فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الأحكام الشرعية المتعلقة بالخلافة الإسلامية
(3)

21- مقاصد الناس في الخلافة وما يجب على حزب الإصلاح:
الأمور بمقاصدها، ومقاصد الناس في الخلافة مختلفة، وقلما يقصد أحد منهم
إقامة الخلافة الصحيحة الشرعية التي بيَّنا حقيقتها وأحكامها، ذلك بأن أكثرهم لا
يعقلها، ومن يعقلها من غير الأكثرين يظنون إقامتها متعذرة، وأنه لا مندوحة عن
الرضا بخلافة الضرورة، التي لا تراعى فيها جميع الشروط الشرعية، ولا جميع
ما يجب على الخليفة والجماعة، ثم هم يختلفون في حد هذه الضرورة لاتّساع مجال
الرأي والهوى فيه حتى لا يبقى بينهم وبين من لا يعرفون حقيقة هذا المنصب
ومنافعه كبير فرق، ولو عرفها السواد الأعظم لتمنوها، ولو وضع نظام لإقامتها
ودُعوا إليه لأجابوا، وبذلوا في سبيله ما استطاعوا.
باحثت كثيرًا من خواص المصريين المعممين وغير المعممين في هذه
المسألة فألفيتهم متفقين على أن القصد من تأييد الخلافة الجديدة التي ابتدعتها حكومة
أنقرة الجمهورية في الآستانة - خذلان الدولة البريطانية في دسائسها التي ترمي بها
إلى جعل هذا المنصب الإسلامي الرفيع آلة في يدها فيما كانت تسعى إليه من
اصطناع الملك حسين في مكة والسلطان وحيد الدين في الآستانة وما آل إليه سعيها
من الجمع بينهما بعد تهريبها الثاني إلى مالطة، ولم يقصد أحد من المصريين بتأييد
الخليفة الجديد بالتهنئة ولا المبايعة أن يكون له على بلادهم حق إمام المسلمين
الأعظم على الأمة من كون حكومتهم تابعة له وخاضعة لسلطانه فيما يرى فيه
المصلحة من نصب أمرائها وحكامها وعزلهم وجباية المال وأخذ الجند للجهاد، ولا
غير ذلك من وظائف الخلافة التي ذكرها علماء الإسلام؛ وهذا كما ترى غرض
سياسي فائدته سلبية والباعث عليه الشعور الإسلامي العام الذي ولَّده الضغط
الأجنبي ومحاولة هذه الدولة لاستعباد الشعوب الإسلامية التي بقي لها بقية من
الاستقلال، ولا سيما الترك والعرب، وهو لا يتوقف على وجود الخلافة الصحيحة
ولا الإمام الحق والجماعة، بل هو من قبيل المظاهرة السياسية للزعيم السياسي
سعد باشا زغلول بل دونها قوة، لأجل هذا لا يبالون ما كانت شروط هذه الخلافة
وأعمالها، ومَثَلهم في ذلك سائر مسلمي أفريقية وأمثالهم من المستَذَلين للأجانب،
على أن هؤلاء يتمنون لو يكونون تابعين للدولة التركية ويعلمون أن ذلك متعذر،
ولكن ساسة المصريين لا يتمنى أحد منهم ذلك.
ومسلمو الهند أشد عناية من سائر مسلمي الأرض بهذا الأمر، ونصرهم
للخلافة التركية إيجابي وسلبي لا سلبي فقط، ولا يرضون أن تكون خلافة روحانية
لا حكم لها ولا سلطان، فإذا تساهلوا في بعض شروطها التي يوجبها مذهبهم الذي
يتعصبون له أشد التعصب بشبهة الضرورة، فلا يتساهلون في أصل موضوعها
والمقصد الذي شرعت لأجله، وهو إقامة أحكام الشرع الإسلامي في العبادات
والمعاملات المدنية والسياسية وغيرها - فهم يُحَتِّمون أن يكون الخليفة - وإن متغلبًا -
رئيس الحكومة الإسلامية الأعلى، ثم لا يسألون بعد ذلك أقام أحكام الشرع أم لا،
بدليل ما كان من تعصبهم لعبد الحميد الذي جعل نفسه فوق الشرع والقانون -
فكان مستبدًّا في كل شيء - ثم لمحمد رشاد الذي لم يكن بيده من الأمر شيء وكذا
للاتحاديين الذين سلبوه كل شيء، ثم لوحيد الدين إلى أن فر مع الأجانب مغاضبًا
لقومه ولسائر المسلمين.
فإذا ظل هذا منتهى شوطهم، فلا حياة للخلافة الصحيحة بسعيهم، ولا حاجة
إلى تأليف حزب أو جمعية غير ما عندهم، ويمكن على هذا إرضاؤهم بالخلافة
الروحية بحيلة لفظية، كأن تشترط الحكومة الفعلية على من تسميه خليفة أن يفوض
إليها أمر الأحكام كلها أو ما يسمونه الآن في عرف القوانين بالسلطتين التشريعية
والتنفيذية. وان كان يعلم هو وسائر الناس أن التفويض الصحيح في الشيء إنما
يكون ممن يملكه ويكون مختارًا فيه، وأنه لا يسلبه حق مراقبة المفوض إليه
ومؤاخذته ولو بالعزل، إذا خالف نصوص الشرع أو خرج عن جادة العدل، بل
هذه المراقبة على الوزراء والأمراء والقواد والقضاة واجبة على إمام المسلمين وهو
مقيد فيها، وفيما يترتب عليها بنصوص الشرع وبمشاورة أهل الحل والعقد، لا
مستبد في الأمر.
إذا ظل المسلمون على هذه الحالة فلا إمامة ولا إمام، وقد أني لهم أن
يفقهوا أن جعل ما سموه أحكام الضرورة في خلافة التغلب أصلاً ثابتًا دائمًا هو
الذي هدم بناء الإمامة، وذهب بسلطة الأمة المُعَبَّر عنها بالجماعة، وترتب
عليه تفرق الكلمة، وضعف الدين والدولة، وظهور البدع على السنة. وقد انقلب
الوضع وعم الجهل، حتى صار الألوف من كبراء حكام المسلمين وقوادهم وزعمائهم
في دنياهم يظنون في هذا العصر أن منصب الخلافة وغيره من أحكام الإسلام هي
سبب ضعف المسلمين وأنه لا تقوم لهم بها قائمة، ولا يكونون مع التزامها أمة
عزيزة غنية! والأمر بالضد.
والعلاج الشافي من هذا الداء، والدواء المستأصل لهذا الوباء، هو إحياء
منصب الإمامة، بإعادة سلطة أهل الحل والعقد المعبر عنهم بالجماعة لإقامة
الحكومة الإسلامية الصحيحة، التي هي خير حكومة يصلح بها أمر المسلمين بل
أمر سائر البشر، بجمعها بين العدل والمساواة وحفظ المصالح ومنع المفاسد والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وكفالة القاصرين والعاجزين، وكفاية الفقراء
والمساكين من صدقات المسلمين، ففيها علاج لجميع المفاسد الاجتماعية، في
حكومات المدنية المادية، التي ألجأت الجماعات الكثيرة إلى البلشفية والفوضوية.
فإذا أقيم بناء حكومة منظمة على هذه الأسس والقواعد لا تلبث بعد ظهور
أمرها أن تكون قدوة للأمم الحرة التي أمرها بيدها، ولا يستطيع أكابر مجرميها
أن يمكروا بعد ذلك فيها، ليصدوها عنها ويغووها. وحينئذ ينجز الله وعده لنا، كما
أنجزه لمن قبلنا، في قوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} (النور: 55) .
فالواجب على حزب الإصلاح الذي نقترحه أن يوجه كل قصده وهمه أولاً إلى
بيان شكل لحكومة الخلافة الإسلامية الأعلى بالنظام اللائق بهذا العصر الذي امتاز
بالنظام على سائر العصور، ثم يحاول إقناع أصحاب النفوذ في البلاد الإسلامية
المرجوة لتنفيذه بما فيه من المصالح والمنافع والسعادة، وبتفضيله على جميع أنواع
الحكومات في العالم كله، وبإمكان تنفيذه، ودفع كل ما للمتفرنجين واليائسين من
الشبهات على ذلك، وكل ذلك سهل كما جربنا بأنفسنا.
