء على الأمم بالقوة،
ومبدأ الحلفاء الذين يبغون حرية الأمم) ، وعلى جعْل بناء السلم العام الدائم قائمًا
على اختصاص هؤلاء القاهرين الجائرين بالقوى الحربية، بأنواعها البرية
والبحرية والجوية؛ ليدوم لهم القهر والاستعباد للمحرومين منها، والعاجزين عنها،
أو يكفل لذات القوة الكبرى أن يدوم لها الرجحان والكلمة العليا، ألا وهي بريطانية
العظمى - التي شرعت في تأسيس إمبراطوريتين جديدتين - كانت تحلم بهما من
عهد بعيد، فجعلت حرب المبدأين وسيلة لتأسيسهما بقوة الجند والسلاح، وقوة الكيد
والخداع، الأولى منهما الشطر الشرقي من إفريقية، والثانية الشطر الغربي من
آسية، ويدخل في هذه السيادة جميع المعاهد المقدسة للأديان السماوية، كما أن لها
السيادة في الهند والتبت على أقدم معاهد الديانات الوثنية.
إنما يرتاب مَن أشرنا إليهم من الناس في علم من وصفنا من أعضاء جمعية
الأمم - وهم الأكثرون - بما ذكرنا من كيد ساسة الدول الظافرة لها، ومكرهم بها؛
لأنهم يظنون أن الجمعية بجملتها راضية بنظامها، مُلقية بقيادها إلى مجلسها، كما
تنقاد الرعية الجاهلة إلى ملكها المستبد بها، ذلك المجلس الذي يفصل باسمها في
أعظم المسائل تبعة وأسوأها عاقبة، كمسألة الوصايات الانتدابية، أفيصدقون أنها
مساعدة، وهم يرون ما بينهم من المساومة والمنازعة، والمصارعة والمقارعة [٨] ،
ويقرؤون بعض ما تجود به برقياتهم وصحفهم من أنباء المظاهرات والثورات على
سلطتهم العسكرية القاسية، في البلاد المرزوءة بالوصاية؛ بدعوى العطف عليها،
والرحمة بها، ومساعدتها على النهوض بأعباء حريتها واستقلالها، وما يعترفون به
أحيانًا من مقاومة ذلك بتدمير القرى والمزارع، بأكساف الطيارات وقذائف المدافع،
التي تقتل العجزة والنساء والأطفال، وقلما تصيب المتظاهرين، أو الثائرين من
الرجال، وبفرض الغرامات الثقيلة على أهلها الوادعين الساكنين، وغير ذلك من
ضروب القهر والاستعباد، الذي شرحه تقرير المؤتمر السوري الفلسطيني، وما
ألحق به.
قواعد السلم بين الشرق والغرب
إنني - بعد بيان هذه الحقائق - ألخص لجمعية الأمم، ولجميع أحرار
الشعوب الأوربية آراء شعوب الشرق، وآمالهم في أحرار شعوب الغرب، وهي:
(١) أن زعماء شعوب الشرق - من علماء الحقوق والشرائع والخطباء
والكُتَّاب والضباط الذين هم قادة الأفكار وجنودهم من النابتة الجديدة المتعلمة - قد
أجمعوا على أن يكونوا أحرارًا في بلادهم، مستقلين بأمر حكوماتهم، لا سيد عليهم
من سوى أنفسهم، بل لا سيد إلا شرائع البلاد وقوانينها، والمساواة في العدل بين
المقيمين فيها، سواء كانوا من أهلها أو من المهاجرين إليها.
(٢) يرى هؤلاء الزعماء أن التعاون الإنساني بين الشرق والغرب يجب
أن ينحصر في استعانة الشرقيين بأهل الفنون الغربية على عمران بلادهم،
واستخراج كنوز الثروة منها بإصلاح الري، وترقية الزراعة، واستخراج المعادن،
وزيت البترول، وغيره، وبما يتوسل به إلى ذلك من العلوم والفنون، وللغربيين
في مقابلة ذلك ما يأخذه هؤلاء الفنيون من الأجور العظيمة، وما يجلبون من الأغذية
لبلادهم، والمواد الأولية لمعاملهم، وما يربحون من بيع مصنوعاتهم الكثيرة؛ بهذا
دون غيره تكمل الروابط الإنسانية بين الأمم والشعوب، ويعم العمران، ويستغنى
عن سفك الدماء، وتأريث العداوة والبغضاء، بل يحل محلهما الحب والإخاء.
(٣) إذا وُجد في أحرار الغرب مَن يساعد زعماء الشرق على هذا
الإصلاح الإنساني - الذي هو أقوى ذرائع السلام في الأرض - فأول ما يجب أن
يبدؤوا به إقناع دولتي إنكلترة وفرنسة بتعديل معاهدات الصلح المتعلقة بالشرق
بالحق والعدل، أو نَسْخها بخير منها، واستقلال الأقوام التي لا يمكن أن ترضى
بأن يكون السلطان في بلادها لأجنبي عنها، كعرب الجزيرة، والسوريين،
والعراقيين، والمصريين والترك والفرس والأفغانيين، بأن ترفع الاحتلال
العسكري من مصر، وفلسطين، وسورية، ولبنان، والعراق، وتترك لأهل هذه
البلاد الحرية التامة في شكل حكوماتها برأي مجالس نيابية منتخَبة من أهلها.
(٤) أن تكف الحكومة البريطانية عن الدسائس التي تبثُّها في اليمن وسائر
جزيرة العرب لإيقاع الشقاق والفتن بين أمرائها، وإغراء بعضهم ببعض،
ومخادعتهم بعقد اتفاقات بينها وبينهم، تتوسل بها إلى العبث باستقلالهم عند سنوح
الفرص.
(٥) إذا أعرض أحرار أوربة عن هذه الدعوة، أو عجزوا عن إصلاح
ذات بين الشرق والغرب، ورأى زعماء الشعوب الشرقية أن جمعية الأمم رضيت
لنفسها بأن تكون شر آلة وُجدت في الأرض لهدم قواعد الحق والعدل، بكفالتها
للقوي بالمال والسلاح كل ما يطمع فيه من الأضعف - فستكون عاقبة ذلك خراب
أوربة بحرب أخرى، أو بلشفية أضر من البلشفية الروسية وأضرى، واتحاد
جميع شعوب الشرق على الانتقام من جميع أمم الغرب {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ
مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (الشعراء: ٢٢٧) .