للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


أسرار البلاغة أو فلسفة البيان

تكلم بعض البلغاء من علماء العربية في طرق البيان وبلاغة الكلام وفصاحته
كلامًا إجماليًّا، حتى جاء الشيخ عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس، فوضع
القواعد والأصول لعلم البيان؛ بكتابه أسرار البلاغة ولعلم المعاني؛ بكتابه دلائل
الإعجاز، وسلك فيها مسلك الفلسفة العقلية وعلم النفس، فعلمنا من كتابيه أن
البلاغة عبارة عن إصابة موقع الإقناع من العقل، والتأثير من القلب، فإنه يثبت لك
بلاغة الكلام؛ بإرجاعك فيه إلى ما تجده في نفسك من تأثيره وروعته والارتياح
له، والتفرقة بينه وبين ما يؤدي معناه من غير البليغ، ويشرح لك ذلك حتى يقنع
به جنانك، ويطمئن به وجدانك، بعبارة فصيحة هي أظهر مصداق لقواعده ومثال
لفلسفته، فهو يفيدك العلم والعمل معًا بعبارته وأسلوبه.
ثم إن الذين أخذوا عنه هذا العلم زادوا عليه في القواعد والأحكام، وحكوه
فيما وضعوه من الحدود والرسوم لبلاغة الكلام، ولكن فاتتهم فلسفته، وعدتهم
بلاغة عبارته، فكانوا كما قال الشاعر: (لقد حكيت ولكن فاتك الشنب) ، فإنهم
جعلوا أحكام البيان مواضعات اصطلاحية، لأشكال التراكيب اللفظية، لا مرجع
لها من علم النفس، ولا مستند لها من حكم العقل، ولا من وجدان النفس، ككون
التمثيل - الاستعارة التمثيلية - عبارة عن تشبيه هيئة بهيئة تناسبها، كجملة ما لي
أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى. وأما كون التمثيل أعلى مراتب البيان، وأبلغ ما
يفضل به الكلام الكلام، وسبب هذا وسره؛ فهو ما لم يعرضوا له، ولم يتبعوا
إمامهم في البحث عنه، ولا في سائر خصائص محاسن الكلام من التشبيه بأنواعه
الأخرى من صريح واستعارة، والتعريض والكناية، فكانت قواعد البلاغة وأحكام
البيان عندهم اصطلاحات لفظية جافة، تؤخذ بالإيمان والتسليم كأنها أخبار
الرسل - عليهم السلام - من عالم الغيب، وتطبق على كل قول، وإن كان له
من السخف أوفر نصيب.
لهذا لم تعد كتب علوم البلاغة تفيد قارئها البلاغة، ولا تساعده عليها، بل ربما
صارت صادة له عنها، وحائلة دونها، فكأين من مدارس قرأ أدق كتبها كشرحي
السعد للتلخيص مرارًا مع حواشيها الطويلة العريضة، وكان بعد ذلك كله
عاجزًا عن فهم كلام البلغاء، ووجه تفضيله على غيره، دع عجزه عن ارتجال
خطبة أو نظم قصيدة، أو كتابة رسالة، مما يصح أن يوصف بالبلاغة، إلا أن
يكون من وصف الجاهل الفاقد الذوق لكلامه أو كلام أمثاله بما يراه في مرآته أو من
التحكم في تطبيق كل كلام على تلك القواعد الاصطلاحية، التي لا يعرفون لها مدركًا
علميًّا ولا نفسيًّا، كتشبيه حسن فهمي أفندي أحد مشايخ الإسلام في الدولة
العثمانية للخد بالسفرجل تقليدًا لمن شبهوه بالتفاح بقوله:
وقلبي هام في خد سفرجل ...