22 - علاقة الخلافة بالعرب والترك:
ثم ليعلم هذا الحزب أن الفوز في هذا يتوقف على التأليف والتوحيد بين
العرب والترك واتفاقهما عليه - ولو بالجملة - ومراعاة ما قوي في هذا العصر من
العصبية الجنسية مع اتقاء ضررها بقدر الاستطاعة، وكذا عصبية المذهب عند
طائفة الزيدية؛ لا لأن جمع الكلمة ووحدة الأمة من أهم ما يجب من أعمال الخليفة
فقط؛ بل لأن النجاح المطلوب في هذا الأمر يتوقف على تعاون الشعبين عليه.
ذلك أن إحياء منصب الخلافة الصحيحة يتوقف على إحياء الدين والشريعة،
وإنما يكون هذا بالعلم الاستقلالي في الدين المعبر عنه بالاجتهاد المطلق، وهو
يتوقف على إتقان اللغة العربية لأجل فهم الكتاب والسنة، فعلاقة هذا المنصب بلغة
العرب وبتاريخ العرب وببلاد العرب جلي ظاهر، فثم مهبط الوحي، ومظهر
الإسلام الحق، حيث قِبلته ومشاعر دينه، وموضع إقامة الركن الاجتماعي العام من
أركانه، ولا يمكن أن يماري في هذا من يماري في اشتراط النسب القرشي فيها
خلافًا لمذاهب السنة كلها أو العلوي الفاطمي خلافًا لمذاهب الشيعة وخاصة الزيدية.
العرب قوة عظيمة للخلافة، ولكنها غير منظمة ولا متحدة كقوة الترك،
والعمل بالشريعة في حكومات جزيرة العرب المستقلة وأهلها أتم وأكمل منه في بلاد
الترك، ولكن هذه الحكومات غير قادرة الآن على إظهار حضارة الإسلام، ولا على
نشر دعوته الصحيحة على الوجه الذي يحرك إلى النظر كما اشترط بعض علماء
الكلام. والترك أقدر منهم على الأول وأعظم عوناً على الثاني إذا قنعوا بإقامة الإمامة
الحق على صراطها المستقيم. فكل من هذين الشعبين يمكن أن يكمل ما ينقص الآخر
في ذلك مع استقلال كل منهما في إدارة بلاده وسياستها والسيادة فيها وارتباط كل
حكومة مستقلة فيهما - وكذا في غيرهما - بمقام الخلافة مباشرة بالرضا والاختيار،
خضوعًا لحكم الشرع من جهة وانتفاعًا بما يمكن من الوحدة الإسلامية في كل وقت بما
يناسبه من جهة أخرى.
لو اتفق رؤساء حكومة جزيرة العرب على جعل واحد منهم خليفة للمسلمين
وبايعوه مع علماء بلادهم وقضاتها وقوادها لما كان للترك أدنى وجه لمعارضتهم
بخليفة ينصبونه في الآستانة وإن أعطوه حقوق الإمامة الشرعية، وما هم بفاعلين.
بل لو اتفق أهل الحجاز وتهامة ونجد أو أكثرهم على مبايعة إمام اليمن المشهود
له بالعلم والعدالة والكفاية، وأعلن هذا أنه يجري على قواعد الاجتهاد في إمامته
ويقر أهل كل مذهب على مذهبهم - لما استطاع أحد من علماء المسلمين، لا العرب
ولا العجم، أن يطعن في خلافته أو يرجح عليها خلافة أخرى، إلا أن يتبع أحد هواه
فلا يكون لقوله قيمة، ولا سيما إذا قام هذا الإمام بالإصلاح الديني في الحجاز
وسائر بلاد العرب ونظم قوى الإمامة التنظيم الذي تقتضيه حالة العصر، وما هو
بعسير، وإذا فات هذه الإمامة اعتراف بعض الأقطار الإسلامية بها اليوم، فلا
يفوتها ذلك غداً بعد بث الدعوة، ولو في موسم الحج وحده، والدين عون لهم وظهير،
ولكن أكبر مصائب العرب التفرق وحب الرياسة.
ومكانة مصر تلي مكانة جزيرة العرب في هذا الأمر لو كانت مستقلة وأرادت
إقامة الخلافة الشرعية الصحيحة ولكن المتفرنجين فيها كالمتفرنجين في الترك يأبى
أكثرهم ذلك ويجهل قيمته، والدولة البريطانية عدوة الخلافة والعرب تعارض هذا
وذلك بكل قواها، وقد كان نصرها الترك على محمد علي خوفًا من تجدد شباب
الإسلام بدولة عربية، وهي تعتقد أن الترك لا يجددون حياة الخلافة الصحيحة أبدًا،
ولا ينشرون دعوة الإسلام، وكان هذا أحد أسباب تأييدها لهم ولخلافتهم في الجملة،
وكل ما قيل من أن الإنجليز كانوا يسعون لإقامة خلافة عربية في مصر أو الحجاز
قبل الحرب الكبرى فهو كذب محض، ولو فعلت ذلك مصر لاتبعها الحجاز حتمًا،
وكذا سورية إذا استطاعتا بل تتمنى هذه الأقطار اتباعها، ولو بدون إقامة الخلافة
فيها، ولعل أهل السنة وكثير من الشيعة في العراق لا يأبون هذه الوحدة العربية.
يظن بعض الناس أنه ينقص البلاد العربية شيء أهم من هذا الأمر السلبي،
وهو الضعف وفقد الشوكة التي يحمون بها الخلافة ومقام الخلافة، بله القدرة
على ما يقدر عليه الترك من الجهاد والفتح. وهذا الظن باطل، فإن اليمن وحدها قد
حفظت استقلالها ومنصب الإمامة فيها أكثر من ألف سنة، وإن الترك قاتلوا أئمة
اليمن زهاء أربعة قرون وما استطاعوا القضاء على إمامتهم ولا الاستيلاء على
جميع بلادهم، مع كثرة من ظاهر الترك من أهل البلاد بسبب اختلاف المذهب.
ولولا قوة اليمن لاستولى عليها الإنجليز من عهد بعيد كما صرح بذلك أحد ولاة عدن
منهم أمام زعيم عربي حضرمي، قال: لولا هذا الإمام الذي عنده نصف مليون مقاتل
لو قال لهم: ألقوا أنفسكم في النار، أطاعوه - لاستولينا على جميع جزيرة العرب
بغير قتال يذكر.
هذا وإن جزيرة العرب لا يخشى عليها من غير الإنجليز، وهؤلاء لا
يحاولون فتحها بالسيف والنار لموانع كثيرة- منها أنهم لا يقاتلون شعباً قويًّا حربيًّا
بالطبع في بلاد وعرة كثيرة الجبال والأودية خالية من سكك الحديد، وسائر أنواع
المواصلات، ومنها أن قتال أهل هذه البلاد كثير النفقات قليل الربح بل لا ربح فيه
إلا إذا تيسر أخذ البلاد وأُنفق على الإصلاح فيها ملايين كثيرة نقدًا لأجل الربح
نسيئة، وإنما يطمعون في الاستيلاء عليها باصطناع أمرائها وكبرائها بالدسائس
والدراهم، والتدخل فيها بحيل التجارة والامتيازات الاقتصادية بالتدريج، وقد بذلوا
في هذا السبيل أموالاً عظيمة، ولا يزالون يبذلون ولم يستفيدوا به شيئًا ثابتًا يوازيه
ولا قدروا أن يصطنعوا به أحدًا من أولئك الأمراء إلا ملك الحجاز وأولاده، ولن
يستطيع هؤلاء بعد اليوم أن يعملوا لهم شيئًا؛ لأن الأمة العربية قد عرفت كُنْهَ
جنايتهم عليها، فدوام استمساك الدولة البريطانية بهم لا يزيدها ويزيدهم إلا مقتًا عند
العرب وعند سائر المسلمين.
