فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


ماضي الأزهر وحاضره ومستقبله

(لقد ألقيت في الأزهر بزرة جديدة
إما أن تكون مبدأ حياة جديدة له وإما أن يموت)
(الأستاذ الإمام)
نعني بالأزهر ما شمل معاهد العلوم الدينية ووسائلها من الفنون العربية في
الإسكندرية وطنطا ودسوق ودمياط وأسيوط وكلها مرتبطة بالجامع الأزهر
وتابعة له في إدارته ونظام التعليم فيه.
كانت مصر بالأزهر بلاد علم وحضارة وثروة وحكومة عزيزة قوية , فكان
الأزهر ركن العلم من حضارتها، وكان بالأزهر قوام حكومتها ومن رجال الأزهر
جل حكامها , إلا السلاطين والموك ورؤساء الجند , فكانوا يُكَوِّنُونَ من غيرهم ومن
غير الشعب المصري أيضًا، ولكن علماء الأزهر وكبراء المصريين قلما كانوا
يشعرون بهذه الغيرية، والأحكام تصدر بشريعتهم، والدواوين والمحاكم بلغتهم،
وأولئك السلاطين والقواد من أهل دينهم، وإنما كان يهمهم من أمر الأمراء
والسلاطين عدلهم وفضلهم، لا أصلهم وفصلهم، ولو كان ثَم أسباب تشعرهم بهذه
الغيرية شعورًا مؤلمًا لطباعهم , لأمكنهم إزالة ملكهم، كما أمكن الشيخ عز الدين بن
عبد السلام بيع أمراء الدولة المصرية من المماليك الأتراك , فإنه ما زال يصرح
ببطلان تصرفاتهم من بيع وشراء ونكاح؛ لأنهم أرقاء مملوكون لبيت المال (حتى
تعطلت مصالحهم , فأرسلوا إليه يسألونه عن حل لهذا الإشكال , فقال: نعقد لكم
مجلسًا , وينادي عليكم لبيت مال المسلمين ويحصل عتقكم بطريق شرعي , وبعث
إليه السلطان بأن يرجع عن هذا القول فلم يرجع، فأنكر عليه السلطان دخوله في
هذا الأمر بأنه لا يعنيه , وذكر كلمة فيها غلظة حملت الشيخ على الشروع في
الهجرة من القاهرة إلى الشام فركب مع أهل بيته حميرًا , وخرجوا فتبعهم وجهاء
المسلمين من جميع الطبقات فبلغ الخبر السلطان , وقيل له: متى راح الشيخ ذهب
ملكك , فلحقه بنفسه على بعد فرسخ من القاهرة واسترضاه , فرجع على أن ينفذ ما
قرره، فأراد نائب السلطنة وكان من أولئك المماليك أن يحوله عن رأيه بالملاطفة ,
فلم يفد ثم بالتهديد فلم يفد، فاضطروا إلى الامتثال , فاجتمعوا ونادى عليهم واحدًا
واحدًا , وغالى في ثمنهم حتى باعهم وأعتقهم مبتاعوهم من الأغنياء، وصرف
الشيخ ثمنهم في وجوه البر العامة , كما بينه التاج السبكي في ترجمته من طبقات
الشافعية.
ولهذه المكانة التي كانت للشيخ عز الدين قدس الله روحه قال الملك الظاهر
لبعض خواصه لما رأى جنازته تحت القلعة وما يتبعها من كثرة الناس: اليوم استقر
أمري في الملك , لأن هذا الشيخ لو كان يقول للناس: اخرجوا عليه؛
لانتزع الملك مني.
كان الناس كلهم يتبعون العلماء، وكان في استطاعة العلماء أن يسيروا
الأمراء والسلاطين في طريق الشرع المستقيم، ويمنعوهم من الاستبداد والظلم،
ولكنهم لم يفكروا في هذا الأمر فيعدوا له عدته، ويمهدوا له طريقه، بل لم يكونوا
يشعرون باستطاعتهم، ولا يُقَدِّرون كُنْه سُلطتِهم، وما كان يظهر من آياتها يعدونه
من الأحداث الشاذة، التي لا ترجع إلى سنة عامة، ولعلهم كانوا يعدون ما فعله
الشيخ عز الدين بأمراء الترك من كراماته، والكرمات من خوارق العادات فلا
يقاس عليها، ولا يبحث عن سبب لها.