وكقوله:
حمد البلابل في الأغصان سبحان ... لذاك جاد على الناطور بستان
اقتبس علماء البيان الأولون من عبد القاهر كالسكاكي والخطيب، ثم فقد
كتاباه، ونسي ذكرهما مدة بضعة قرون؛ حتى إن بعض من ترجمه من
المؤرخين لم يذكرهما له، وأعيا طلبهما بعض كبار أمراء العلم والحكم: كالإمام
يحيى اليمني صاحب كتاب (الطراز في علوم الإعجاز) ، حتى هدانا الله تعالى إلى
بعث بعض نسخهما من مقابر خزانات الكتب الخاصة في هذا القرن، فطبعناهما،
وأحياهما شيخنا الأستاذ الإمام بتدريسهما في الجامع الأزهر؛ فكان ذلك سببًا
لارتقاء فنون البلاغة وملكتها، وارتقاء الآداب العربية من طور إلى طور في
القطر المصري عامة، وفي الأزهر خاصة، وإن خفي هذا السبب على الغافلين
الذين لا يشعرون بأسباب الأطوار، التي تطرأ على الأمم ومسبباتها، وارتباط
بعضها ببعض، فقد صار يوجد في الأزهر عشرات من الكتاب المجيدين، ولم
تكن تقدر أن تعد على أناملك أحدًا منهم غير القدماء من تلاميذ السيد جمال الدين
وتلاميذه الأستاذ الإمام في إبان النهضة الجمالية، ومن أشهر الكتاب الذين طار
ذكرهم ممن حضروا الكتابين على الأستاذ الإمام المرحوم السيد مصطفى المنفلوطي.
بل أقول: إن جميع الذين قرءوا الكتابين كليهما أو أحدهما حتى في بلاد
الأعاجم قد ارتقت ملكة البيان فيهم شعروا بذلك أم لا، وإنما يشعر بمثل هذا
أصحاب اللوذعية والعقل الفقيه، فقد كتب إليَّ صديقي أكتب الكتاب، وأخطب
خطباء مسلمي الهند الشيخ أبو الكلام أحمد المجدد الشهير، يذكر لي أول عهده
بمعرفتي قبل تلاقينا في الهند سنة ١٣٣٠، من كتاب طويل كتبه إثر خروجه من
السجن بعد الحرب ما نصه.
(وماذا أستطيع أن أقول عن نفسي غير أن قلبي ممتلئ بالاعتراف لكم
بخدماتكم الجليلة العلمية والعملية، فإني أحبكم وأحب من يحبكم، ولا غرو فإني قد
عرفتكم في صباي لما كنت أقرأ شرح التلخيص للتفتازاني،،، فقرأت أسرار
البلاغة ومقدمتكم عليه؛ فانفتح علي باب المعرفة الصحيحة، وهذا أول عهدي بكم
(أتاني هواها إلخ) ، ثم ذكر اطلاعه على المنار، وما كان من تأثيره في نفسه مما
ليس من موضوعنا.
وأقول: إنني رأيت من قوة فهمه للغة العربية أنني كنت ألقي الخطبة في الهند
في ساعتين أو أكثر من الزمن؛ فيقوم هو فيعيدها باللغة الأوردية، لا يفوته
منها شيء.
كنت عند طبعي لأسرار البلاغة سنة ١٣١٩ نشرت نبذة منه على سبيل
النموذج، وقد رأيت أن أنشر عند إعادة طبعه الآن نموذجًا أطول من ذلك
النموذج؛ ليكون مثلاً لما وصفت، ودليلاً على ما قررت، قال مؤلفه
رحمه الله تعالى.
***
(فصل)
في مواقع التمثيل وتأثيره
واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو
برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها
أبهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في
تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة
وكلفًا، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفًا. فإن كان مدحًا كان أبهى
وأفخم، وأنبل في النفوس وأعظم، وأهز للعطف، وأسرع للإلف، وأجلب
للفرح، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وأفضى له بغرر
المواهب والمنائح، وأسير على الألسن وأذكر، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدر.