بل نقول: إنه ليس من أصول السياسة البريطانية الفتح بالقوة العسكرية مطلقًا،
ولم تكن الدولة العثمانية هي المانعة للإنجليز من فتح هذه البلاد قبل اليوم، فإن
الدولة لم تكن تستطيع إرسال جيش إليها إلا من طريق البحر، ومتى كان لها
أسطول يقارب أحد الأساطيل البريطانية فيتمكن من إرسال الجند والذخيرة إلى
اليمن وحماية سواحلها وسائر سواحل الدولة من الإنجليز إذا وقعت الحرب بينهما؟
ولماذا لم تَحْمِ مصر أو تُخرجهم منها؟
وأما كون أهل جزيرة العرب لا يستطيعون الجهاد بقصد الفتح كالترك وهو ما
فضَّل به الترك بعض الباحثين معنا في المسألة فيقال فيه: إن من فضل الله على
جزيرة العرب أنه ليس فيها شعوب أجنبية مختلفة في الجنس أو الدين يتحاكون
بالعرب فيغرونها بفتح بلادهم، وأن الترك لا يرون شيئًا أسلم لهم في بلادهم من
إخراج الشعوب المخالفة لهم في الجنس والدين ليستريحوا من هذا التحاك وغوائله،
ولن يقدموا على قتال أحد من جيرانهم لأجل فتح بلاده- وقد كانت حروبهم في
القرون الأخيرة كلها دفاعًا للمعتدين أو مقاومة للثائرين، ولم يكن شيء منها لأجل
سعة الملك ولا لأجل نشر الدين، وهم أحوج الناس إلى الاستراحة من القتال
والانصراف إلى عمران بلادهم وما يتوقف عليه من العلوم والفنون، والطامعون
في سعة الملك منهم إنما يطمعون في ضم الشعوب الإسلامية الشرقية إليهم التي
يمكنهم أن يجنسوها بجنسيتهم اللغوية كالكرد والجركس والتتار وسائر شعوب
الجنس الطوراني. وأما الدعوة إلى الإسلام من غير قتال فالعرب أقدر عليها من
الترك وهم دعاة بالطبع، وقد أسلم الملايين من سكان إفريقيا وجزائر المحيط
الجنوبي بدعوة تجار العرب والدراويش السائحين منهم، وحرية الاعتقاد في أكثر
حكومات هذا العصر تغني خليفة المسلمين عن القتال لحماية الدعوة وحرية الدين
كما كان عليه خلفاء العرب من الأولين.
إننا على علمنا بما ذُكر كله نود أن يتعاون الترك والعرب على إحياء منصب
الخلافة، وسنذكر ما يمتاز به الترك على العرب في هذا المقام؛ ليُعلم أن كلاًّ من
الشعبين عاجز بانفراده قوي بأخيه على النهوض بأعباء هذا الإصلاح العظيم،
الجدير بأن يغير نظام العالم وينقذ الشرق والغرب من الهلاك. وما نقترحه من
وسائل التعاون والاتفاق خاصة بما سيتقرر من الخلافة الصحيحة الدائمة مع
السكوت عن التعدد المعروف في الحال الحاضرة في الشعبين، وذلك بأن يكون
الذين يُعلَّمون ويُرَبَّون ليُرَشَّحُوا للانتخاب الشرعي بالشورى من بيوتات شرفاء
قريش وسادتها، وأن تكفل الدولة التركية هذا الاستعداد وتشرف على جميع شئونه
حتى لا يكون للتنافس فيه بين الشعبين أدنى مجال، بل حتى يكون إحياء هذا المنصب
من أكبر أسباب الاتحاد والتعاون بينهما، وإذا شاء الترك حينئذ أن يكون مقام الخليفة
في بلادهم، فعلى حزب الإصلاح أن يقنع العرب بذلك، وإن كنا نرى أن الأجدر
بالقبول الآن أن يكون في منطقة وسطى بين بلاد الشعبين، على ما سنفصله بعد.
والقسمة في مسألة مقام الخليفة ثلاثية، وهي إما أن يكون في بلاد العرب،
أو الحجاز خاصة، وإما في بلاد الترك أو الآستانة خاصة، وإما في منطقة وسطى
مشتركة.
23- جعل مركز الخلافة في الحجاز وموانعه:
قد علمنا مما تقدم أن بلاد العرب بل جزيرتهم بل الحجاز منها هو أولى بلاد
الإسلام بأن يكون موطن الخلافة الإسلامية، ويزداد هذا ظهورًا ببيان الإصلاح
الديني الذي يجب على الخليفة في هذا العصر، ولكن في الحجاز موانع تحول اليوم
دون إمكان وجود الخلافة الصحيحة التي يرجوها المسلمون فيه حتى في حاله
الحاضرة التي لا يرضى أهل قطر إسلامي آخر معها أن يكون تابعًا له، فكيف إذا
أريد أن يسوس بلاد العرب كلها أو يدير شئون غيرها من البلاد الإسلامية - فكيف
إذا أريد أن يكون المثل الأعلى لأفضل حكومة لا يُرجى إصلاح حال البشر بدونها؟
وإننا نذكر المهم منها - والحال هذه - وهو:
(1) أن الملك المتغلب على الحجاز لهذا العهد يعتمد في تأييد ملكه على
دولة غير إسلامية مستعبده لكثير من شعوب المسلمين وطامعة في استعباد غيرهم
ولاسيما العرب، وقد أوثق نفسه معها بعقود بل قيود اعترف لها فيها بأن الأمة
العربية منها بمنزلة القاصر من الوصي، وأن لها حق تربيتها وحمايتها من الداخل
والخارج حتى حق دخول بلاده بالقوة العسكرية لكبح الثورات الداخلية، ومن شاء
فليراجع نص هذه الوثائق في المجلد الثالث والعشرين من المنار (ص 612-
624) .
(2) أن هذا الملك قد لقب نفسه بملك العرب، وهو يسعى لأن يُعترف له
بأنه هو الزعيم الأكبر للأمة العربية والممثل لجميع حكوماتها المستقلة لتكون كلها
موبقة وموثقة ومرهقة بتلك العهود السالبة لاستقلالها على أن كل حكومة من
الحكومات العربية المجاورة له أقوى وأصلح من حكومته من كل وجه وغير مقيدة
نفسها بعهود سالبة للاستقلال
(3) أنه قد رضي أن يجعل ولديه رئيسين في بعض البلاد العربية التي
استولت عليها الدولة الأجنبية المذكورة تابعين لوزارة الاستعمار في تلك الدولة
كالكثير من مستعمراتها التي لها رؤساء وطنيون، فكانوا بذلك أول من دان وأعان
دولة أجنبية غير مسلمة على استعمار بلاد العرب.
(4) أن حكومته استبدادية شخصية غير مقيدة بشيء فهو يفعل ما يشاء
ويحكم ما يريد، مثال ذلك ما نسمعه وما نراه في جريدتها المسماة بالقبلة من أخبار
المصادرات المالية والغرامات الرسمية، وغير ذلك مما لا نعرف له أصلاً في
الشرع الإسلامي. وأما القوانين الوضعية فهو يحرمها ويكفر العاملين بها! !
(5) أن هذه الحكومة خصم لكل عِلم يُعين على الإصلاح الديني والدنيوي
فهي على كراهيتها للعلوم والفنون العصرية حتى تقويم البلدان تمنع كثيرًا من الكتب
الشرعية ككتب شيخي الإسلام المصلحين الكبيرين ابن تيمية وابن القيم وغيرهما
من الحجاز.
(6) ما ثبت بالدلائل المختلفة من حرص أهل هذا البيت على الخلافة
والإمارة والملك، ولو في ظل الإمارة الأجنبية غير الإسلامية، وقد سبق في
المسألة العاشرة من هذه المباحث أن طالب الولاية لا يُولَّى.
(7) أن أهل هذا البيت فاقدون لأهم شروط الخلافة ولا سيما العلم الشرعي
بدليل ما نقرأه في منشورات الملك الرسمية وبلاغات حكومته من الأغلاط اللغوية
والآيات القرآنية المحرفة والأحاديث الموضوعة على الرسول صلى الله عليه وسلم
والتفاسير المخالفة للغة ولإجماع المفسرين وغير المفسرين، مع الإصرار على ذلك
وعدم تصحيحه الدال على أنه لا يوجد عالم في الحجاز كله يتجرأ على تصحيح آية
أو حديث أو حكم شرعي ينشر في جريدتهم التي هي عنوان الجهل. ونسكت عما
نعلمه باختبارنا ورواية الصادقين المختبرين أيضًا.
(8) أن معظم العالم الإسلامي يمقت حكومة الحجاز الحاضرة، وإننا نرى
الطعن فيها في صحف مصر وتونس والجزائر وجاوه والترك والهند وغيرها
على أن أكثر أصحاب هذه الصحف والكاتبين فيها لا يعلمون كل ما نعلم من سوء
حالها.