كذلك لم يكونوا يفكرون في سنة الله في قوة الاجتماع، ولا في أن منه حمل
علماء الأزهر الدولة العثمانية على تولية محمد علي الكبير على هذه البلاد، فلهذا لم
يضعوا نظامًا لجمع كلمتهم؛ وجمع كلمة الأمة على زعامتهم، ولما جاء السيد جمال
الدين هذه البلاد وشرع في إيقاظ الأمة , وتعريفها بما لها من الحق في إدارة أمرها
وسياسة حكومتها , كان كبار علماء الأزهر أبعد الناس عنه وأشدهم تحذيرًا منه ,
وإنما انتفع به بعض الشبان منهم.
الإسلام دين ودولة، وقد أسس المسلمون دولاً عزيزة في قارات العالم القديم
الثلاث - آسية وإفريقية وأوربة - كانت أرقى دول الأرض عدلاً وعلمًا وحضارة ,
ولم يكن لها قانون في سياستها وحروبها , ولا في إدارتها وقضائها إلا الشريعة
العادلة الغراء , ومن أحكامها أن يكون أمراؤها وقضائها علماء فقهاء عدولاً، وبذلك
كان لها من السؤدد والملك ما كان، ثم دبَّ إليها الفسادُ ساعتها بتوسيد الأمور فيها
إلى غير أهلها وفاقًا للحديث (إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة) رواه
البخاري من حديث أبي هريرة , فغلب الجهل فيها على العلم، وانقلب الوضع ,
وانعكست القضية , فصار من القواعد الأساسية أن علماء الشرع أبعد الناس عن
السياسة كما قال الحكيم العربي ابن خلدون في الزمن الذي لم يكن فيه للسياسة
مستمد علمي إلا الشرع، وما سبب ذلك إلا تقصير علماء الشرع , فيما يجب عليهم
مما بيناه من قبل ولا محل لإعادته هنا.
صار أمر المسلمين بتقصير العلماء إلى الجاهلين بالشرع قبل أن يوجد في
بلادهم علم غير الشرع , فكان الملك فيهم ينال بعصبية القوة لا باختيار أهل الحل
والعقد الذين يمثلون سلطة الأمة، حتى إن الإمامة العظمى وهي النيابة عن الرسول
صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين وسياسة الدنيا جعلوها لقوة العصبية التي تبرأ
صلى الله عليه وسلم منها ومن أهلها، فلا عجب إذا اجتهد ملوك القوة وأمراء
العصبية , باستمالة محبي الدنيا من العلماء؛ لتقوية نفوذهم عند العامة , وإضعاف
نفوذ كل عالم لا يميله المال ولا يطويه الجاه، وصار من علامة العالم العامل
المخلص البعد عن الحكام كما قيل:
قل للأمير مقالة ... لا تركنن إلى فقيه
إن الفقيه إذا أتى ... أبوابكم لا خير فيه
كانت حكوماتنا الإسلامية هكذا تتدلى بل تتردى في مهاوي الجهل والفساد،
بعد أن أخذ الإفرنج عنها وعنا مبادئ العلم وأصول العدل والإصلاح، وحسبك ما
رأوه من السلطانين العادلين المجاهدين نور الدين وصلاح الدين في الحروب
الصليبية , ثم ما زالوا في تَرَقٍّ وما زلنا في تَدَلٍّ إلى من أُدِيلَ لهم منا , وفتحوا من
بلادنا بالعلم والعقل أضعاف ما عجزوا عن فتحه بالسيف , فإنهم فتحوا بالعلم أدمغة
الألوف الكثيرة منا وقلوبهم , وتصرفوا في مراكز الإدراك منها ومشاعر الأنفس
منهم , فأودعوا فيها من المعلومات والوجدانات ما يُعَظِّمُ شَأْنَها ويُعْلِي قدرهم في
تاريخهم وآدابهم وعاداتهم وتشريعهم , من حيث يحط من شأن أمتنا وملتنا في
تاريخها وآدابها وتشريعها , فوطن هؤلاء أنفسهم على تقليدهم وقبول سيادتهم
ورياستهم , وكانوا منافذ بل أبوابًا واسعة لدخول الأجانب بلادهم والسيطرة على
حكوماتهم؛ من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون , فأفسدوا عليهم أمرهم ,
ونزعوا منهم استقلالهم , وخربوا عليهم بيوتهم بأيديهم , وليس من موضوع هذا
المقال تفصيل ذلك , وبيان الشواهد عليه في مشرق العالم الإسلامي ومغربه ,
ويغنينا عنه ما نشرناه أخيرًا , وما سننشره من مقالات السيد جمال الدين فيه , وإنما
نضرب مثلاً لذلك كلمة واحدة في مسألة السودان المصري التي هي أهم ما تتنازع
فيه مصر مع الإنكليز اليوم وهي أن إسماعيل باشا هو الذي مكّن الإنكليز من
الاستيلاء على السودان لا بطرس باشا غالي الذي أمضى لهم عقد الشركة مع مصر
فيه , وأن الذي فتحه للإنكليز غوردون (باشا) لا اللورد كتشنر (باشا) , وأما
الذي مكن الإنكليز من احتلال مصر فمعروف لقرب عهده.