وإن كان ذمًّا كان مسه أوجع، وميسمه ألذع، ووقعه أشد، وحده
أحد، وإن كان حجابًا كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر , وإن كان
افتخارًا كان شأوه أبعد، وشرفه أجد، ولسانه ألد [١] , وإن كان اعتذارًا كان إلى
القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم أسل، ولغرب الغضب أفل، وفي عقد
العقود أنفث، وعلى حسن الرجوع أبعث [٢] , وإن كان وعظًا كان أشفى للصدر،
وأدعى للفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلي الغياية [٣] ، ويبصر
الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل , وهكذا الحكم إذا استقريت فنون القول
وضروبه، وتتبعت أبوابه وشعوبه [٤] ، وإن أردت أن تعرف ذلك، وإن كان تقل
الحاجة فيه إلى التعريف، ويستغنى في الوقوف عليه عن التوقيف، فانظر إلى
نحو قول البحتري:
دانٍ على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب [٥]
كالبدر أفرط في العلو وضوءه ... للعصبة السارين جدُّ قريب [٦]
وفكر في حالك وحال المعنى معك، وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني،
ولم تتدبر نصرته إياه، وتمثيله له فيما يملي على الإنسان عيناه، ويؤدي إليه
ناظراه، ثم قسهما على الحال وقد وقفت عليه، وتأملت طرفيه، فإنك تعلم بعد
ما بين حالتيك، وشدة تفاوتهما في تمكن المعنى لديك، وتحببه إليك، ونبله في
نفسك، وتوفيره لأنسك، وتحكم لي بالصدق فيما قلت، والحق فيما ادعيت [٧] .
وكذلك فتعهد الفرق بين أن تقول: فلان يكد نفسه في قراءة الكتب ولا يفهم
منها شيئًا، وتسكت، وبين أن تتلو الآية، وتنشد قول الشاعر: [٨]
زوامل للأشعار لا علم عندهم ... يجيدها إلا كعلم الأباعر [٩]
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوسافه أو راح ما في الغرائر
والفصل بين أن تقول: (أرى قومًا لهم بهاء ومنظر، وليس هناك مخبر، بل
في الأخلاق دقة، وفي الكرم ضعف وقلة) ، وتقطع الكلام، وبين أن تتبعه نحو قول
الحكيم: أما البيت فحسن، وأما الساكن فرديء.
وقول ابن لَنْكك:
في شجر السرو منهم مثل ... له رُواء وما له ثمر
وقول ابن الرومي:
فغدا كالخلاف يورق للعين ... ويأبى الأثمار كل الإباء
وقول الآخر:
فإن طرة راقتك فانظر فربما ... أمر [١٠] مذاق العود والعود أخضر
وانظر إلى المعنى في الحالة الثانية كيف يورق شجره ويثمر، ويفتر ثغره
ويبسم، وكيف تشتار الأري من مذاقته [١١] ، كما ترى الحسن في شارته [١٢] وأنشد قول ابن لنكك:
إذا أخو الحسن أضحى فعله سمجًا ... رأيت صورته من أقبح الصور
وتبين المعنى، وأعرف مقداره، ثم أنشد البيت بعده:
وهبك كالشمس في حسن ألم ترنا ... نفر منها إذا مالت إلى الضرر
وانظر كيف يزيد شرفه عندك، وهكذا فتأمل بيت أبي تمام: [١٣]
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
مقطوعًا عن البيت الذي يليه، والتمثيل الذي يؤديه، واستقص في تعرَّف
قيمته، على وضوح معناه وحسن مزيته [١٤] ، ثم أتبعه إياه:
لولا اشتعال النار فيما جاورتْ ... ما كان يُعرف طيب عَرف العُود
وانظر هل نشر المعنى تمام حلته، وأظهر المكنون من حسنه وزينته،
وعطرك بعرف عوده، وأراك النضرة في عوده، وطلع عليك من مطلع سعوده،
واستكمل فضله في النفس ونبله، واستحق التقديم كله، إلا بالبيت الأخير، وما
فيه من التمثيل والتصوير، وكذلك فرق في بيت المتنبي:
ومن يك ذا فم مريض ... يجد مرًّا به الماء الزلالا
