فصول الكتاب

الكاتب: شكيب أرسلان


انتداب العرب في سويسرة في القرون الوسطى
طرفة تاريخية من قلم الأمير شكيب أرسلان الشهير
(2)

أما المؤرخ (يود براند) الذي نقل عنه (فرديناند كار) الألماني فقد جاءت
رواياته مطابقة لروايات المسيو رينو، وقد وصف خوارق شجاعة تلك الشرذمة
العربية وما بلغوه من الفتح والاستيلاء والتبسط في البلاد وكيف كانوا يجوبونها
طولاً وعرضًا ويوقعون بكل من ناوأهم أو وقف في وجههم وينهبون الأديار
والكنائس وقصور الأمراء. ومن رأيه أن هؤلاء الغزاة من العرب لم يكن غرضهم
في تلك النواحي التوسع في الملك ولا استعباد الأهالي بل الاجتهاد في جمع الذهب
والنفائس ووضعها في حصن (فراكسينه) حتى إذا ضاق بهم الأمر أو أدبر بهم
طالع الحرب خلصوا بها إلى سفنهم التي كانت دائمًا راسية في مرفأ (سان تروبس)
وقصدوا أسبانية. ومن رأيه ورأي غيره أن الخليفة في أسبانية لم يكن عنده علم
بغزو هؤلاء الصعاليك ولا بما اعتزموه من الاستيلاء على جبال الألب والإيغال في
إيطالية وسويسرة وأنها غزاة قام بها هؤلاء الذؤبان من أنفسهم.
ثم إنه يوجد في دير (نوفالس) تحت جبل (سنيس) .
تاريخ جولة هؤلاء العرب في سنة 906 ويقال: إنه قبل هذه السنة انصبت
بلايا ورزايا على مقاطعات (بور غوند) و (سميلكة) وجبال الألب الإيطالية لأن
العرب المذكورين تسلقوا جبل (سنيس) وانفتحت أمامهم (سافواي) وسويسرة
وكان دير (نوفالس) من أغنى الأديار وأعظمها، فلما سمع الرهبان بقدوم العرب
جمعوا كل ما عندهم من الأموال والنفائس والكتب وحملوها إلى (تورينو) لتكون
في حرز حريز، فقبل أن ساروا بها وصل العرب واستولوا عليها واقتحموا الدير
ووضعوا النار في الكنيسة وأسروا بعض الرهابين. قال: وفي تلك الآونة كانت
جميع البلاد الممتدة من نهر (البو) PO إلى الرون RHONE (والبروفانس)
Pruvence و (البيامون) Piemont و (الدوفينه) Rdaufhine
(ومونتفرات) Montgerra و (ترانتازه) Tarntaisa مجالاً لغارات العرب
ومشهدًا الوقائع غزوهم واجتياحهم.
وكان الأشراف والأساقفة إذا أرادوا المرور من هناك إلى رومية مضطرين أن
يؤدوا فدية عن أنفسهم بأشياء ذات قيمة من ذخائر الأديار.
وزعم هذا المؤرخ أن العرب لم يقتصروا على نهب المال الصامت والصائت
بل تجاوزوه إلى سبي الأهالي رجالاً ونساء واسترقاقهم (كما كان الإفرنج أنفسهم
يفعلون مع العرب) وكان إذا قتل أحد الأهالي واحدًا من العرب أفحشوا الانتقام من
قوم القاتل وأضرموا النار في جميع البلد (على طريقة الدول المتمدنة...... اليوم
برمي القنابر من الطيارات على القرى وقتل أي من صادفت فيها من رجال ونساء
وأطفال عقابًا لمقاوم من أهالي تلك القرى أو عابر سبيل فيها، هذا لعمرك نظير
ذاك حذو القذة بالقذة إلا أن عمل أولئك الصعاليك من العرب وهو أصغر يسمونه
عيثًا وتخريبًا وعمل الدول المتمدنة هذه.... مع كونه أفظع وأكبر يسمونه
إصلاحًا وتمدينًا…) .