(9) أن الذين يسعون لإحياء منصب الخلافة في الإسلام يرمون به إلى
ثلاثة أغراض:
(أحدها) إقامة حكومة الشورى الإسلامية كما شرعها الله لتكون حجة على
البشر أجمعين كما تقدم.
(ثانيها) إعادة مدنية الإسلام بالعلوم والفنون والصناعات التي عليها مدار
القوة والعمران، تلك المدنية الجامعة بين نعم الدنيا المادية، وبين الفضائل الدينية
الروحية، التي تحل عقد جميع المشكلات الاجتماعية.
(ثالثها) الإصلاح الديني بإزالة الخرافات والبدع وإحياء السنن وجمع الكلمة
وشد أواخيّ الأُخوة الإسلامية وسائر الفضائل الإنسانية، وليس في حكومة الحجاز
استعداد لهذه المقاصد العالية، ولا يرجى أن يرضى البيت الحاكم بالوسائل العلمية
والعملية التي يتوقف عليها هذا الإصلاح العظيم.
(10) أن الحجاز فاقد لما تتوقف عليه إقامة الخلافة من الشوكة والثروة
فهو لا قوام له بنفسه، فكيف يقوم بأعباء هذا المنصب العظيم؟ ولا يرضى أحد من
مسلمي العرب المجاورين له أن يتبعوا حكومته الاستبدادية الضعيفة، فكيف يرضى
بذلك غيرهم؟ .
24- إقامة الخلافة في بلاد الترك وموانعها ومرجحاتها:
لجعل الخلافة الصحيحة في بلاد الترك موانع ترجع إلى أمرين كليين:
(أحدهما) وهو أهمهما ما يُخشى من امتناع أكثر الزعماء العسكريين
والسياسيين منه لما فيه من توحيد السلطة العامة في شخص الخليفة، وما تتوقف
عليه الخلافة من إحياء اللغة العربية في بلاد الترك، وفروع ذلك وأسبابه معروفه.
(وثانيهما) معارضة الأمة العربية ولا سيما في الجزيرة وما يتبعها، ولكن
المعارضة لا تكون مؤثرة وثابتة إلا إذا جُعلت الخلافة صورية كما كانت. أو
روحية كما هي الآن. ولعلهم لولا إرادة جعلها مصلحة دعاية (بوربغندة) للدولة
التركية لما اختاروا لها الآستانة، مدينة الفخفخة الباطلة والعظمة الزائلة التي
صارت طرفًا في البلاد الإسلامية ومهددة بحرًا وبَرًّا. فإذا كانت لا تصلح أن تكون
عاصمة للدولة التركية فلن تصلح للخلافة الإسلامية بالأولى.
وأما إذا قبل أولو الأمر من الترك أن يحيوا منصب الخلافة الحق فالرجاء في
تحقيق أغراضها ومقاصدها الثلاثة يكون أتم وأسرع وتقوم بها الحجة على العرب
إلا إذا اجتمعت كلمة أمراء الجزيرة على مبايعة واحد منهم؛ وذلك غير منتظر لما
تقدم بسطه فيكون الرجحان لمن يؤيده الترك بالأسباب الآتية:
(1) أن الترك الآن في موقف وسط بين جمود التقاليد وطموح التفرنج:
جمود عرب الجزيرة الذي جعل الدين مانعًا من العلوم والفنون التي ترقى بها
حضارة الأمة وثروتها، وعزة الدولة وقوتها. وطموح التفرنج الذي يراد به انتزاع
مقومات الأمة الإسلامية الدينية والتاريخية ومشخصاتها، واستبدال مقومات أمة
أخرى ومشخصاتها بها. وحضارة الإسلام وحكومة الخلافة هي وسط بين الجمود
وبين حضارة الإفرنج المادية التي تفتك بها ميكروبات الفساد وأوبئة الهلاك، فهي
عرضة للزوال، فكيف حال من يقلدها تقليدًا تأباه طبيعة أمته وعقائدها.
(2) أن ما ظهر من عزم الحكومة التركية الجديدة وحزمها وشجاعتها وعلو
همتها وإقدامها - يضمن بفضل الله تعالى نجاحها في إقامة هذا الإصلاح الإسلامي بل
الإنساني الأعظم بإقامة حكومة الخلافة الجامعة بين القوة المادية والفضائل الإنسانية
المغنية للبشر عن خطر البلشفية والفوضوية؛ لأنها كافلة لكل ما تطلبه الاشتراكية
المعتدلة من الإنصاف والانتصاف من أثرة أرباب رءوس الأموال. وهي بهذه
الصفات أقدر على اتقاء كيد أعداء الإسلام الذين يقاومون الخلافة جهد طاقتهم.
(3) أن الدولة التركية الجديدة هي الدولة الإسلامية التي برعت في فنون
الحرب الحديثة، ويرجى إذا نجحت فيما تعنى به من الأخذ بوسائل الثروة
والعمران أن تمكنها مواردها من الاستغناء عن جلب الأسلحة وغيرها من أدوات
الحرب بصنعها في بلادها فتزداد قوة على حفظ حكومتها وبلادها، وتكون قدوة
لجيرانها وأستاذًا لهم.
(4) أن جعل مقام الخليفة في بلاد الترك أو كفالتهم له يقوي هداية الدين
في هذا الشعب الإسلامي الكبير ويحول دون نجاح ملاحدة المتفرنجين وغلاة
العصبية الجنسية في إبانته من جسم الجامعة الإسلامية. فيظل سياجًا للإسلام
وعضوًا رئيسيًّا في جامعته الفضلى.
(5) لئن كان جهل العرب والترك في الزمن الماضي بمعنى الخلافة
ووظائفها - ولا سيما جمعها لكلمة المسلمين - سببًا من أسباب تقاطعهما وتدابرهما
التي انتهت بسقوط السلطنة العثمانية وباستيلاء الأجانب على قسم كبير من بلاد
العرب والتمهيد للاستيلاء على الباقي فإن ما نسعى إليه الآن سيكون إن شاء الله
تعالى أقوى الأسباب لجمع الكلمة والتعاون على إحياء علوم الإسلام ومدنيته مع
استقلال كل فريق بإدارة بلاده مستمدًّا السلطة من الخليفة الإمام المجتهد في علوم
الشرع الإسلامي المنتخَب بالشورى من أهل الحل والعقد من العرب والترك
وغيرهما من الشعوب الإسلامية بمقتضى النظام الذي يوضع لذلك.
25- إقامة الخلافة في منطقة وسطى:
إنني ضعيف الأمل في كل من العرب والترك، لا أرى أحدًا منهما قد ارتقى
إلى هذه الدرجة بنفسه، ولا أرى آية بينة على استعدادهما لما اقترحت من تعاونهما
عليه. ولست ممن يدع لليأس مسربًا يسرب فيه إلى قلبه. لهذا أقترح على حزب
الإصلاح أن يسعى لإقناع الترك أولاً بجعل الخلافة في مركز الدولة، فإن لم
يستجيبوا فليساعدوا على جعلها في منطقة وسطى من البلاد التي يكثر فيها العرب
والترك والكرد، كالموصل المتنازَع عليها بين العراق والأناضول وسورية، ويضم
إليها مثلها من البلاد المتنازع فيها بين سورية والأناضول وتجعل شقة حياد ورابطة
وصل معنوي في مظهر فصل جغرافي، فتكون الموصل اسمًا وافق المسمى.
ألا فليجربوا إن كانوا مرتابين في عاقبة هذا الأمر العظيم وليفوضوا إلى حزب
الإصلاح وضع النظام لإقامة الإمامة العظمى في هذه المنطقة وتنفيذ أحكامها
ومناهجها الإصلاحية الإسلامية فيها، ثم لا يتبعها أحد من البلاد التي حولها إلا بطوعه
واختياره، فإذا رضيت الدولة التركية بذلك على أن تكون كافلة له وذائدة عنه فالمرجو
أن يرضى العرب والكرد به في هذه المنطقة وما يجاورها، على أن يتفق الجميع من
حولهم على احترامها فلا تَعتدِي ولا يُعتدَى عليها. وإلا وجب السعي لرد الأمر إلى
معدنه، وإقراره في مقره، بعد إزالة الموانع وتهيئة الوسائل. فإن بدأ ناقصًا ضعيفًا،
فسيكمل ويكون قويًّا، وقد (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ) و (يأرز بين
المسجدين كما تأرز الحية في جحرها) (ولا تزال طائفة من هذه الأمة قائمة بأمر الله
لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون) كما ثبت في
الأحاديث الصحيحة.
