للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


خطاب مفتوح من روح الإسلام والجامعة العربية
إلى الشعب الإنجليزي والحكومة البريطانية

فعلتم ما فعلتم في الدولتين العثمانية والإيرانية، وكدتم ما كدتم للشعوب
العربية، فاتركوا لنا قبلة صلاتنا، ومشاعر حجنا، وأمهات مساجدنا، وقبر نبينا،
ولا تحسبوا أن الفرصة قد سنحت لكم للقضاء على ديننا، كما حسبتم حين أردتم
القضاء على دولنا، اغترارًا بقوتكم وضعفنا، واجتماعكم وتفرقنا، فرب قوة أحالها
الغرور ضعفًا، ورب ضعف أعطاه اليأس قوة وبأسًا.
أردتم استعباد الشعب الأفغاني بفرصة زوال المعارضة الروسية، فحررتموه
وأنتم كارهون، وأردتم استعمار بلاد الشعب الفارسي بفرصة الحرب العظمى
فغادرتموه وأنتم عاجزون، وأردتم إماتة الشعب التركي بفرصة انكسار دولته
فأحييتموه وأنتم مرغمون، وخدعتم أكثر رؤساء الشعب العربي بالأموال، والتغرير
بالوعود والآمال، فسترون سوء العاقبة والمآل، وأنتم الغارمون الراغمون، إلا أن
ترجعوا عن سياستكم فيهم، قبل أن يخرج الأمر من يدكم، وأنتم بذلك جديرون.
اغتر العرب بوعودكم، ووثقوا بعهودكم، ووالاكم بعضهم على أهل دينهم،
وساعدوكم على احتلال أخصب بلادهم، فكان جزاؤهم منكم شرًّا من جزاء من
قاتلوكم بسيوفهم ومدافعهم، ولم تقفوا عند حد في النكاية بهم واتخاذ الوسائل
للاستيلاء على جزيرتهم بعقد المعاهدات السياسية والامتيازات في بلادهم، وإلقاء
العداوة والشحناء بين الشافعية والزيدية في اليمن، وبين السنية والشيعة في
العراق ونجد، وبتجديد شعوب آشورية وكلدانية في العراق لعدم نجاح إلقاء
الشقاق بين العرب والأكراد، وبإيجاد شعب يهودي في فلسطين، يعادي أهلها في
أمري الدنيا والدين، وأنتم مع هذا تمنون على العرب بتحريرهم من الرق،
وإنقاذهم من الترك، وتطالبونهم بالحمد والشكر، لأنهم في نظركم قوم لا يعقلون
{كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} (التكاثر: ٣-٤) .
ولم أر ظلمًا مثل هضم ينالنا ... يساء إلينا ثم نؤمر بالشكر
لقد جئت أيتها الحكومة البريطانية في فلسطين بمثار شرور لم يأت بمثله
أحد من الظالمين، ألا وهو محاولة انتزاع شعب من وطنه أو وطن من أهله،
وإحلال شعب آخر في محله، وإيقاد نار العصبية الدينية بين اليهود والعرب وسائر
الأمة الإسلامية ومن يشايعها من الشعوب المسيحية، فإن غرض اليهود من تجديد
ملكهم في هذه البلاد لا يتم إلا بالاستيلاء على المسجد الأقصى لإعادة هيكل
سليمان، وإذا تمت لهم القوة لا يأمن المسلمون أن ينسفوه نسفًا، فيذروا أرضه قاعًا
صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، ثم يبنوا بأنقاضه هيكلهم، ويذبحوا لدى
صخرته قرابينهم، فإذا عجز أهل فلسطين عنهم بنصركم إياهم وحمايتكم لهم،
فماذا يفعل سائر العرب والعالم الإسلامي بقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ
لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى} (الإسراء: ١) ثم ماذا يفعلون بما
ورد في الأحاديث النبوية التي لا أذكرها لكم، لئلا تدَّعوا أنني أريد بها الإغراء
الذي تطرق سياستكم أبوابه، وتمهد له أسبابه، على أنها مشهورة في كتب السنة
التي يتداولها جميع علماء الملة.