لو كان سلك بالمعنى الظاهر من العبارة كقولك: إن الجاهل الفاسد الطبع
يتصور المعنى بغير صورته، ويخيل إليه في الصواب أنه خطأ. هل كنت
تجد هذه الروعة؟ وهل كان يبلغ من وقم الجاهل ووقذه [١٥] وقمعه وردعه،
والتهجين له والكشف عن نقصه، ما بلغ التمثيل في البيت، وينتهي إلى
حيث انتهى وإن أردت [١٦] اعتبار ذلك في الفن الذي هو أكرم وأشرف؛ فقابل
بين أن تقول: إن الذي يعظ ولا يتعظ يضر بنفسه من حيث ينفع غيره، - وتقتصر
عليه - وبين أن تذكر المثل فيه على ما جاء في الخبر من أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج الذي يضيء للناس
ويحرق نفسه) ، ويروى (مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها) [١٧] ، وكذا،
فوازن بين قولك للرجل وأنت تعظه: (إنك لا تجزى على السيئة حسنة، فلا تغر
نفسك) وتمسك، وبين أن تقول في إثره: (إنك لا تجني من الشوك العنب وإنما
تحصد ما تزرع) ، وأشباه ذلك. وكذا بين أن تقول: لا تكلم الجاهل بما لا يعرفه
ونحوه، وبين أن تقول: (لا تنثر الدر قدام الخنازير. أو لا تجعل الدر في أفواه
الكلاب) ، وتنشد نحو قول الشافعي رحمه الله (أأنثر درًّا بين سارحة الغنم) [١٨]
وكذا بين أن تقول: الدنيا لا تدوم ولا تبقى، وبين أن تقول: (هي ظل زائل؛
وعارية تسترد، ووديعة تسترجع) ، وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من
في الدنيا ضيف، وما في يديه عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة)
وتنشد قول لبيد:
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يومًا أن ترد الودائع
وقول الآخر:
إنما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار
فهذه جملة من القول تخبر عن صيغ التمثيل، وتخبر عن حال المعنى معه،
فأما القول في العلة والسبب: لم كان للتمثيل هذا التأثير؟ وبيان جهته ومعناه، وما
الذي أوجبه واقتضاه، فغيرها. وإذا بحثنا عن ذلك وجدنا له أسبابًا وعللاً، كل
منها يقتضي أن يفخم المعنى بالتمثيل وينبل، ويشرف ويكمل، فأول ذلك وأظهره
أن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي، وتأتيها بصريح بعد
مكني، وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به
في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس، وعما يعلم بالفكر، إلى
ما يعلم بالاضطرار والطبع، لأن العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها
من جهة الطبع، وعلى حد الضرورة يفضل المستفاد من وجهة النظر والفكر في
القوة والاستحكام، وبلوغ الثقة فيه غاية التمام، كما قالوا: (ليس الخبر
كالمعاينة) [١٩] ، ولا الظن كاليقين. فلهذا يحصل بهذا العلم هذا الأنس: أعني الأنس
من جهة الاستحكام والقوة، وضرب آخر من الأنس وهو ما يوجبه تقدم الألف كما
قيل:
ما الحب إلا للحبيب الأول ...
ومعلوم أن العلم الأول أتى النفس أولاً من طريق الحواس والطباع، ثم من
جهة النظر والروية، فهو إذن أمس بها رحمًا، وأقوى لديها ذممًا، وأقدم لها صحبة،
وآكد عندها حرمة، وإذا نقلتها في الشيء بمثله عن المدرك بالعقل المحض،
وبالفكرة في القلب، إلى ما يدرك بالحواس أو يعلم بالطبع، وعلى حد الضرورة،
فأنت كمن يتوسل إليها للغريب بالحميم، وللجديد الصحبة بالحبيب القديم، فأنت
إذن مع الشاعر وغير الشاعر، إذا وقع المعنى في نفسك غير ممثل ثم مثله، كمن
يخبر عن شيء من وراء حجاب، ثم يكشف عنه الحجاب، ويقول: هاهو ذا،
فأبصره تجده على ما وصفت.