26- نموذج من النظم الواجب وضعها للخلافة
أول ما يجب على الحزب الذي يولي وجهه شطر هذا الإصلاح العظيم أن
يضع نظامًا أساسيًّا لحكومة الخلافة على أتم الوجوه التي تقتضيها حال العصر في
حراسة الدين وسياسة الدولة أو الدول الإسلامية وإصلاح الأمة، وبرنامجًا لتنفيذ
هذا النظام بالتدريج السريع الذي يدخل في الطاقة، وكتابًا في الأصول الشرعية
للقوانين الإسلامية، تقوم به الحجة على كل من يزعم عدم صلاحية الشريعة
للحضارة والعمران في هذا العصر.
وبعد وضع النظام التام لإقامة الإمامة على أساسها، وقيامها بوظائفها وأعمالها،
يوضع نظام مؤقت لإمامة الضرورة، ويشرع في تنفيذ النظامين معاً.
مثال تفصيلي من هذا الإجمال: تنشأ مدرسة عالية لتخريج المرشحين للإمامة
العظمى وللاجتهاد في الشرع الذين ينتخب منهم رجال ديوان الخلافة الخاص، وأهل
القضاء والإفتاء وواضعو القوانين العامة ونظم الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه،
وإزالة البدع والخرافات اللاصقة بأهله. ومما يُدَرَّس في هذه المدرسة أصول
القوانين الدولية وعلم الملل والنحل، وخلاصة تاريخ الأمم، وسنن الاجتماع،
ونظم الهيئات الدينية كالفاتيكان والبطاركة والأساقفة وجمعياتهم الدينية وأعمالها-
فمتى يُخَرَّجُ من هذه المدرسة في الزمن المعين أفراد مستجمعون لشرائط الخلافة،
ومن أهمها العلم الاستقلالي الاجتهادي والعدالة - تزول ضرورة جعل الخليفة جاهلاً
أو فاسقًا.
فإذا انتُخب أحد المتخرجين في هذه المدرسة انتخابا حرًّا من قِبَل أهل
الاختيار، الذين يُتَحرى فيهم أن يكونوا من جميع الأقطار الإسلامية ولا سيما
المستقلة منها بموجب رضا أهل الحل والعقد، ثم بايعه من سائر أهل الحل والعقد
من يحصل بهم الثقة التامة للأمة كافة - قامت الحجة على كل فرد وجماعة أو شعب
بأنه هو الإمام الحق النائب عن الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين
وسياسة الدنيا، وأن طاعته فرض شرعي في كل ما هو غير معصية قطعية ثابتة
بنص الكتاب أو السنة الصحيحة من المصالح العامة، ولا تجوز مخالفته في شيء
من ذلك باجتهاد يعارض اجتهاده ولا تقليد مجتهد آخر، فإن اجتهاده في المصالح
العامة مرجح على اجتهاد غيره متى كان من أهل الاجتهاد كما هو الواجب. وإنما
يتبع كل امرئ اجتهاد نفسه أو فتوى قلبه وراحة وجدانه فيما يختلف فيه اجتهاد
العلماء من الأمور الشخصية الخاصة به ككون هذا المال حلالاً أو حرامًا.
ويجوز لكل مسلم مراجعة الخليفة فيما يخالف فيه النص، ولأهل الحل والعقد
مراجعته في رأيه واجتهاده المرجو للمصلحة العامة. ومَثَل ما يُرجِّح اجتهادَه فيما
ذُكر كَمَثَل حُكم الحاكم، فإنه يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية، ولكن من علم أنه
قضي له بغير حقه لا يحل له ديانة أن يأخذه؛ لأن علمه بالواقع أرجح من ظن
القاضي الذي هو اجتهاده في الحكم أو في تطبيقه على قضية الدعوى كما ورد في
الحديث الصحيح، على أن الحنفية يقولون بنفوذ حكم الحاكم في الظاهر والباطن
فيحل عندهم ديانة أن تأكل ما حكم لك به القاضي الشرعي؛ وإن كنت تعلم أن
المال ليس لك.
بعد هذا أذكر الحزب بأهم البرامج والنظم التي يتوقف عليها العمل وهي:
(1) برنامج المدرسة العليا التي يخرج فيها الخلفاء والمجتهدون.
(2) برنامج انتخاب الخليفة.
(3) برنامج ديوان الخلافة الإداري والمالي، ومجالسه:
(أ) مجلس الشورى العامة.
(ب) مجلس الإفتاء والتصنيفات الدينية والشرعية والنظر في المؤلفات.
(ج) مجلس التقليد والتفويض لرؤساء الحكومات والقضاة والمفتين.
(د) مجلس المراقبة العامة على الحكومة.
(هـ) مجلس الدعوة إلى الإسلام والدعاة.
(و) مجلس خطابة المساجد والوعظ والإرشاد والحسبة.
(ز) مجلس الزكاة الشرعية ومصارفها.
(ح) مجلس إمارة الحج وخدمة الحرمين الشريفين.
(ط) مجلس قلم الرسائل.
27- نهضة المسلمين وتوقفها على الاجتهاد في الشرع:
لا أرى من المصلحة أن أنشر كل ما عندي من العلم والرأي التفصيلي في
وسائل تجديد الإمامة الإسلامية العظمى ومقاصده ومنافعه؛ لأنني أخشى أن يستفيد
منه أعداء الإسلام ما يكونون أقدر به على قطع الطريق علينا من حيث لا ننتفع
نحن به كما يجب. فإن استعدادنا لهذا الإصلاح لا يزال ضعيفاً جدًّا: رئم المسلمون
للضيم، ورزئوا بالضعف، ورضوا بالخسف، ولم يبق لشعب منهم همة في خير
ولا شر، حتى كان هذا التطور الجديد في بعض شعوبهم في هذا العصر، وقد كان
جل سببه شدة ضغط الأجانب عليهم، لا رجوعهم إلى هداية دينهم، ولا العلم بأنهم
فقدوا بتركها ما كانوا قد أصابوه بهديها، وأنهم لو أقاموا شرعه وامتثلوا أمر الله في
قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} (الأنفال: 60) لما سبقهم أحد إلى صنع
المدافع والقذائف وسائر أنواع السلاح. ولا إلى بناء الجواري المنشآت في البحر
كالأعلام، والعلوم والفنون التي تتوقف عليها هذه الأعمال، ولما فاقهم أحد في فنون
الحضارة، وزينة الدنيا وطيبات المعيشة، وهم يقرءون في محكم كتابهم المنزل:
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيَامَةِ} (الأعراف: 32) ولو جاءت هذه النهضة
بهداية الإسلام - وهو أهل لما هو أرقى منها - لكانوا في المَدَنِيَّةِ أسرع سيرًا، وأبعد
شوطًا، ولما احتاج إحياء منصب الخلافة إلى سعي ودأب، ولا لتأليف حزب، على
أن الشعور الإسلامي من أقوى الوسائل المعنوية للنهضة، وإن كان بعض العاملين فيها
ليس لهم حظ منه؛ بل هم حرب له، بيد أن أكثرهم يعلم أنهم لا بد لهم من مراعاته
ومداراة أهله؛ لأنهم سواد الأمة الأعظم إلى أن يربوا جيلاً جديدًا يغرسون في أنفس
نشئه الشعور الجنسي المحض؛ ويكون هو صاحب الرأي العام في الشعب.
هذا ما نعلمه بالخبر من أمر النهضة في مصر والترك، بل قيل لنا: إن
نهضة الأفغان الجديدة تغلب عليها صبغة المدنية لا الصبغة الدينية، وهم أشد
الشعوب الإسلامية الناهضة تدينًا، وأضعفهم تفرنجًا، وقد يصح أن يقال: إنهم
ليسوا من التفرنج في شيء، فإننا نعني به الافتتان بتقليد الإفرنج في مظاهر حياتهم
وعاداتهم وشكل حكوماتهم، لا العلوم والفنون والصناعات والنظم التي راجت
سوقها في هذا العصر عندهم، بعد أن كنا نحن أحق بها وأهلها، في قرون طويلة
كانوا فيها محرومين منها. وخير ما بلغنا عن الأفغان في نهضتهم هذه أنهم يعنون
باقتباس الفنون الزراعية والصناعية من أوروبا دون الفنون الأدبية والعلوم القانونية،
فإن لهم في آداب الإسلام وشريعته غنًى عن ذلك، ولا سيما إذا سلكوا فيها مسلك
العلم الاستقلالي المعبر عنه بالاجتهاد. فالترقي الإسلامي يتوقف عليه في تجديده
مثلما توقف عليه في مبدئه. كما أبدأنا وأعدنا مرارًا ولا بد من التكرار الكثير في
مثل هذا. ولو كان الأفغان متصلين بجزيرة العرب وجعلوا العربية لغتهم الرسمية
لكانوا أجدر الشعوب الإسلامية بالسبق إلى إحياء منصب الخلافة، على أن الرجاء
في تجديدهم مدنية الإسلام في الشرق عظيم، ولا غرو فموقظ الشرق وقائده في هذا
العصر قد خرج من بلادهم.