أما يكفيكم رفع علمكم وعلم اليهود حيث ثالث الحرمين وأولى القبلتين،
حتى عمدتم إلى جعل الحرمين الشريفين تحت سيادتكم، ومهانين بالعدول عن
تأمين الله لهما إلى تأمينكم وحمايتكم.
أما ترحمون هذا الشيخ الكبير المستبد برأيه، المغرور بنفسه، المحتقر لقومه
وأهل ملته بالافتيات عليهم، بالتصرف بمهد دينهم وقبلة صلاتهم بدون إذنهم، الذي
ضحى نفسه في سبيلكم، غرورًا بوعودكم وعهودكم، فأصبح عدوًّا لأمراء الجزيرة،
ومضغة في أفواه مسلمي المعمورة، تنبذه أفواههم وأقلامهم بالألقاب، ويكيدون له
الذم والتثريب بغير حساب، بما والاكم ونصركم، وتعهده ببذل ما جعلتم له من
النفوذ الصوري على تأييد نفوذكم في الحرم الثالث (الأقصى) وفي العراق، حيث
مشاهد آل بيت الرسول عليه وعليهم السلام، وإقراركم على الوفاء لأحلافكم
الفرنسيس في استعمار سورية؟ وهل يكفيه من جزائكم على ذلك اعترافكم له
بتسميته لنفسه بملك العرب، وقد جعلتموه به عدوًّا لمسلمي العرب والعجم؟ وهل
العرب من رعاياكم، حتى تولوا عليهم من شئتم من صنائعكم؟
أيها الشعب الإنجليزي الحكيم! اعلم أن حكومتك الحاضرة، إنما تضع الألغام
لنسف ما شيدته لك حكوماتك الغابرة، اعلم أنها تصطنع ثلاثة رجال تعادي بهم
ثلاثمائة مليون، اعلم أن نصبها حسين بن علي ملكًا على الحجاز لا يعطيه من
السلطة الشرعية المطلقة ما يجعل له أدنى حق أو ذامتياز فيه، اعلم أن سيد العرب
والعجم، وخاتم رسل الله إلى جميع الأمم، لم يجعل لنفسه حقًّا بأن يحتجر مكانًا
صغيرًا في (منى) من أرض الحرم، يتخذ فيه مظلة تقيه حر الشمس، ولما سئل
ذلك قال: (منى مناخ من سبق) ومقتضاه أنه إذا جاء نفر من حجاج الصين
وسبقوا إلى النزول في المكان الذي ينصب فيه أمير مكة - أو ملك الحجاز- خيامه
فليس له أن يُخْرِجَهم منه، أفيملك أن يجعل لغير المسلمين حق حمايته أو أدنى
امتياز فيه؟ كلا إن كل ما تعقدونه معه في ذلك سيكون قصاصة ورق، لا يملك
تنفيذه أحد.
بل اعلم أيها الشعب الحكيم، وأعْلِم حكومتك بما لا يمكن أن تعلمه حق العلم
إلا منك؛ لأنها تحتقر جميع البشر من دونك. لا أقول: أعلمها بأنه لا يوجد مسلم
قوي الإسلام - ولا ضعيفه - يرضى بأن يكون لأي دولة أدنى سلطة أو نفوذ أو
امتياز في الحجاز، أو يجيز لمن نصبتموه ملكًا عليه أن يعقد معكم أي عهد أو اتفاق
على شيء من تلك البلاد، أو يسكت له على ذلك أو على فرض الضرائب على
الحجاج، أو على جعل حكومته دولة حربية تعادي من تشاء وتوالي من تشاء.