أدخلنا الإفرنج بلادنا؛ ليصلحوها لنا فأفسدوا علينا أمرها بما أصلحوا لأنفسهم
من وسائل استغلالها وسلب استقلالها، فكان مثلهم ومثلنا كما قال الشاعر في القيان
تبارين يصلحن أعوادهن ... فأصلحهن وأفسدنني
أضاعوا علينا تشريعنا، وشوهوا لنا تاريخنا، وأفسدوا منا آدابنا، وسلبوا منا
ثروتنا، حتى انتزعوا منا سلطتنا، وكان من أكبر همهم في ذلك إبعاد رجال
الشريعة الإسلامية عن مناصب الحكومة، وحرمانهم من تولي شؤون الأمة،
وإيئاسهم من منصات الزعامة , وربوا لنا من نابتتنا من جعلوهم آلات لجميع ما
يريدونه منا، ومن قواعدهم فيه أن الدين والسياسة ضدان لا يجتمعان، ومن فروع
هذا الأصل أنه يجوز لكل فريق من الأمة أن يعنى بسياسة بلاده ويسعى لاستقلالها
ويبحث في شؤون حكومتها؛ إلا رجال الدين، معلمين كانوا أو متعلمين، فلا يسمح
لهم بقول في ذلك ولا فعل، ولا بتأليف جمعية أو حزب، وجرى العمل على هذا
وانقاد له الأزهريون خانعين صاغرين , حتى إذا ما هب شبانهم من رقادهم وأبوا
ليشاركوا الأمة في نهضتها بعد الحرب تأسيًّا بطلاب المدارس المدنية , وعقدوا لذلك
المحافل في الأزهر كَبُرَ الخَطْبُ على الإنكليز وعلى رجال الحكومة المصرية معًا ,
فحجروا على الأزهر وأهله، واشترعوا لعقابهم أحكامًا خاصة بهم، وأقفلوا أبواب
الأزهر في وجوه مريدي الاجتماع فيه؛ للبحث في شؤون الأمة والخطابة في
مصالحها , ووضعوا عليه الشُّرَط , ووافقهم الشيوخ الرسميون على ذلك , سكت
عنه غير المقيدين بالرسميات منهم , وربما هونه على بعض زهادهم في الدنيا ولو
عن عجز وضعف بعض الآثار , مثل حديث ابن عمر عند البيهقي (المؤمنون
هيّنون ليّنون كالجمل الأنف إن قيد انقاد , وإن أنيخ على صخرة استناخ) فإن
لأمثال هذه الروايات الباطلة تأثيرًا كبيرًا في قتل هذه الأمة، وهذا الحديث على
ضعف إسناده من مراسيل مكحول الدمشقي , وهو على علمه وزهده مُدَلِّسٌ، وإذا
حُمِلَ على ما أشرنا إليه كان معارض المتن بالقطعيات كعزة المؤمنين.
