للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الإغراء بين النصارى والمسلمين

أُرسل إلينا من بيروت كتاب جديد ألفّه أحد نصارى اللبنانيين؛ لأجل تأريث
العداوة والبغضاء بين أهل وطنه , إذ جمع فيه من كتب التاريخ ما عثر عليه مما
ينقمه النصارى من حكومات المسلمين من قول وفعل، ومن المُسَلّمات التي لا
يختلف فيها اثنان أن في كل أمة وكل حكومة عادلين وظالمين، وإن الظالم قد يظلم
القريب والموافق، كما يظلم البعيد والمخالف، وأن من الناس من لا يرضى من
مخالفه في الدين والسياسة بالحق ولا بالعدل، وأن من أخبار التاريخ الصادق
والكاذب؛ فعلى هذا يسهل على كل مُطَّلع على التاريخ المشترك بين الأمم والملل
أن يجمع منه ما ينكره بعضهم على بعض، ولكن هذا لا يكون إلا بنية سيئة.
أرسل إلينا هذا الكتاب لنرد عليه , والرد عليه سهل , ولكن ما فائدته؟ إن
أريد بها بيان أن ما قد يصح من تلك المطاعن شخصي ليس الباعث عليه أحكام
الإسلام؛ فهذا أمر يعرفه من يقرأ المنار من النصارى القليلين كما يعرفه المسلمون
لما شرحناه مرارًا من عدل الإسلام العام، والجمهور منهم لا يقرؤونه. وإن أريد
تلقين المسلم الحجج للرد على من يكلمه في ذلك , ففي المنار حجج كثيرة على عدل
الإسلام وتفضيله على جميع الملل والقوانين من الكتاب والسنة والتاريخ وشهادة
المنصفين من مؤرخي الإفرنج أنفسهم كقول فيلسوف فرنسة الاجتماعي ومؤرخها
المنصف الدكتور غوستاف لوبون: ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من
العرب؛ يعني الذين أقاموا الإسلام ونشروه في العالم , وإن شاءوا المقارنة بين ما
كتبه هذا اللبناني عن المسلمين وبين ظلم دول النصارى للمسلمين ولليهود أيضًا
فهذه نبذة منه:
اضطهاد أسبانية لمسلمي الأندلس ويهودها:
جاء في ملخص تاريخ الأندلس الذي جعله الأمير شكيب أرسلان ذيلاً لرواية
(آخر بني سراج) ما نصه مترجمًا عن التواريخ الإفرنجية:
كانت دولتا قشتالة وأراغون تتسابقان في تعذيب المدجنين الذين ذكرنا أنهم
المسلمون الخاضعون لحكومة الأسبانيول وملوك الدولتين يتبارون في الانتقام منهم
والنكال بهم استزادة للمثوبة واستعلاء في درجات الآخرة، حسبما كانت عليه حالة
ذلك العصر من التحمس الديني والتأخر المدني.
ففي قشتالة كان هنري أخو بطره قد جعل للمدجنين والإسرائيليين علامة فارقة
اسمها (المشيرة) , وأمر بمنع اختلاطهم وأخذهم وعطائهم مع الأسبانيول , وأن لا
يقبل أحد منهم في خدمة الدولة.
وفي أيام جان الأول ملك قشتالة صدرت الأوامر بأن كل مسيحي يربي في
بيته مدجنًا (مسلمًا) أو إسرائيليًّا فله الحق كل الحق أن يؤدبه بالسياط , وأنه لا
يجوز لمدجن ولا ليهودي أن يستخدم عنده مسيحيًّا، وأن من خالف ذلك يضرب ,
وتضبط أملاكه، كما أنه لا يجوز دخول مسلم ولا يهودي بيت أحد من الأسبانيول
إلا إذا كان طبيبًا , وثبت لزومه , ومن خالف ذلك يغرم بدفع ستة آلاف مراويد
(نوع من السكة) .
وسنة ٨١١ هجرية جدد جان الثاني أمر سلفه في رفض المدجنين واليهود في
خدمة الدولة , وضم إليه أن جزاء المخالفة دفع ثلاثة آلاف مراويد، وأن كل من
يسافر من المسلمين أو اليهود مع أحد الاسبانيول أو يؤاكله أو يستخدمه في عمل له
يجلد مائة، وإذا تكرر الفعل يؤخذ منه ألف مراويد , ويكون ثلثاها للمخبر، وإذا
وُجِدَ أحد من هؤلاء في وليمة أسبانيولي يغرم بدفع ثلاثة آلاف وإن عاد صاحبًا له
من الإسبانيول أثناء مرض يدفع ثلثمائة , وإن عاملهم بأخذ أو عطاء يدفع الثلاثمائة
ويضرب ويعزر.
