للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


عقود ضمان الحياة والمال من التلف والمكوس
وقراءةالعامي للحديث

(س٣-٥) من صاحب الإمضاء في بيروت:
حضرة الأستاذ الفاضل واللوذعي الكامل مولانا السيد محمد رشيد أفندي
رضا صاحب مجلة المنار الغراء، لا زال منارًا للإسلام، وكهفًا للأنام، أتقدم إلى
موائد علمكم الشريف بالأسئلة الآتية:
رجل ضمن محل تجارته من الحريق في إحدى شركات الضمان
(السيكورتاه) على مبلغ معين من المال، وقدر الله واحترق ذلك المحل، فهل
يجوز له شرعًا مطالبة شركة الضمان بهذا المبلغ، ويكون حلالاً له أم لا؟ وهل كل
أنواع الضمانات ضد الحريق والحياة والغرق والسرقة شرعية يجوز عملها أم لا؟
وهل الرسوم الجمركية التي تؤخذ على البضائع التجارية هي من المكوس
المحرمة التي لا يجوز أخذها؟
وإذا كانت حراما أيجوز للإنسان دفعها ولا يأثم على ذلك أم لا؟ وهل يجوز
للعامل الذي لا يعرف نحوًا ولا صرفًا أن يقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم مع اللحن فيه أم لا؟
تفضلوا بيِّنوا لنا ذلك، والله يجازيكم على نشر أحكام شرعه أحسن الجزاء.
... ... ... ... ... ... السائل محمد طاهر اللادقي ببيروت
(ج) ١- كل ما في السؤال الأول فهو من المعاملات المالية غير المشروعة
في الإسلام، فلم يرد بها نص من الشارع ولم يقررها بالاجتهاد إمام عادل، وإنما
هي من العقود الحادثة عند أولي المدنية المادية في هذا العصر. ومن التزمها في
غير دار الإسلام والعدل لزمته شاء أم أبى، وإنما هو مخير في أخذ ما ثبت له دون
ما ثبت عليه، وللمؤمن في غير دار الإسلام أن يأكل مال أهلها بعقودهم ورضاهم
فهو لا يكلف معهم التزام أحكام دار الإسلام التي لا يلتزمونها، ولكن عليه أن يحاسب
نفسه على إضاعة ماله باختياره فيما له مندوحة عنه، وليس له أن يخون الحكومة
غير الإسلامية بدارها في المكوس المقررة عندها في نظامها، وأما إذا استطاع
إسقاطها أو تخفيها بغير السرقة والخيانة فلا بأس.
٢- وأما المكوس في دار الإسلام فقد ورد في السنة ما يدل على تحريمها،
وهو معروف، وجماهير الفقهاء يحصرون مال الحكومة الإسلامية بما يذكرونه في
كتب الفقه: كالغنائم والخراج وزكاة أموال المسلمين وجزية الذميين، وما يستخرج
من الأرض من الدفائن والمعادن، ولكن بعض المحققين بيَّنوا أنه يجوز للإمام
العادل استحداث ضرائب جديدة إذا توقف عليها القيام بأمر الملك وحاجة الجند.
قال الإمام الشاطبي في المثال الخامس للمصالح المرسلة من كتابه الاعتصام
(ص٩٥ ج٢) ما نصه: (إذا قررنا إمامًا مطاعًا مفتقرًا إلى تكثير الجنود لسد
الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند
إلى ما لا يكفيهم (أي بيت المال) فللإمام إذا كان عدلاً أن يوظف على الأغنياء ما
يراه كافيًا لهم في الحال إلى أن يظهر [١] مال بيت المال. ثم إليه النظر في توظيف
ذلك على الغلات والثمار وغير ذلك ... (قال) : وإنما لم ينقل ذلك عن الأولين
لاتساع مال بيت المال في زمانهم بخلاف زماننا، فإن القضية فيه أحرى ووجه
المصلحة هنا ظاهر؛ فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك النظام بطلت شوكة الإمام، وصارت
ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار، وإنما نظام ذلك كله شوكة الإمام بعدله، فالذين
يحذرون من الدواهي أو تنقطع عنهم الشوكة يستحقرون بالإضافة إليها أموالهم كلها،
فضلاً عن اليسير منها) إلخ.
ونقول: إن حاجة الجند في زمن المؤلف رحمه الله، وهو من علماء الأندلس
في القرن الثامن لا تذكر بالنسبة إلى حاجتهم في زماننا هذا الذي تنفق الدول فيه
أكثر أموالها في الجندية وحاجتها، فقد صارت العلوم والفنون والأسلحة البرية
والبحرية والجوية فيها أوسع علوم البشر وأعمالها، ويتعذر إقامة حكومة إسلامية
صحيحة تلتزم أحكام فقه لا تكون مراعاة المصالح المرسلة من قواعده. ولا يكون
إمامها (الخليفة) وأهل الشوى لديه أو بعضهم من العلماء المجتهدين في أحكام
الشرع.
٣- يجوز للعامي أن يطالع كتب السنة للاستفادة منها، فإن عوام العرب
يفهمون كثيرًا منها فهمًا صحيحًا، وإذا أراد أن يحفظ حديثًا ليرويه ويفيد الناس به
فعليه أن يعتمد على بعض أهل العلم في ضبط ألفاظه وفهم معناه، ودرجته في
الصحة وما يقابلها.