وكان السكان يهيمون زرافات ووحدانًا ويأوون إلى الكهوف والغابات
ويعتصمون بالجبال لأجل النجاة بأرواحهم من عادية العرب وطالما سعى أناس في
جمع كلمة الملوك والأمراء على قتال هؤلاء ففشلت مساعيهم بما كان من اختلاف
الكلمة. بل كنت ترى أحيانًا بعض الرؤساء يستظهرون بالعرب على أبناء جلدتهم.
أخبر فلود وارد Floduord في تاريخه أن العرب سنة 921 قتلوا قافلة من
الإنكليز كانوا حاجين إلى رومة بإلقاء الصخور عليهم من أعالي الجبال، وبعد
سنتين من ذلك التاريخ أهلكوا قافلة أخرى في جبال الألب، وفي سنة 929 اضطر
الحج إلى الرجوع أدراجه. قالوا: ولا يعلمون تمامًا في أي مضايق الألب وقعت
هذه الحوادث، هل في ممار الألب بين سويسرة وإيطالية أو في مماره بين فرنسة
وإيطالية؟ ولكن يرجح أن الإنكليز الذين كانوا يحجون رومة كانوا يختارون ممر
سان برنار , ثم لم يتفق المؤرخون على تعيين الزمن الذي وقعت فيه سان برنار في
قبضة العرب، وإنما محقق وجود هذا الحادث في القرن العاشر، ويرجح بعضهم
أنه في نحو سنة 940 تسلق العرب سان برنار من جهة وادي الرون حيث يوجد
هناك في كهف عظيم دير (أغونوم) Ogaunaum المؤسس على اسم القديس
موريسيوس. ففي ذلك العالم سطا العرب على ذلك الدير ونهبو ما فيه من الأمتعة
والذخائر وأحرقوه فجاء القديس ألريك أسقف أوغسبرغ عن طريق (بيورغوند)
لأخذ عظام الشهداء ونقلها إلى أوغسبرج فلم يجد شيئًا، وذكر (فلو داورد) أن جماعة
من حجاج الإنكليز والفرنسيين كانوا قاصدين رومة سنة 940 فصادفوا العرب
فرجعوا بعد أن فقدوا كثيرًا من رفاقهم. وأن راهبًا اسمه رودلف من رهبان سان
موريتز وجّه خطابًا إلى الملك لودفيك الرابع يذكره فيه بالأعمال العظيمة التي قام بها
سلاطين جرمانية في المحافظة على هذه الجهات ويستعديه على العرب ويستمده
لإماطة معرتهم وترميم ما خربوه من قبور القديسين.
وبعد أن غزا العرب نواحي بحيرة جنيف ظهروا في مضايق جبال الألب
الشرقية وملكوها ويقول (فلود وارد) أنهم غزوا ألمانيا وقطعوا الطرق على حجاج
الألمان واجتاحوا وادي الرين ونواحي شور وأن الوثائق التي تثبت وصول العرب
إلى وادي الرين تنبئ بأن الدوق الألماني هرمان المسمى كونت شورفالسن
Chuvallechen Grafuon التمس من عاهل ألمانيا يومئذ عام 940 أن يعوض
أسقف شور مما نهبه العرب من ديار أسقفيته فأهدى القيصر ذلك الأسقف كنيستين
هما كنيسة بلوندنز وكنيسة سان مارتين على شرط أنه بعد وفاة الأسقف يعود ريع
أوقاف الأولى على أساقفة شور وريع الثانية على دير الراهبات في رازيس.
وإن مما يحير العقول كيف اقتحمت عصابة قليلة من صعاليك العرب الأخطار
وصعدت تلك الجبال - جبال الألب - وعبرت شاطئ بحيرة لانغ وكومر إلى أن
ظهرت على حدود ألمانية؟ فقد ثبت أنهم مع قلة عددهم كانوا أوتوا جرأة خارقة
للعادة، وكان الخوف منهم قد تمكن من القلوب جميعها، ولقد تحقق كونهم جاسوا
خلال أودية منابع الرين وجهات الشور وكانت مغاور الجبال مكامن لهم وكانوا
يقعدون للمسافرين بالمراصد من المهاوي العميقة ويتخذون لأنفسهم أبراجًا يعتصمون
بها في الشدائد.