(فإن قلت) : إن الأنس بالمشاهدة بعد الصفة والخبر إنما يكون لزوال
الريب والشك في الأكثر، أفتقول: إن التمثيل إنما أنس به؛ لأنه يصحح المذكور
والصفة السابقة، ويثبت أن كونها جائز ووجودها صحيح غير مستحيل، حتى لا
يكون تمثيل إلا كذلك؟ فالجواب: أن المعاني التي يجيء التمثيل في عقبها على
ضربين غريب بديع يمكن أن يخالف فيه، ويدعي امتناعه، واستحالة وجوده،
وذلك نحو قوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وذلك أنه أراد أنه فاق الأنام وفاتهم إلى حد بطل معه أن يكون بينه وبينهم
مشابهة ومقاربة، بل صار كأنه أصل بنفسه، وجنس برأسه، وهذا أمر غريب،
وهو أن يتناهى بعض أجزاء الجنس في الفضائل الخاصة به إلى أن يصير كأنه
ليس من ذلك الجنس، وبالمدعي له حاجة إلى أن يصحح دعواه في جواز وجوده
على الجملة، إلى أن يجيء إلى وجوده في الممدوح، فإذا قال: (فإن المسك بعض
دم الغزال) ، فقد احتج لدعواه، وأبان أن لما ادعاه أصلاً في الوجود، وبرأ نفسه
من صفة الكذب، وباعدها من سفه المقدم على غير بصيرة، والمتوسع في الدعوة
من غير البينة، وذلك أن المسك قد خرج عن صفة الدم وحقيقته حتى لا يعد في
جنسه إذ لا يوجد في الدم شيء من أوصافه الشريفة الخاصة بوجه من الوجوه لا ما
قل ولا ما كثر، ولا في المسك شيء من الأوصاف التي كان لها الدم دمًا ألبتة.
(والضرب الثاني) أن لا يكون المعنى الممثل غريبًا نادرًا يحتاج في دعوى
كونه على الجملة إلى بينة وحجة وإثبات. نظير ذلك أن ينفي عن فعل من الأفعال
التي يفعلها الإنسان الفائدة ويدعي أنه لا يحصل منه على طائل، ثم يمثله في
ذلك بالقابض على الماء والراقم فيه، فالذي مثلت ليس بمنكر مستبدع، إذ لا ينكر
خطأ الإنسان في فعله أو ظنه وأمله وطلبه. ألا ترى أن المغزى من قوله [٢٠] :
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
إنه قد خاب في ظنه أنه يتمتع بها ويسعد بوصلها، وليس بمنكر ولا عجيب
ولا ممتنع في الوجود، خارج من المعروف المعهود، أن يخيب ظن الإنسان في
أشباه هذا من الأمور، حتى يستشهد على إمكانه، وتقام البينة على صدق المدعي
لوجدانه.
وإذا ثبت أن المعاني الممثلة تكون على هذين الضربين فإن فائدة التمثيل
وسبب الأنس في الضرب الأول بَيِّن لائح، لأنه يفيد فيه الصحة وينفي الريب
والشك، ويؤمّن صاحبه من تكذيب المخالف وتهجم المنكر وتهكم المعترض،
وموازنته بحالة كشف الحجاب عن الموصوف المخبر عنه حتى يرى ويبصر،
ويعلم كونه على ما أثبته عليه موازنة ظاهرة صحيحة.
وأما الضرب الثاني فإن التمثيل وإن كان لا يفيد فيه هذا الضرب من الفائدة فهو
يفيد أمرًا آخر يجري مجراه وذلك أن الوصف كما يحتاج إلى إقامة الحجة على
صحة وجوده في نفسه، وزيادة التثبيت والتقرير في ذاته وأصله، فقد يحتاج إلى
بيان المقدار فيه، ووضع قياس من غيره يكشف عن حده، ومبلغه في القوة
والضعف والزيادة والنقصان، وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر أولاً إلى التشبيه
الصريح الذي ليس بتمثيل كقياس الشيء على الشيء في اللون مثلاً (كحنك
الغراب) [٢١] تريد أن تعرف مقدار الشدة لا أن تعرف نفس السواد على الإطلاق.
وإذا تقرر هذا الأصل فإن الأوصاف التي ترد السامع فيها بالتمثيل من العقل
إلى العيان والحس، وهي في أنفسها معروفة مشهورة صحيحة، لا تحتاج إلى
الدلالة على أنها هل هي ممكنة موجودة أما لا؟ فإنها وإن غنيت من هذه الجهة عن
التمثيل بالمشاهدات والمحسوسات، فإنها تفتقر إليه من جهة المقدار؛ لأن مقاديرها
في العقل تختلف وتتفاوت، فقد يقال في الفعل: إنه من حال الفائدة على حدود
مختلفة في المبالغة والتوسط، فإذا رجعت إلى ما تبصر وتحس عرفت ذلك بحقيقته
وكما يوزن بالقسطاس، فالشاعر لما قال: (كقابض على الماء خانته فروج
الأصابع) ، أراك رؤية لا تشك معها، ولا ترتاب أنه بلغ في خيبة ظنه وبوار
سعيه إلى أقصى المبالغ، وانتهى فيه إلى أبعد الغايات، حتى لم يحظ لا بما قل ولا
ما كثر.