لا يمكن للمسلمين أن يجمعوا بين هداية الإسلام وحضارته من حيث هو دين
سيادة وسلطان إلا بالاجتهاد في شرعه الواسع المرن، فترك الاجتهاد هو الذي رد
بعضهم إلى البداوة التي قضى عليها أو إلى ما يقرب منها، وطوح ببعضهم إلى
التفرنج والإلحاد والسعي إلى التفصي من الدين.
مثال ذلك: أن الترك نصبوا خليفة متقنًا لصناعتي التصوير والموسيقى
وللعزف بالآلات الوترية، وكل من هذين العملين محرم ومسقط للعدالة في المذاهب
الأربعة، ومن أشدها فيه مذهب الحنفية الذي ينتمي إليه الشعب التركي، وقد ردت
المحكمة الشرعية بمصر شهادة أستاذ موسيقى (موسيقار) من عهد قريب. ولكن
لكل من المسألتين تخريجًا في الاجتهاد كما سنشير إليه في هذا البحث. وقد سئل
الغازي مصطفى كمال باشا في أثناء سياحته الأخيرة في الأناضول عن صنع
التماثيل ونصبها في البلاد أليس محرمًا شرعًا؟ - وقد روي أنهم سينصبون له
تمثالاً في أنقرة - فأفتى بأنه غير محرم اليوم كما كان محرمًا في أول الإسلام
وقرب العهد بالوثنية وجزم بأنه لا بد للأمة التركية من الاشتغال بنحت التماثيل؛
لأنه من فنون حضارة العصر الضرورية، واستشهد أو استدل على حله بما رأى
في مصر من التماثيل.
وقد أفتى لنفسه وللحكومة في مسألة اختلاط النساء بالرجال، ومشاركتهم لهم
في الأعمال، بل سن فيها سنة جديدة إذ عقد له في أزمير على فتاة متفرنجة
حضرت مجلس العقد بنفسها ووقفت تجاهه فيه وسألها القاضي عن رضاها به بعلاً
فأجابت، وسجل زواجهما وطفقت بعد تسافر معه بزي الفرسان، وتقابل معه من
يلقى من الرجال، وقد صرح في مسألة النساء وما سَيَكُنَّ عليه في الأمة التركية
الجديدة بما لا يرضاه كله رجال الدين والمتدينون، ولا يزال يسئل عن المشكلات
المتعلقة بشئون الأمة الدينية فيفتي برأيه فيخطئ ويصيب. ولا بد في أمثال هذه
المسائل من الموقف الوسط بين التقحم الجديد والجمود التليد، وإنما يكون بالاجتهاد
دون التقليد.
مصطفى كمال باشا ذكي فصيح، ولكنه غير أصولي ولا فقيه، وهو يفتي في
أمثال هذه المسائل الدينية، بما أوتي من الجرأة العسكرية، والإدلال بزعامته
السياسية. فيقبل منه العوام، ولا يتجرأ عليه الفقهاء. ولكن سير حكومته على هذه
السبيل - وهي شعبية إسلامية لا يمكن أن تدوم بتأثير سلطة شخصية، فلا بد لها
من إحدى ثلاث: إما اتباع فقهائهم الحنفية بالجري على الراجح في كتب الفتوى-
وهذا ما لا يرضاه أحد من طلاب المدنية العصرية الغلاة ولا المعتدلين- وإما أن
يرفضوا كون الحكومة إسلامية بحجة الفصل بين الدين والسلطنة، وهذا ما يتمناه
ملاحدة المتفرنجين، ولكن لا سبيل إليه فإن سواد الأمة الأعظم مسلمون وهم
أصحاب السلطة وسيكون لهم الرأي الغالب في الجمعية الوطنية، فلم يبق إلا الثالثة،
وهي سبيل العلم الاستقلالي الاجتهادي الذي نَوَّهْنَا به فهو الذي يثبت لهذه الحكومة
وللعالم كله أن الشريعة الإسلامية أوسع الشرائع وأكملها، وإن من أصولها حظر كل
ما ثبت ضرره، وإباحة ما ثبت نفعه، وإيجاب ما لا بد منه، وأن المحرم فيها
بالنص يباح للضرورة، والمحرم لسد ذريعة الفساد يباح للمصلحة الراجحة.
28- أمثلة لحاجة الترك إلى الاجتهاد في الشرع:
وهاهنا تأتي مسألة التصوير فهو قد حرم لعلة معروفة، وهي سد ذريعة
الوثنية، ومضاهاة خلق الله، فإذا احتيج إليه لمصلحة راجحة في العلم كتصوير
الأبدان المساعد على إتقان علوم الطب والجراحة، أو تحقيق المسميات اللغوية من
الطير والحيوان لمجرد ضبط اللغة، ولما يترتب عليها من المسائل الشرعية
كمعرفة ما يؤكل وما لا يؤكل عند من يحرمون أكل السباع المفترسة منها، أو
المسائل العلمية الكثيرة - لمصالح عسكرية أو إدارية كتصوير الجواسيس والجناة -
فكل ذلك يباح شرعًا حيث لا شبهة عبادة، ولا قصد إلى مضاهاة خلق الله، وقد
بيَّنَّا ذلك بالتفصيل في فتاوى المنار [1] ، وهو مما لمحه مصطفى كمال باشا لمحًا،
فأفتى بالجواز المطلق طردًا وعكسًا، وهو ما لا يتم مطلقًا، واستدلاله على جواز
نصب التماثيل لكبراء الرجال بعمل الحكومة المصرية يشبه استدلاله على صحة
سلب السلطة من الخليفة الآن بسلبها من الخلفاء العباسيين- ليس من الدين في شيء،
فإن الحكومة المصرية غير مقيدة بالشرع في جميع أعمالها، ولم يكن نصبها
لشيء من هذه التماثيل بفتوى من علماء الأزهر ولا غيرهم، ولو استفتتهم لما أفتوا،
لا لأن نصب التماثيل محرم في الإسلام فقط، بل لأن فيه إضاعة كثير من مال
الأمة في غير مصلحة أيضًا، وهم لا يقبلون شبهة من يدعون أن نصب التماثيل
للرجال العظام ينفخ في روح الأمة الرغبة في التشبه بهم، والقيام بمثل أعمالهم،
لأنهم يجزمون بأنه لم يخطر في بال مصري قط أن يكون كمحمد علي باشا أو
إبراهيم باشا أو سليمان باشا الفرنسي ذوي التماثيل المنصوبة بمصر والإسكندرية.
وبأن التماثيل قد تنصب لمن يكون قدوة سيئة أيضًا، وبأنها من تقليد الإفرنج في
أمر من أمور زينة مدنيتهم التي تقتضي نفقات عظيمة لا تقدم عليها إلا الأمم الغنية
ذات الثروة الواسعة، فلو كان مباحًا مطلقًا في شرعنا لكان الأولى بنا تركه لأمرين
يرجحان به:
(أحدهما) الاقتصاد في المال ونحن لا نزال شعوباً فقيرة.
(وثانيهما) تحامي التقليد لهم فيما هو من مشخصات حضارتهم التي فُتِنَّا بها
فكانت من أسباب استكبارنا لهم واحتقارنا لأنفسنا، وقد نهانا نبينا صلى الله عليه
وسلم عن التشبه بغيرنا لنكون مستقلين دونهم بل قدوة لهم. وهذه مسألة اجتماعية
مهمة فصلنا القول في مضارها مرارًا.
وقول مصطفى كمال باشا: إن الأمة لا بد لها من إتقان صناعة نحت التماثيل.