جرى العمل على هذا المنكر حتى صار هو المعروف , حتى عند جمهور
الأمة , ولذلك رأينا كثيرين يستنكرون بحث المنار في شؤون السياسة , ويقولون:
إنها مجلة دينية فمالها وللسياسة؟ وقد كلم بعض وجهاء الإسكندرية الأستاذ الإمام في
هذا محتجين به على انتقادنا الحكومة الحميدية , وكلفوه - رحمه الله - أن ينهانا
عن ذلك , فقال لهم: ماذا أقول له والإسلام لم يفصل بين الدين والسياسة؟ وآل
أمر رجال الدين بمصر وغيرها من البلاد إلى ترك شؤون الأمة حتى الإرشاد
الديني، وصاروا عَالَمًا آخر أقرب إلى الخيال منه إلى عالم الوجود , كما قلنا في
بعض مقالات المنار التي كتبناها في أول العهد بمعرفة حال هذه البلاد.
حاول السيد جمال الدين الأفغاني - أكرم الله مثواه - إخراج الأزهريين من
عزلتهم , وحملهم على العمل؛ لإصلاح حال الأمة والحكومة فلم يلق من جمهورهم
إلا الإعراض والنفور كما قلنا آنفًا، ثم كان من أمر من تلقوا عنه من مجاوري
الأزهر أن ترك أكثرهم الزي الأزهري أو الديني , وبرعوا كلهم في الأمور العامة
من حكومية وغيرها، وثبت آخرون أعظمهم وأشهرهم الأستاذ الإمام الشيخ محمد
عبده والأستاذ القاضي الشيخ عبد الكريم سلمان، وممن عرفنا من الخاملين منهم
الشيخ داغر من القضاة الشرعيين , وكان شيخنا يبره ويحبه رحمهم الله أجمعين.
ثم تصدى لإصلاح الأزهر وإخراجه من عزلته إلى خدمة الأمة شيخنا الأستاذ
الإمام , وكان أعلم الناس بحال أهله وبما يحتاجون إليه , وبما ينبغي لهم وبما يُؤَثِّرُ
فيهم، وأحرص الناس على إعلاء شأنهم وحفظ كرامتهم , وتوفير رزقهم واتقاء
عبث الأمراء والحكام بهم مع تسخير هؤلاء لإصلاح شأنهم , فأما محمد توفيق باشا
فكان بعد عودة الشيخ من منفاه والبلاد رازحة تحت نير الاحتلال لا يزال على ما
كان من الحذر منه , منذ تنكر له ولأستاذه السيد جمال بعد أن كان من حزبهما، فلم
يسمح بأن يتولى شيئًا من التعليم في مدرسة دار العلوم لئلا يحدث في البلاد انقلابًا
جديدًا كما قال- وما كان يكون ذلك الانقلاب إلا خيرًا له ولبلاده- فلما قضى نحبه
وتولى الأمر ولي عهده عباس باشا وجاء من أوروبة يتدفق حماسة ويلتهب غيرة،
حامت حوله الآمال، وطاف بكعبة إمارته الرجال، فأرشده الأستاذ الإمام إلى أرجى
الأعمال، التي لا ينازعه فيها الاحتلال. قال له: إن لدى أفندينا ثلاث مصالح لا
يمكن أن يمد إليها الإنكليز أيديهم الآن [1] وهي الأوقاف والأزهر والمحاكم الشرعية ,
فإذا هو عني بإصلاحها فإنه يصلح بها البلاد كلها، فأمر الأمير يومئذ بتأليف
لجنة لوضع نظام أو نظم لما ينبغي لهذه المصالح , فكانت تجتمع وتعمل سرًّا،
وراب أمرها أصحاب المقطم فصاروا يعرضون بها جهرًا. ثم كان من أمر إصلاح
الأزهر ما شرحه الأستاذ الشيخ عبد الكريم سلمان في كتاب خاص سماه (أعمال
مجلس إدارة الأزهر) , وطبعناه بعد أن قرأه الأستاذ الإمام في أثناء مرض موته
وأذن بطبعه، وهو كتاب يشبه الرسمي , ولو صدر بقرار من مجلس إدارة الأزهر
لكان رسميًّا بالمعنى الاصطلاحي) .