فهذا هو الجواب ونحن [٢٢] بنوع من التسهيل والتسامح نقع على أن الأنس
الحاصل بانتقالك في الشيء عن الصفة والخبر إلى العيان ورؤية البصر ليس له
سبب سوى زوال الشك والريب.
فأما إذا رجعنا إلى التحقيق فأنا أعلم أن المشاهدة تؤثر في النفوس مع العلم
بصدق الخبر، كما أخبر الله تعالى عن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في قوله:
{قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (البقرة: ٢٦٠) ، والشواهد في ذلك كثيرة،
والأمر فيه ظاهر، ولولا أن الأمر كذلك لما كان لنحو قول أبي تمام:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
معنى وذلك أن هذا التجدد لا معنى له إن كانت الرؤية لا تفيد أنسًا من حيث
هي رؤية، وكان الأنس لنفيها الشك والريب، أو لوقوع العلم بأمر زائد لم يعلم من
قبل، وإذا كان الأمر كذلك فأنت إذا قلت للرجل: أنت مضيع للحزم في سعيك
ومخطئ وجه الرشاد، وطالب لما لا تناله إذا كان الطلب على هذه الصفة ومن هذه
الجهة، ثم عقبته بقولك: (وهل يحصل في كف القابض على الماء شيء مما
يقبض عليه) ، فلو تركنا حديث تعريف المقدار في الشدة والمبالغة، ونفي الفائدة
من أصلها جانبًا، بقي لنا ما تقتضيه الرؤية للموصوف على ما وصف عليه من
الحالة المتجددة مع العلم بصدق الصفة. يبين ذلك أنه لو كان الرجل مثلاً على
طرف نهر في وقت مخاطبة صاحبه وإخباره له بأنه لا يحصل من سعيه على شيء،
فأدخل يده في الماء، وقال: انظر هل حصل في كفي من الماء شيء؟ فكذلك
أنت في أمرك؛ كان لذلك ضرب من التأثير زائد على القول والنطق بذلك دون
الفعل [٢٣] .
ولو أن رجلاً أراد أن يضرب لك مثلاً في تنافي الشيئين فقال: هذا وذاك هل
يجتمعان؟ وأشار إلى ماء ونار حاضرين، وجدت لتمثيله من التأثير ما لا تجده إذا
أخبرك بالقول فقال: هل يجتمع الماء والنار؟ وذلك الذي تفعل المشاهدة من
التحريك للنفس، والذي يجب بها من تمكن المعنى في القلب، إذا كانت مستفادة من
العيان، ومتصرفة حيث تتصرف العينان، وإلا فلا حاجة بنا في أن الماء والنار لا
يجتمعان، إلى ما يؤكده من رجوع إلى مشاهدة، واستيثاق بتجربة.
ومما يدلك على أن التمثيل بالمشاهدة يزيد أنسًا وإن لم يكن بك حاجة إلى
تصحيح المعنى، أو بيان لمقدار المبالغة فيه؛ أنك قد تعبر عن المعنى بالعبارة التي
تؤديه، وتبالغ وتجتهد حتى لا تدع في النفوس منزعًا نحو أن تقول وأنت تصف
اليوم بالطول: يوم كأطول ما يتوهم وكأنه لا آخر له. وما شاكل ذلك من نحو
قوله:
في ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالحشر موصول [٢٤]
فلا تجد له من الأنس ما تجده لقوله:
ويوم كظل الرمح قصر طوله [٢٥] ...