يجاب عنه بأن الأمة تاركة لصناعات كثيرة واجبة شرعًا، وهي كل ما تتوقف
عليه المعيشة والقيام بالواجبات الذاتية كالملابس والأسلحة والطيارات والبوارج
الحربية وغير ذلك. فلا يصح لتارك الضروريات والحاجيات القانع بأن يكون فيهما
عالة على الأجانب أن يهتم بأمر الزينة المحضة، ولو لم تكن ضارة في دين ولا
دنيا!
وأما مسألة الموسيقى فليس لمحرميها من النصوص الصحيحة مثل أحاديث
تحريم التصوير واتخاذ الصور والتماثيل، بل هي مسألة خلافية. وقد فصلنا في
المنار القول في أدلة الذين حظروا سماع الغناء والمعازف (آلات الطرب) من
جهة الرواية، ومن جهة الدراية والاستنباط، وحقَّقْنا أن الأصل في المسألة الإباحة،
وأن المحرم منه ما كان ذريعة إلى معصية أخرى كمن يغريه السماع بشرب
الخمر أو غيره من الفسق وأن الإسراف فيه مكروه [2] .
وأما مسألة النساء فأحكام الإسلام أعلى الأحكام وأعدلها وأفضلها فيها، وأكثر
ما يستنكره العقلاء الفضلاء من مسلمات المدن المحجبات فهو من العادات، فإذا
كان طلاب تغيير هذه العادات يحكمون الدليل في ترك ما هو ضار منها والأخذ بما
هو نافع من غيرها فسيرون الشرع الإسلامي أقوى نصير لهم فيه، وليس الفصل
بين الضار والنافع في هذا وأمثاله بالأمر السهل، بل هو يحتاج إلى تدقيق وبحث
لاختلاف الآراء فيه باختلاف الأهواء والتربية كما يُعلم من المثل الآتي: -
تصدى أحد أساتذة المدارس الأميرية في هذه البلاد لامرأة متزوجة يتصباها
وكان من تصبيه لها أن قال لها وهي مارة في الطريق ما معناه: إن جمالها قد حرم
عليه نوم الليل، فقاضاه زوجها إلى المحكمة الأهلية طالبًا عقابه على تصبي زوجته
ومحاولة إفسادها عليه- فحكم قاضي المحكمة الابتدائية ببراءة الأستاذ معللاً عمله
بأنه من حب الجمال الذي هو من الغرائز المحمودة والأذواق الصحيحة، فكيف يعد
ذنبًا يعاقب عليه القانون؟ ولكن قاضي الاستئناف عد عمله ذنبًا وحكم عليه بعقوبة.
إن تربية مسلمي مصر والترك- وأمثالهما- مذبذبة مضطربة في هذا العصر،
والتفاوت فيها كبير فمنهم غلاة التفرنج الذين يستحلون الفواحش ويميلون إلى
الإباحة وهم الأقلون، ومنهم الجامدون على جميع التقاليد العتيقة خيرها وشرها.
ولا سيما إذا كانت منسوبة إلى الدين - وإن خطأ، وبين هؤلاء وأولئك أهل القصد
والاعتدال من علماء الدين وعلماء الدنيا- فيجب أن يحال كل ما يراد من التغيير
في عادات الأمة على لجان من هؤلاء المعتدلين يبحثون في منافعه ومضاره من كل
وجه ويضعون النظام لما يقررون تغييره مراعين فيه سنن الاجتماع باتقاء ضرر
الاستعجال والطفرة، وما يحدثان من الفوضى في الأمة والتفاوت العظيم بين
أفرادها وجماعاتها، فإن الجيل الحاضر وليد الجيل الماضي ووارثه في غرائزه
وأفعاله وانفعالاته وعاداته، بل ينزع به العرق إلى الأجيال التي قبله، فإذا حُمل
على ترك شيء مما كان عليه من الأفعال والعادات فإنما يسهل عليه من ذلك ما
يوافق الهوى واللذة دون ما يوافق العقل والمصلحة، ثم إنه لا بد أن يلقى معارضة
من فريق كبير من الأمة بمقتضى سنن الغريزة، فإن كلاًّ من حب التجديد وحب
المحافظة على القديم غريزي في البشر فيظهر هذا في أناس وذاك في آخرين،
بتقدير العليم الحكيم، وإلا لكانوا على غرار واحد لا يتغير كالنمل والنحل، أو
لكانوا كل يوم في جديد لا يثبتون عليه ولا يكون لجيل منهم شبه بجيل آخر.
فمن يظن أنه يمكنه أن يميت أمة من الأمم بإبطال مقوماتها من العقائد
والغرائز والأخلاق ومشخصاتها من الآداب والعادات ثم يبعثها خلقًا جديدًا في جيل
واحد بتغيير في قوانينها وشكل حكومتها، وإقناعها بذلك بالخطب والشعر والجرائد
فهو مغرور، والحمل عليه بالقوة القاهرة لا يأتي إلا بحكومة شخصية قاهرة.
نعم إن التغيير ممكن وواقع، وطريقه معروف، وهو ما أرشدنا الله تعالى
إليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (الرعد: 11)
وتغيير ما بالأنفس إنما يكون منظمًا بتعميم التربية والتعليم، وقد حقَّق علماء
الاجتماع أن التأثير في تغيير حال الشعب لا يتم إلا في ثلاثة أجيال: جيل التقليد
والمحاكاه، وجيل الخضرمة، وجيل الاستقلال، وبتمامه يتم تكوين الملكة. ومثل
هذا في الشعوب كمثل التعليم الابتدائي والثانوي والعالي للأفراد. وقد يشذ بعض
الشعوب في بعض الملكات كما يشذ بعض الأفراد بذكاء نادر فيبلغ من إحكامها في
بدايته ما يعجز عن مثله البليد في نهايته. وقد حقَّق الفيلسوف الاجتماعي
(غوستاف لوبون) المشهور في كتابه (تطور الأمم) أن ملكة الفنون لم تستحكم
لأمة من أمم الأرض في أقل من الثلاثة الأجيال المقررة إلا للعرب فهم وحدهم
الذين تربت هذه الملكة فيهم فصار لهم مذهب خاص فيها منذ الجيل الأول من
مدنيتهم الإسلامية، فإذًا لا بد من جعل كل تغيير يُراد في الأمة إلى لجان من أهل
الإخصاء فيه تدرسه وتمحصه وتقرر فيه ما فيه مصلحتها وموافقة شريعتها.
وليس بيان هذا من مقصدنا هنا، ولكنه استطرادٌ غرضنا منه رد مسألة النساء
وأمثالها إلى أصل علمي معقول، فإن الفوضى فيها ضاربة أطنابها في بلادنا كالبلاد
التركية، فما يراه بعض الناس ضارًّا قطعًا يراه آخرون هو النافع الذي لا بد منه،
ومقلدة الإفرنج فيه كالجامدين على القديم ليسوا على هدى ولا بصيرة، فإن أعقل
حكماء الإفرنج وأكبر علمائهم غير راضين عن حال النساء عندهم، وقد حكي لنا
عن عاهل ألمانية عندما زار الآستانة في أيام الحرب أنه لما اطلع على تهتك النساء
التركيات وبروزهن للرجال متبرجات كنساء الإفرنج عذل طلعت باشا الصدر
الأعظم الاتحادي على ذلك قائلاً: إنه كان لكم من دينكم وازع للنساء عما نشكو
نحن من غوائله الأدبية والاقتصادية ونعجز عن تلافيه، فكيف تتفصون منه
باختياركم؟ إنكم إذًا لمخطئون.
ومما يحسن التذكير به من المسائل التي يتمسك جماهير متفقهة المسلمين فيها
بما ينافي ضروريات الحضارة الحاضرة والمصالح العامة: زعمهم أن السائل
المسمى بالكحول والسبيرتو نجس يحرم استعماله في كل ما يستعمله فيه الأطباء
والصيادلة وسائر الصناع الذين يعدونه ضروريًّا في صناعتهم، وقد أفتى جماعة
من فقهاء الهند بذلك منذ أشهر ورددنا عليه ردًّا طويلاً أثبتنا فيه أن هذا السائل
طاهر ومطهر طبي، وأنه من الضروريات التي يجب الانتفاع بها في كثير من
الأعمال، وأنه مما عمت البلوى به، ولكن الأصل في فتاوى أفراد العلماء أن يعمل
بها من يقتنع بصحة أدلتها إذا كانت الفتوى مُؤَيَّدَة بالدليل على طريقة السلف التي
نجري عليها في المنار، ومن يثق بعلم صاحبها أو بكونه على المذهب الذي ينتمي
إليه في المقلدين- فهي لا تحل المشكلات العامة بل تبقي الأمة مضطربة باختلاف
الفتاوى وأقوال العلماء، وإنما يحل المشكلات العامة ويجمع كلمة الأمة فيها الإمام
الأعظم (الخليفة) إذا كان مجتهدًا كما تقدم.