وإن من وراء الرسميات في كل عمل من المصالح العامة أمورًا أهم من
الرسميات، ولا يسعنا أن نذكر من ذلك هنا إلا أن أكثر كبار الشيوخ حتى أعضاء
مجلس إدارة الأزهر كانوا كارهين للإصلاح والنظام , فلم يكن منهم ظهير مخلص
لواضع أصوله والناهض بأعبائه إلا صديقه وتربه الشيخ عبد الكريم سلمان , وإنما
كانت قوته التي يجاهدهم بها الحق المؤيد بالبرهان وتعضيد الأمير , فلما تنكر
الأمير له قويت معارضة الشيوخ حتى إن شيخ الجامع الأزهر كان يهمل تنفيذ
قرارات مجلس الإدارة الرسمية، وكان ذلك على أشده في مشيخة الشيخ سليم
البشري.
وأما الشيخ حسونة النواوي فكان مواتيًا معتدلاً , ولكن غضب الأمير الشديد
كان بعد مشيخته، ثم كان السيد علي الببلاوي مواليًا له فبلغ سخط الأمير منتهى
حده في عهد مشيخته، وكان له حظ كبير منه. فقد ألجئ إلى الاستقالة هو
والأستاذ الإمام وغيرهما من أعضاء إدارة الأزهر في وقت واحد , عقب اتفاق
الأمير مع الحكومة , على أن كل ما يهمهم من أمر الأزهر شيئان أحدهما: أن
يكون أهله في أمان , والثاني: تخريج القضاة الشرعيين؛ وإذ كان غير مستعد
لتخريج القضاة عزمت الحكومة على إنشاء مدرسة خاصة للقضاء الشرعي، وقد
صرّح الأمير بذلك في حفلة إلباس الخلعة للشيخ الشربيني الذي ولي المشيخة بعد
السيد الببلاوي، وأسند المقطم يومئذ هذا الرأي إلى (أولياء الأمور) , ومعنى ذلك
اتفاق الخديوي والحكومة والإنكليز على حرمان الأزهر من كل شيء ….
وقد ذكرت في المنار، أهم ما طرأ على الأزهر من هذه الأطوار، ومنها
أمثلة عديدة من معارضة أعضاء مجلس الإدارة ومجادلاتهم للأستاذ الإمام، ولو
واتوه وعرفوا قيمة الإصلاح الذي كان يريده منهم ولهم وبهم لكان للأزهر الآن شأن
عظيم في مصر بل في العالم كله.
على أن قصارى ما كان من تأثير المعارضة أنها استطاعت تأخير الإصلاح
ولم تستطع أن تقتله قتلاً، ولا أن تجتث نبتته فرعًا وأصلاً، إذ لم تستطع أن تمنع
أفكار الإمام المصلح التي كان يلقيها في دروسه , والتي يعلل بها أعماله أن تنفذ إلى
العقول، وأن تأخذ مكانها من القلوب، فها هي ذي قد فعلت فعلها، وكان من
تأثيرها أن النابتة الجديدة من المدرسين والطلاب هم الذين صاروا يطلبون إصلاح
التعليم , واختيار الكتب النافعة , ودرس ما يسمى العلوم الجديدة، وجعل التعليم
الأزهري وسيلة للعمل ومؤهلاً لخدمة الأمة في مدارس الحكومة ومصالحها كتعليم
سائر المدارس الرسمية، وقد كانوا محرومين من كل هذا , فلا يخطر في بال أحد
من شيوخهم ولا من شبابهم، وإنما هي أفكار الأستاذ الإمام التي جعلت لهم قيمة عند
أنفسهم، من حيث لا يدري أكثرهم، ودروسه في التفسير والتوحيد والبلاغة
والمنطق , وإحداثه لتعليم الإنشاء في الأزهر هي التي أوجدت فيهم هذه الألسنة
الخاطبة، والأقلام الكاتبة، والحجج التي يجادلون بها الرؤساء والوزراء، بعد أن
كان أحدهم يُشتم ويُلعن وربما يُضرب بأخس ما يَضْرِبُ به جبار خادمه , فلا يرتفع
له رأس، ولا يدفع عن نفسه بقول ولا فعل، ولولا الكتابة والخطابة، لما
استطاعوا أن يبينوا ما لهم من حق ولا ما يشعرون به من كرامة.