لا أقول لك أيها الشعب الحكيم: أعلمها بذلك، فإنها تعلمه، ولكنها لا تبالي
بعاقبته. بل أقول لك: اعلم وأعلم حكومتك بالحقيقة التي لعلها لم تعلمها، ولم
تسمع بها قبل هذا الخطاب.
أقول لك: اعلم وأعلم حكومتك أن العالم الإسلامي لا يرضى لمهد دينه
وموضع إقامة شعائره إلا أحد أمرين لا ثالث لهما (أولهما) أن تكون الحجاز في
كفالة خليفة المسلمين عندما تتجدد الخلافة الإسلامية على وجهها الشرعي ويبايع
الخليفة أهل الحل والعقد من أمراء المسلمين الحاكمين وزعماء بلادهم في جزيرة
العرب وغيرها من البلاد الإسلامية الحرة على السمع والطاعة بشروطها الشرعية،
ويكون له دولة قوية تستطيع حماية الحجاز وغيره بقوتها الذاتية، وهذا ما يجب
على المسلمين السعي إليه وقد شرعوا فيه، ولا يعلم غير الله متى يدركونه، وإنما
نعلم كما تعلم الحكومة البريطانية أنه لن يرضى شعب من الشعوب الإسلامية أن
يكون حسين بن علي بن عون خليفة للمسلمين، وإن لقَّبَه ابنه عبد الله أو جميع
أولاده وصنائعهم (بأمير المؤمنين) .
(الثاني) أن تكون الحجاز قطرًا سلميًّا على الحياد باعتراف جميع الدول
الإسلامية وغير الإسلامية: لا يعتدي ولا يُعْتَدَى عليه، ولا يُقَاتِل ولا يُقَاتَل، ولا
يكون لفرد من الأفراد ولا لشعب من الشعوب ولا لدولة من الدول امتياز فيه، وأن
تكون له حكومة إسلامية شورية لحفظ الأمن وإقامة العدل، وتسهيل سبل الحج،
وتعمير البلاد، وتنفيذ مضمون قوله تعالى: {سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} (الحج:
٢٥) . وأن يكون لهذه الحكومة مجلس شورى مُؤَلَّف من أشراف الحجاز وعلمائها
بالانتخاب، ومن أعضاء مختارين من علماء جميع الشعوب والأقطار التي تحج
بيت الله الحرام، وتزور حرم رسوله عليه وآله الصلاة والسلام - كاليمن
وعسير ونجد وسورية والعراق ومصر وسائر أقطار إفريقية والترك والفرس
والأفغان والهند وجاوه والصين - وأن يكون لهذه الحكومة حرس مؤلف من
الحجازيين ومن جند الحكومات الإسلامية المستقلة، التي لا سيطرة فعلية عليها
لدولة أجنبية، كحكومات جزيرة العرب والترك والفرس والأفغان ومصر (التي
سيتم استقلالها في هذا العام بمشيئة الله)
وهذا هو الممكن الآن الذي يجب على العالم الإسلامي أن يبادر إلى السعي
إليه، ووضع النظام له والسعي لتنفيذه، وهو فاعل إن شاء الله تعالى، وحينئذ تعلم
الدولة البريطانية إن لم تعلم اليوم أن سمسارًا اسمه (ناجي الأصيل) لا يستطيع أن
يضع معاهدة بين حسين بن علي موكله وبين وزارتي المستعمرات
والخارجية البريطانيتين في شأن الحجاز وبلاد العرب بحيث تنفذ على الأمة العربية
والشعوب الإسلامية كلها، وتذل رقاب ٣٠٠ مليون من المسلمين لها.
لقد أسرفت الحكومة البريطانية في احتقار العالم الإسلامي؛ إذ ظنت أن
خضوع هذا الرجل وأولاده لها يجعلها قيمة ووصية على البلاد الحجازية، وسيدة
للأمة العربية، وستعلم وتعلمون أن هذا الاحتقار، وما يُبْنَى عليه من الأعمال، لن
يفيدها إلا إسراف العالم الإسلامي كله في عداوتها، ويضل سعيها في حمل ناجي
الأصيل على بوارجها الحربية وغير الحربية، في سبيل استخدامها إياه بين لندن
ومكة.