ثم ورد في تاريخ كلر خبر قيام هوغ صاحب بروفانس لحرب العرب
المذكورين وعزمه على فتح حصنهم في فراكسينة وذلك أنه بعد عقد الصلح مع
ألبريكوس خصمه الذي كان ينازعه على مملكة لومباردية استنجد ملك الروم
بالقسطنطينية ليبعث له بالأسطول فبعث به وأحرق مراكب العرب في خليج سان
تروييس بينما كان هوغ يهاجم حصونهم في جبل فراكسينة وكان مقصد (هوغ) أن
يمحو وجود تلك الديار ويخلص من شرهم ولكن فاجأه ما لم يكن في حسبانه وهو أن
بيرانجر Perengar المطالب بعرش لومباردية ثار على هوغ وجاذبه الحبل
فغضب هوغ وأصر على قهره وأخذه أسيرًا وقتله أو سمل عينه ففر (بيرانجر)
من لومباردية إلى (هرمان) أمير (شفابن) فأجاره وقدمه إلى (أوتو) قيصر
ألمانية فأكرم هذا مثواه ووعده خيرًا، فلما علم (هوغ) بذلك سقط في يده وأرسل
إلى القيصر بالألطاف والهدايا ليصرفه عن مساعدة (بيرانجر) ثم صالح العرب
وسرح الأسطول اليوناني وأطلق للعرب حريتهم وأمنهم بشرط أن يجعلوا سكناهم
في الجبال الفاصلة بين إيطاليا (وشفابن Chavvaben) وأن يحجزوا بين
عساكر (بيرانجر) وجبال الألب. وظاهر جلي أن العرب نالوا بهذه المعاهدة حق
احتلال جميع معابر الألب وشعابها وجلاء نفس (هوغ) عن بقعتهم أو منطقة
احتلالهم، ولكن هذا غير صريح. وقد اتخذ العرب هذه المعاهدة سلاحًا وانتفعوا بها
أعظم الانتفاع وقاموا بتنفيذها بتمامها حتى أن بيرانجر في عودته إلى إيطالية لم
يجرؤ أن يمر بجبال الألب بل جاء من طريق جبال التيرول فتعرض من جراء
جبنه هذه إلى هجاء الشاعر المؤرخ (يود براند) الذي كان في عصره.
ومنذ عقد العرب هذا الوفاق شعروا أنهم أصبحوا السادة المالكين لمعابر الألب
وضربوا رسومًا على القوافل المارة، فكل من لم يؤد لهم الرسم أوثقوه أسيرًا إلى أن
يدفع.
ثم امتد غزو العرب إلى نواحي (سار غاز Sargans) وتورغنبورغ
Toggenburg وأبنزل، وقد ذكر ذلك مؤرخ اسمه إيكيهارد في كتاب وجد في
دير القديس غالن، فقال:
إن طبيعة العرب وطور معيشتهم البرية كانا مما جعل التغلب عليهم في غاية
الصعوبة، ولقد تمادت جرأتهم إلى أيام فالتا Valta وبينما كان الأهالي يومئذٍ
محتفلين بعيد ديني رافعين الصلبان طائفين بها إذ أقبل العرب من جهة بارينيغ
Parenegg ورموا الجماهير بالمقاليع، ولكن الشهم الهمام فالتا لم يترك هذا
الجرم بدون جزاء بل جمع جموعه، ودهم قطاع الطرق بجيشه المكون من العبيد
والعملة وغيرهم وكلهم مسلحون بالحراب والمناجل والفؤوس وقد كبس على العرب
بياتًا وهم نائمون فقتل بعضًا وأسر بعضًا، وفر الباقون إلى الجبال لا يلوون على
شيء وسيق الأسرى إلى الدير فأبوا أن يأكلوا ويشربوا حتى ماتوا جوعًا (إذًا ليس
الإيرلانديون هم الذين اخترعوا هذا النوع من الانتحار) [1] ولم تعرف مدة إقامة
العرب بشرقي سويسرا إلا أنه ثبت كونهم وجدوا هناك في القرن العاشر، وفي سنة
954 التي انكسر فيها العرب في دير القديس (غالن) هذا انكسر لهم جيش آخر
في حرب (المجار) وذلك بفضل شجاعة الملك (كونرادفون بورغوند) فإنه استأصل
منهم طائفة عظيمة لكنهم بقوا قابضين على معابر الألب الغربية.