لعل أكثر من لم يدرك عهد الأستاذ الإمام منهم لم يعلموا أنه - أحسن الله ثوابه-
قد احتال لإدخال تعليم الإنشاء في الأزهر احتيالاً , ولقي فيه معارضة شديدة من
كبار الشيوخ الذين يقولون: إن الإنشاء ليس بعلم، وأنه لا يصح أن يجعل في مواد
الدرس والتعليم، فلم ير وسيلة إلى إرضاء مجلس إدارة الأزهر بتقريره إلا وضع
مبلغ من المال لأجله , فاقترح عند وضع ميزانية الأوقاف العامة أن يوضع فيها
مائة جنيه باسم ترقية اللغة العربية في الأزهر , وإنما اختار هذا الاسم استثقالاً
للاعتراف بأن الأزهر لا يتعلم فيه الإنشاء , ولأنه كان يريد نوط هذا الدرس بمعلم
من غير الأزهريين كما أخبرني بذلك في وقته، فماذا كان من رأي أعضاء مجلس
إدارة الأزهر في هذا المبلغ عند وضع ميزانية الأزهر؟
اقترح بعض كبار الأعضاء منهم أن يوزع المبلغ عليهم , لأنهم يرقون اللغة
العربية بقراءة بعضهم لكتب النحو الكبرى , وبعضهم لمختصر السعد في البلاغة،
فأخبرهم الأستاذ بأن الغرض من وضع هذا المبلغ إحداث درس للإنشاء، قال
بعضهم: ولكن العبارة أعم فهي تشمل من يقرأ كتاب ابن عقيل فضلاً عن الصبان
والسعد قال أستاذُنا: أنا الذي وضعت هذه العبارة , ومرادي بالعام فيها هذا
الخاص من أفراده وإلا لم يكن لوضعها فائدة! !
وأما معارضة كبار الشيوخ له فيما يسمونه العلوم الجديدة؛ كتقويم البلدان
والحساب والهندسة بالطريقة العملية فقد كانت من فضائح التاريخ، وكان لمنشئ
هذه المجلة جولات هذه المعمعة , فكتب في الجرائد اليومية مقالات في الرد على ما
كتبه بعضهم في الإنكار على درس هذه العلوم في الأزهر , ولكن بإمضاء مستعار
كأزهري؛ لئلا ينسب إلى الأستاذ الإمام نفسه , أو إلى إيعازه لأن صلتي به ومكاني
من بطانته قد عرف منذ السنة الأولى من هجرتي إلى مصر، وهذا الكفاح فاجأني
فيها. وقد كتب الإمام نفسه في أثناء اشتداد المعارضة مقالة , ردَّ فيها على كلام
نُشِرَ في المؤيد عزى فيه إنكار تدريس تلك العلوم إلى الشيخ محمد الشربيني لكن
بالوصف الذي يعينه لا باسمه العلم , ربما ننشرها في جزء آخر. ولولا الإنشاء لما
كان للأزهريين هذا الصوت الذي صخ مسامع الوزراء، وملا جواء البلاد، ولولا
هذه العلوم التي كانوا ينكرونها لما كان لهم أن يطلبوا أن يكونوا معلمين في مدارس
الحكومة وغيرها كمتخرجي دار العلوم , بل هم يطلبون أن تكون هذه المدرسة تابعة
للأزهر.
على أن الإمام المصلح - أحسن الله جزاءه - كان يريد لهم وبهم ما هو أعظم
وأعلى مما يطلبونه اليوم لأنفسهم، كان يريد أن يكونوا أرقى طبقة في الأمة
الإسلامية، وأهلاً لكل ما تتوقف عليه حياتها الدينية والمدنية، وقد كان من أغرب
مساوئ عصر الضعف الذي منيت به الشعوب الإسلامية أن ترك رجال الدين والعلم
الشرعي فيه حبلها على غاربها، ورضوا بالذل والهوان لأنفسهم ولها، فلم يعنوا
بإصلاح أمرها من جانب الحكومة ولا من جانب الأمة، اتبعوا سنن من قبلهم في
الشر ولم يتبعوه في الخير، ولأجل هذا كنا ننحي عليهم باللائمة منذ أنشأنا المنار،
حبًّا فيهم وغيرة عليهم وإرشادًا لهم إلى ما يجب عليهم لسعادتهم وسعادة أمتهم بهم
وقد يستفيد الظنة المتنصح.