29- توقف الاجتهاد في الشرع على اللغة العربية:
قد ثبت بما تقدم أن الجمع بين حضارة العصر وفنونه وبين المحافظة على
الإسلام لا يتم إلا بالاجتهاد في الشرع فكذلك لا يكون الخليفة هو الإمام الحق الذي
تجب طاعته، ويمكنه نشر دعوة الدين والمحافظة عليه ومقاومة البدع وإزالة
الخلاف بين الأمة في المسائل الاجتماعية والمدنية العامة إلا إذا كان مجتهدًا -
والاجتهاد يتوقف على إتقان اللغة العربية وفهم أساليبها وخواص تراكيبها والملكة
الراسخة في فنونها؛ للتمكن من فهم نصوص الكتاب والسنة، وهما في الذروة
العليا من هذه اللغة، وقد عدَّ علماء الأصول من جميع المذاهب معرفة اللغة العربية
شرطًا مستقلاًّ للاجتهاد مع اشتراط العلم بالكتاب والسنة، بل صرح بعض أئمة
العلماء بأن معرفة هذه اللغة فرض على كل مسلم وإن مقلدًّا! ولولا أن جميع سلف
الأمة كان على هذا الاعتقاد لما انتشرت العربية في خير القرون في كل قطر انتشر
فيه الإسلام من غير مدارس منظمة تديرها الحكومات والجمعيات، وهل لذلك من
سبب غير الاعتقاد بالوجوب الديني، ومن الآيات على ذلك إجماع العلماء في كل
زمان ومكان على أداء جميع العبادات اللسانية بهذه اللغة كتلاوة القرآن في الصلاة
وغيرها وأذكار الصلاة والحج وغيرها حتى إنهم لا يزالون يؤدون بها الوعظ من
خطبة الجمعة لا الحمدلة والشهادتين والتلاوة والدعاء فقط، ولكن منهم من يترجمها
بعد الصلاة ومن المعلوم من الإسلام بالضرورة أننا متعبدون بتدبر القرآن والاعتبار
والاتعاظ بآياته وبفهم تلاوة الصلاة وأذكارها، وكل ذلك يتوقف على معرفة اللغة
العربية، وتقصير بعض المسلمين في هذا الواجب كتقصيرهم في الواجبات الكثيرة
التي أضاعت عليهم دينهم ودنياهم.
ليس من غرضنا هنا أن ندعو أعاجم المسلمين إلى تعلم اللغة العربية وإنما أن
نذكر حزب الإصلاح بما لا يجهله أكثر رجاله من العلاقة القوية بين منصب الخلافة
وبين اللغة العربية فإنه سيجد في اللغة معارضة شديدة، ولكن حجته قوية وهي
تعذر حياة الإسلام نفسه والاجتهاد في أحكامه بدونها- وتعذر تعارف المسلمين وجمع
كلمتهم بالقدر المستطاع بدونها، ففي كل قطر يسكنه المسلمون وكل مدينة منه لا
يزال الإسلام فيها حيًّا يوجد من أهل العلم بالعربية من يمكن التعارف معهم ونشر ما
يتقرر لخدمة الدين بسعيهم.
إن اللغة رابطة من روابط الجنس، وقد حرم الإسلام التعصب للجنس؛ لأنه
مُفَرِّق للأمة ذاهب بالاعتصام والوحدة واضع للعداوة موضع الألفة وقد نهى النبي
صلى الله عليه وسلم عن العصبية العمية الجاهلية، وتبرأ ممن يدعو إليها أو يقاتل
عليها، وقد كان من إصلاح الإسلام الديني والاجتماعي توحيد اللغة بجعل لغة هذا
الدين لغة لجميع الأجناس التي تهتدي به، فهو قد حفظ بها وهي قد حفظت به، فلولاه
لتغيرت كما تغير غيرها من اللغات، وكما كان يعروها التغيير من قبله، ولولاها
لتباعدت الأفهام في فهمه، ولصار أديانًا يُكَفِّر أهلها بعضهم بعضًا، ولا يجدون أصلاً
جامعًا يتحاكمون إليه إذا رجعوا إلى الحق وتركوا الهوى- فاللغة العربية ليست خاصة
بجيل العرب سلائل يعرب بن قحطان بل هي لغة المسلمين كافة، ولغة شعوب أخرى
من غير العرب، وطوائف من العرب غير المسلمين، وما خدم الإسلام أحد من غير
العرب إلا بقدر حظهم من لغته، ولم يكن أحد من العرب في النسب يفرق بين سيبويه
الفارسي النسب وأستاذه الخليل العربي في فضلهما واجتهادهما في خدمة اللغة، ولا
بين البخاري الفارسي وأستاذه أحمد بن حنبل العربي في خدمة السنة، بل لم يخطر
في بال أحد من سلف الأمة ولا خلفها قبل هذا العصر أن يأبى تفضيل كثير من
الأعاجم في النسب على بعض أقرانهم وأساتذتهم من العرب فيما امتازوا به من خدمة
هذا الدين ولغته، ولولا أن ظل علماء الدين في جميع الشعوب الإسلامية مجمعين على
التعبد بقراءة القرآن المعجز للبشر بأسلوبه العربي وأذكار الصلاة وغيرها بالعربية
ومدارسة التفسير والحديث بالعربية لضاع الإسلام منها.
ولو أن الدولة العثمانية أحيت اللغة العربية فيما فتحته من أوروبا لانتشر فيها
الإسلام ثم فيما جاورها انتشارًا عامًّا ولقامت فيها مدنية إسلامية كمدنية العرب في
الأندلس وكان رسوخها فيها عظيمًا، ولكنها لم تفعل ذلك ولم تجعل لغتها التركية لغة
علم وفنون بل اعتمدت في حكمها على قوة السيف وحده فكان من غوائل ذلك-
وهي كثيرة - أن جميع الشعوب التي خضعت لسيادتها وسلطانها ظلت محافظة
على لغاتها حتى المسلمين منهم. فلما تجددت في هذا العصر عصبية اللغة وجعل
الترك العثمانيون لغتهم لغة علم أرادوا أن يُكرهوا الشعوب الإسلامية في سلطنتهم
على ترك لغاتهم إلى لغة الدولة فامتنع الجميع عليهم، وهبّ أصحاب اللغات غير
العلمية المدونة كالألبانيين والكرد والجركس إلى تدوين لغاتهم وجعلها لغة علم
وفنون كما فعل الترك، وقد حاربت الدولة الألبانيين وهم أعظم حصونها في أوروبا
لأجل اللغة فاختاروا حربها والخروج من سلطنتها على ترك لغتهم، ولو رضيت
لنفسها لغة الإسلام ودعتهم إليها لما أبوا، وهذه المسألة هي التي فرقت بين الترك
والعرب ذلك التفريق الذي أشرنا إلى زواياه في هذا البحث مرارًا، وسعينا لتلافيه
قبل تفاقم خَطْبه فما أفادنا السعي فلاحًا، وكيف يعقل أن يرضى العرب استبدال
التركية بالعربية التي شرَّفها الله على جميع اللغات بكتابه المعجز للبشر وحجته
عليهم إلى يوم القيامة على ما لها من المزايا الأخرى- ونحن نرى التتار إخوة
الترك في العِرْق الطوراني لا يرضون بترك لغتهم واستبدال التركية بها وهي أرق
منها؟
فنحن الآن تجاه أمر واقع، ما له من دافع، وكل ما نطمع فيه أن نتقي
ضرره، ونوفق بين الجامعة الإسلامية والجامعة الجنسية اللغوية بما فصلناه من
تعاون العرب والترك على إقامة الخلافة الإسلامية الحق، فإذا وفق الله لإتمام هذا
فهو الذي تيم به الوحدة وما يترتب عليها من سعادة الدنيا والآخرة.
((يتبع بمقال تالٍ))