وكانت في بادئ الأمر محاكم مخصوصة بالمدجنين فألغيت في التالي وأحيلت
دعاويهم إلى محاكم الأسبانيول , وصدرت الأوامر أيضًا بأن كل من يخرج مدجنًا
من مزارعه , ويستخدم لحرثه مدجنًا بدلاً عنه يغرم بخمسة آلاف مراويد , وإن
تكرر فعله فبمائة ألف , وإن تكرر أيضًا تضع الدولة يدها على جميع عقاراته ,
وإذا فر مدجن إلى غرناطة , ووقع أثناء فراره في يد الاسبانيول عُدَّ أسيرَ حرب
وضبطت جميع أمواله , وصار ملكًا لمن يمسكه.
وسنة ٨٢٦ أضيف إلى هذا الشرط أن من منع من المدجنين ابنه من التنصر
عذب شديدًا , ومن أسر من مسلمي غرناطة أحدًا كان له ملكًا خالصًا.
وسنة ٨٣٠ صدرت الأوامر بعدم اعتبار إمضاء الأسبانيول فيما عليهم
للمدجنين واليهود , وباعتبار إمضاء هؤلاء فيما عليهم للأسبانيول.
وسنة ٨٣٣ صدرت الأوامر أن المسلم أو الإسرائيلي المُدَّعى عليه بِدَيْنٍ لأحد
الأسبانيول إذا أنكره لا يقبل منه اليمين , ولكن حيث كان بعض المدجنين واليهود
يضمنون الأراضي الأميرية , ففي هذه الحالة يقبل منهم اليمين عند الإنكار لعدم
إلحاق الضرر بخزينة الدولة.
وسنة ٨٨٠ صدّقت الملكة إيزابلا جميع عهود جان الصغير , وأضافت عليها
حظر لباس الحرير وحلية الذهب والفضة على المسلمين واليهود (عاملت المسلمين
في ذلك بحكم شريعتهم لكن في الرجال فقط) , ووضعت لهم علامات فارقة في
الملبس من جملتها رقعة زرقاء عرضها أربع أصابع؛ لتمييز المسلمات
والإسرائيليات.
وما كفى كل هذا حتى نشرت حكومة قشتالة أمرًا لجميع عمال النواحي بأنه
بلغ الملكة وقوع إهمال في إنفاذ بعض الشروط بتمامها في حق المدجنين واليهود
وأنه إن حصل فيما بعد أقل تقاعس من أحد في تنفيذها بحرفها يعزل من منصبه
ويحرم معاشه.
وأما في مملكة أراغون فكان بطره الثالث قد أعلن في نحو سنة ٦٨ هجرية
أن كل شخص مسيحيًّا كان أو مسلمًا أو إسرائيليًّا يمكنه استيطان مملكته والإقامة بها
حيث شاء , لكن يُنفى المسلمون واليهود من الخدمة العسكرية والمالية في الحكومة ,
ويحظر عليهم أن يدينوا الأسبانيول مالاً بأكثر من فائدة عشرين في المائة , وأن
دعاويهم تنظر عند الحكام , ويقبل فيها اليمين , على أنه إن كان لمسلم أو يهودي
دَيْن عند أحد الأسبانيول بدون سند أو بينة خطية فيقبل قوله من تاريخ الدين إلى
خمسة عشر يومًا , ومن ثمة لا يعود مقبولاً , والسند الذي للمسلم والإسرائيلي على
الاسبانيولي إن لم يسجل عند حكام الأسبانيول فبعد مضي ست سنواتٍ يسقط
اعتباره ويلغى كل حكم له.
وسنة ٧٧٠ أصدر الدون جان أمرًا بأنَّ من تنصّر من أبناء المدجنين , ومات
أبوه فله نصيبه من الإرث كما لو بقي مسلمًا.
وسنة ٧٨٠ صدرت الأوامر بأن كل مدجن يفر إلى أرض غرناطة , ويقع في
اليد يعتبر أسير حرب , وتضبط أملاكه , وتقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول للملك
والثاني لمن يكون قد قبض عليه , والثالث مناصفة بين صاحب الأرض التي أبق
منها وصاحب الأرض التي تهيأ وقوعه فيها.
ثم منع المدجنون من الجهر بالشهادتين (تأملوا) واستعمال النفير لما فيه من
تحريك الجامعة وجُوزِيَ من يجاهر بشيء من ذلك بالقتل (تأملوا) .
وسنة ٨٩٠ أصدر الملك فرديناند صاحب أراغون أمرًا بمنع المدجنين من
الخروج من مملكته , وإنه إذا استصحب أحد الأسبانيول أحدًا منهم في خدمته
لضرورة قضت فيؤذن بشرط أن لا يكون مع المدجن ولد دون الأربع عشرة من
عمره , ذلك خوفًا من الفرار إلى بلاد الإسلام؛ إلى غير ذلك من آيات العدل (!)
التي تواترت في كتب الإفرنج , فلخصنا منها ما قرأت لا عجب فلولا هذه الغرائب ,
ولولا الإمعان في الظلم إلى هذه الدرجة لما تأخرت أسبانية إلى الحد الذي وصلت
إليه , بعد أن كان لها من مركزها في أوروبا وافتتاح أميركا على يدها , وانبساط
أيديها في مستعمرات الخافقين ما يضمن لها المقام الأول بين الدول اهـ.