على أن عبارتك الأولى أشد وأقوى في المبالغة من هذا، فظل الرمح على كل
حال متناه، تدرك العين نهايته، وأنت قد أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخر له،
وكذلك تقول: يوم كأقصر ما يتصور وكأنه ساعة وكلمح البصر، و (كلا ولا) ،
فتجد هذا مع كونه تمثيلاً لا يؤنسك إيناس قولهم: أيام كإبراهيم القطا [٢٦] ، وقول
ابن المعتز:
بدلت من يوم كظل حصاة ... ليلاً كظل الرمح غير موات [٢٧]
وقول آخر:
ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب [٢٨]
وكذا نقول: فلان إذا هم بالشيء لم يزل ذاك عن ذكره وقلبه، وقصر
خواطره على إمضاء عزمه، ولم يشغله شيء عنه، فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن،
ثم لا ترى في نفسك له هزة، ولا تصادف لما تسمعه أريحية، وإنما تسمع حديثًا
ساذجًا وخبرًا غفلاً [٢٩] حتى إذا قلت:
إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمه [٣٠] ...
امتلأت نفسك سرورًا وأدركتك طربة - كما يقول القاضي أبو الحسن - لا
تملك دفعها عنك، ولا تقل: إن ذلك لمكان الإيجاز، فإنه وإن كان يوجب شيئًا منه
فليس الأصل له، بل لأن أراك العزم واقفًا [٣١] بين العينين، وفتح إلى مكان
المعقول من قلبك بابًا من العين.
وههنا إذا تأملنا - مذهب آخر في بيان السبب الموجب؛ لذلك هو ألطف
مأخذًا، وأمكن في التحقيق، وأولى بأن يحيط بأطراف الباب، وهو أن لتصور
الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير محلته، واجتلابه
إليه من النيق البعيد [٣٢] بابًا آخر من الظرف واللطف، ومذهبًا من مذاهب
الإحسان لا يخفى موضعه من العقل. وأحضر شاهدًا لك على هذا أن تنظر
إلى تشبيه المشاهدات بعضها ببعض، فإن التشبيهات سواء كانت عامية مشتركة،
أم خاصية مقصورة على قائل دون قائل، تراها لا يقع بها اعتداد، ولا يكون لها
موقع من السامعين، ولا تهز ولا تحرك، حتى يكون الشبه مقررًا بين شيئين
مختلفين في الجنس، فتشبيه العين بالنرجس عامي مشترك معروف في أجيال
الناس، صار في جميع العادات، وأنت تنظر إلى بعد ما بين العينين وبينه من
حيث الجنس، وتشبيه الثريا بما شبهت به من عنقود الكرم المنور، واللجام
المفضض، والوشاح [٣٣] المفصل، وأشباه ذلك - خاصي، والتباين بين المشبه
والمشبه به في الجنس على ما لا يخفى.
وهكذا إذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد،
كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث
الأريحية أقرب، وذلك أن موضع الاستحسان، ومكان الاستظراف، والمثير للدفين
من الارتياح، والمتألف للنافر من المسرة، والمؤلف لأطراف البهجة، أنك ترى
بها الشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين، وترى الصورة الواحدة في السماء
والأرض، وفي خلقة الإنسان وخلال الروض، وهكذا طرائف تنثل عليك إذا
فصلت هذه الجملة، وتتبعت هذه اللمحة [٣٤] ؛ ولذلك تجد تشبيه البنفسج في
قوله [٣٥] :
ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت
أغرب وأعجب، وأحق بالولوع وأجدر، من تشبيه النرجس بمداهن در
حشوهن عقيق، لأنه إذ ذاك مشبه لنبات غض يرف [٣٦] ، وأوراق رطبة ترى
الماء منها يشف [٣٧] ، بلهب نار مستول عليه اليبس، وباد فيه الكلف [٣٨] ومبني
الطباع وموضوع الجبلة، على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه،
وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان بالشغف
منها أجدر، فسواء في إثارة التعجب، وإخراجك إلى روعة [٣٩] المستغرب،
وجودك الشيء في مكان ليس من أمكنته، ووجود شيء لم يوجد ولم يعرف من
أصله في ذاته وصفته، ولو أنه شبه البنفسج ببعض النبات، أو صادف له شبهًا في
شيء من المتلونات، لم تجد له هذه الغرابة، ولم ينل من الحسن هذا الحظ.
((يتبع بمقال تالٍ))