قال المؤرخ إيكيهارد من رهبان دير القديس غالن: إن العرب تمكنوا تمامًا
في داخل جنوبي أوروبا، وكان من جملة الخطط التي رسموها لأنفسهم أن يتزوجوا
من بنات أهل البلاد وأن يتوطنوا بها على شرط أن لا يؤدوا مالاً كثيرًا لملك القطر
الذي يكونون فيه، وأما الوادي الذي انتجعوه لتأسيس هذه المستعمرة العربية التي
قصدوا أن يتعاطوا فيها الفلاحة ويستقروا هادئين، فلا يُعلم هل هو وادي فاليس
Vallis أو وادي فال من سافوا أم غيرهما.
وسنة 954 كانت سنة نحس على سويسرا الشرقية؛ لأن (المجار) من جهة
الشمال، والعرب من الجنوب كانوا قد اكتسحوا البلاد.
وفي 22 يوليو 973 كان القديس (ماجلوس) من (كلوني) عائدًا من (بافيا)
إلى (بورغوند) ومعه قافلة عظيمة؛ لأن الناس الذين كانوا يريدون العبور ظنوا
أن التحاقهم به قد يحميهم من غارة العرب فوصلوا إلى قرية في جبل سان برنار
وإذا العرب انقضوا عليهم وأوثقوهم ولم ينج القديس نفسه من الوثاق بل صفدوه
بالحديد ثم أحضروا له طعامًا على عادة العرب لحمًا وخبزًا يابسًا فأبى أن يطعم شيئًا،
وقال لهم: إنني لم أتعود أكل هذا الخبز، فقام أحدهم وغسل يديه وعجن دقيقًا
وخبزه وقدمه للقديس بكل احترام، فرضي هذا من عمله وصلى وأكل.
ومما يروي أولئك المؤرخون أيضًا أن أحد العرب أراد أن يقطع غصن شجرة
ليتخذ منه محجنًا فلما أراد أن يتطاول إلى الشجرة كان تحتها إنجيل شريف من
أمتعة القافلة فأراد أن يدوس عليه فانتهره أصحابه وصاحوا به: ويل لك كيف تطأ
برجلك كتاب نبي مقدس؟ وذلك أن العرب يحترمون الأنبياء ويقولون: إن محمدًا
صلى الله عليه وسلم هو النبي الذي وعد بمجيئه المسيح صلى الله عليه وسلم.
هذا وقد أذن العرب للقديس ماجلوس أن يكتب إلى بلدته كلوني بطلب فدية
يفك بها نفسه ورفاقه، فلما ورد الصريخ قامت قيامتهم وأضجوا وأعولوا، وعلا
نحيبهم فجمعوا وعفَّشوا (جمعوا ومنه قول العامة العفش للأمتعة) من ذخائر الأديار
والكنائس كل ما قدروا وأرسلوا به لفداء القديس ورفاقه فبلغ مجموع الفدية ألف رطل
من الفضة أصاب كل واحد من العرب رطلاً. إلا أن هذه الحادثة هاجت عليهم البلدان
بأسرها وصمم الأكثرون على التخلص من معرتهم واشتهر في ذلك زعيم اسمه
(بربو) من أهل (سيسترون Sistron) فتألب الأهالي عليهم بزعامة هذا الرجل
وأجلوهم عن تلك الناحية إلى (دوفينه Daufhine) ومنها إلى بروفانس وهناك
غزاهم غليوم أحد أمراء بروفانس بجيش كبير إلى مقرهم الأصلي فراكسينه، وبعد
حصار شديد افتتح الحصن عنوة، وفر العرب منه لائذين بالحراج والجبال فمنهم من
وقع في اليد فقتل، ومنهم من تنصر لينجو برقبته وتقاسم جيش بروفانس أسلابهم،
وهكذا انتهت من هناك دولتهم وشالت نعامتهم، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
... ... (له تتمة في آثار العرب بسويسرا)
((يتبع بمقال تالٍ))