سيعقد مؤتمر إسلامي حر يقرر أمر الحجاز وحكومته وحرسه على القاعدة
التي أشرنا إليها؛ إذ لا سبيل إلى إنقاذه وحريته بدونها، وسيبلغ قراره لحكومة
الحجاز الحاضرة ولجميع الدول ولا سيما ذوات الرعايا من المسلمين، ولا يسع
الدولة البريطانية حينئذ إلا أحد أمرين: إما نصر صنيعتها حسين بن علي عون،
الذي تعهدت بحماية الحجاز له لتكون لها السيادة على الحرمين الشريفين، إن لم
يكن بإبرام المعاهدة الجديدة، فبما يسميه هو مقررات النهضة المعروفة [١]- وإما
النزول على إرادة العالم الإسلامي وانتظار حكمه، تفاديًا من إظهار عداوتها له
ولدينه. أفليس الخير لها أن تنفض يدها من هذه المعاهدة وأمثالها اختيارًا، قبل أن
تضطر إلى إقرار إحدى الخطتين اضطرارًا؟
ثم اعلم أيها الشعب الإنجليزي الحكيم أن كل ما تنفقه حكومتك الحاضرة من
أموالك لأجل السيطرة على بلاد العرب واحتكار خيراتها ستضيع كما ضاعت
الأموال التي بذلتها في سبيل الحجاز، فإياكم أن تتبعوها فتبذلوا أموالكم في تأليف
الشركات، لما عقدته أو تعقده لكم في جزيرة العرب من الامتيازات، فإنكم لن
تنالوا من هذه الامتيازات - والحالة هذه - إلا الخسار.
أيها الشعب الإنجليزي العاقل! إن حكومتك تعلم أن صاحب هذا الخطاب
صدوق لا يكذب، وصريح لا يخدع ولا يختل، فإنه بيَّنَ لرجالها خطأهم في
المسألتين العربية والإسلامية قولاً وكتابة، وظهر لها صدق أقواله، وصواب آرائه،
ولكن لم تعمل بها، لمخالفتها لأهوائها ومطامعها، فإذا رأت تأثير هذا الخطاب في
شعبها، فستقول له: إنه خطاب عدو لها، وما هو بعدو لأحد، ولكنه صديق لأمته
وملته، ويرى أن من الممكن أن يكون الشعب الإنجليزي (ودولته من ورائه)
صديقًا لهما أيضًا، ويرغب كغيره من عقلاء الأمة في ذلك، ويعلم أن رجال هذه
الدولة يعرفون الوسيلة المثلى لتحقيق هذه الصداقة ولا يبتغونها، وإن كانوا يدعونها؛
لأنهم ألِفوا سياسة قديمة لا يتركونها، ولكن الشعب الإنجليزي إذا عرفها فلا يعز
عليه أن يوجدها؛ لأن من عادته أن يساير طبيعة الاجتماع لا أن يعاندها، وسأبينها
له في خطاب آخر كما بينتها لحكومته من قبل في مذكرات آخرها (مذكرة في بيان
رغائب العرب والمسلمين السياسية) أرسلتها إلى الوزير لويد جورج في يونيو سنة
١٩١٩ وحملها إليه رجل من كبار الإنجليز. وسأذكر خلاصتها لكم، فإما أن نجد
فيكم من يقدر أن يجمع بين مصلحتنا ومصلحتكم، وإما نيأس منكم كما يئسنا من
حكومتكم، واليأس إحدى الراحتين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
... ... ... ... ... ... ... ... صاحب المنار الإسلامي
... ... ... ... ... ... ... ... محمد رشيد رضا