ومما يدخل في موضوعنا من أمر اتباعهم سنن من قبلهم أن رجال الدين من
أولئك الأقوام كانوا في القرون الوسطى لأمتهم , وهي التي يسمونها العصور
المظلمة , يحرمون كل ما يجهلون من العلوم والأعمال , ويضطهدون أهلها بعصبية
الدين التي كان سببها خضوع العامة لهم، واضطرار الملوك والأمراء إلى مداراتهم
ومواتاتهم، لمكانتهم عند العامة، وقد اتبعهم رجال الدين عندنا في هذا , ولكنهم لم
يبلغوا شأوهم فيه؛ لأن الإسلام لم يعطهم من الرياسة والسلطة ما أعطت أولئك
ديانتهم.
ولما رأى أولئك أن رجال العلم والفكر قد انتصروا عليهم وغلبوهم على
الملوك والأمراء، وطفقوا ينتزعون من الحكومات ما كان لهم فيها من النفوذ
والسلطان، بل تصدوا لمحاربة الدين نفسه بدعوى مخالفته للعلم والعقل وللفطرة
البشرية وطبيعة الوجود وسننه - لما رأى رجال الدين هذا - قبلوا على درس هذه
العلوم والفنون كلها , فحذقوها في أديارهم ومدارسهم الخاصة بهم , ودعموا بقوتها
بناء الكنيسة، واتخذوا منها سلاحًا للدفاع عن الدين، ثم تولوا هم تعليمها لأحداث
الأمة مع تعليم الدين وتربية النشء على آدابه وفضائله وعصبيته، والتوفيق بينها
وبين تقاليده وعقائده، بل اتخذوها ذريعة لبث دعوة دينهم في الملل الأخرى بقبول
أحداثها في مدارسهم المشتملة على ما ذكر؛ وأما رجال الدين الإسلامي فلم يتبعوا
سننهم في هذا الأمر النافع كما اتبعوه في ذلك الأمر الضار.
دخلوا في جحر الضب المشار إليه في حديث (لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا
بشبر وذراعًا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه) قالوا يا رسول الله:
اليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟) رواه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ,
وفي لفظ لو دخلوا في جحر ضب الخ , ولكنهم لما يخرجوا منه إلا قليلاً منهم , بَيْدَ
أن الحركة الجديدة للنابتة الجديدة في الأزهر تبشرنا بقرب الخروج العام، الذي كان
يرجوه الأستاذ الإمام، وسنبين ذلك في مقال آخر إن شاء الله تعالى.
ونختم هذه المقالة بما قلناه في هذا الموضوع مما زدناه في (المقصورة
الرشيدية) بعد وفاة الأستاذ الإمام من الكلام في نهوضه بأمر الإصلاح مع السيد
جمال الدين وبعده وهو:
ما تم للإمام ما أراد من ... خُطتي الإصلاح هدمًا وبنا
ولم يفته كل ما شاء فقد ... خرج من يتمُّ كل ما بنا
إذا استجاب الله ما به دعا ... وزال ما حاذره بما رجا [2]
إذ علم الأزهر كيف يفقه الد ... ين ويطلب العلوم واللُّغى [3]
من غير بحث في مقال من خلوا ... يكثر فيه الاحتمال والمِرا
علّمنا التفسير كيما نهتدي ... به على علم صحيح يُقتفى
وعلّم (أسرار البلاغة) التي ... (دلائل الإعجاز) منها تُبتغى
علّمنا التوحيد كي نفهمه ... بعقلنا لا بعقول من مضى
علّمنا (بصائر) المنطق كي ... نقيم ميزان العلوم للحجا
وهل وراء الدين واللسان والعقل ... إذا أصلحتهن منتهى
فإن يك الأزهر لم يصلح بها ... فقد نأى عن سبل من كان مأى [4]
ونبتت من غرسه نابتة ... ستلائم الصدع وترأب الثأى [5]
وترفع الحجر عن المعهد أو ... يعود جحر الضب رحبًا كالفضا
إذًا ينال وهو قد أشفى الشفا ... من مرض بات به على شَفا
ثم يولي المصلحون شطره ... ينحونه من كل فَجِّ ورجا
ما وردوا حياضه وصدروا ... ألا يفيضون علومًا وهدى
فأحيوا الإسلام في أنفس من ... واصلهم بهجره صرف الردى
فعاد آهلاً إلى موطنه ... من غربة طلبها عهد النوى
واستتبعت غربته المجد كما ... كان فعاد الأمر مثل ما بدا [6]
((يتبع بمقال تالٍ))