للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


أحوال العالم الإسلامي

ابن سعود وإنكلترة
(تأخر نشرها)
ترجمت جريدة ألف با الدمشقية عن جريدة (لاسيري) الإفرنسية أن السلطان
ابن سعود كتب إلى إنكلترة طالبًا التصديق على المطالب الآتية:
(أ) أن تترك إنكلترة ابن السعود ينهي أمره بأسرع ما يمكن مع الملك علي
وجدة.
(ب) أن تعترف بصورة رسمية بسيادته على الحجاز واستقلال نجد
استقلالاً تامًّا، ذاك الاستقلال الذي حذف بعض مواده في الاتفاق الذي عقده مع
إنكلترة عام ١٩١٥.
(ج) أن تقبل إنكلترة بوضع الحجاز تحت سلطته بعد انتصاره التام على
الملك علي، ويتعهد لقاء ذلك أن يشكل بصورة دائمة في مكة حكومة وطنية
تعترف إنكلترة باستقلالها التام، ويكون لابن السعود السلطة التامة في تعيين من يشاء
لمكة، أما فيما يتعلق بدستور الحجاز الإداري والديني فإنه يترك أمر تقريره إلى
ممثلي الدول الإسلامية، الذين ينتخبون لجنة يعهد إليها أمر تطبيق الدستور المذكور.
(د) أن تترك إنكلترة له حق تعيين ممثلي حكومة لوندرة في العراق
وشرقي الأردن وفلسطين والبصرة والكويت.
(هـ) أن تعترف له بإطلاق لقب الجلالة عليه نظير اعترافها بلقب أمير
الأفغان والملك فيصل.
(و) أن تضع حدًّا لنشر الدعاية ضده في الهند والعراق والبلاد الأخرى
الواقعة تحت النفوذ الإنكليزي، والتي تمثل الوهابيين كزنادقة.
فردت عليه إنكلترة مقدمة له المطالب التالية: -
(أ) بقاء الحالة على ما هي عليه في شبه جزيرة العرب وتبذل جهودها في
الحصول عليه خلا ما يتعلق بالحجاز طبعًا، ويتعهد ابن السعود أن لا يقسم شبه
جزيرة العرب إلى منطقتي نفوذ، يختص المنطقة الشمالية بنفسه والمنطقة الثانية
بصديقه الإمام يحيى إمام اليمن، وأن لا يعقد مع الإمام يحيى محالفة ما، بل يجب
عليه بالعكس أن يعقد محالفة مع خصم الإمام يحيى؛ أي: مع سعيد بن علي
الإدريسي إمام العسير، وأن يدعمه عند الحاجة.
(ب) أن يعدها ابن سعود بأن لا يهاجم شرق الأردن ولا معان والعقبة
وتبوك، وهي الأراضي التي انضمت مؤخرًا إلى شرقي الأردن؛ أي: أن يحترم
البلاد الواقعة تحت الانتداب الإنكليزي.
(ج) أن يحترم وأن يحمي السكة الحديدية التي تصل شرقي الأردن بالمدينة
ليؤمن طريق الحج.
(د) أن لا يقوم بأي حركة عدائية على حدود العراق الجنوبية.
(هـ) أن لا يهتم مطلقًا بالمسائل المتعلقة بإمارات خليج فارس، وبنوع
خاص إمارتي الكويت والبحرين.

(المنار)
نقل هذا الخبر بعض الصحف السورية والمصرية بما فيه من تحريف وغلط،
فالتحريف كالتعبير عن الكويت بالكوفة، والغلط كالتعبير عن الإدريسي وإمارته
بسعيد ابن علي إمام العسير، والصواب السيد علي بن محمد علي أمير تهامة اليمن،
فإن منطقة عسير تابعة لسلطنة نجد بمقتضى اتفاق سابق مع المرحوم السيد محمد
علي الإدريسي وسلطان نجد، ومنها مطالب حرف (د) والظاهر أن المراد منه أن
يكون لنجد ممثلون في تلك البلاد.
وقد ارتابت بعض الجرائد في صحة هذا الخبر، ولكن المطالب المعزوة إلى
الفريقين هي التي تتبادر إلى الأذهان، وإن أعلن سلطان نجد لا يبغي ضم الحجاز
إلى بلاده، فالظاهر أن الكاتب الفرنسي صورها بما ذكر إذا لم يكن للخبر أصل،
وقد بينا في مقال آخر ما يبغي الإنكليز من سلطان نجد، ونزيد على ذلك موافقة
الكاتب على أنهم يودون لو يعادي إمام اليمن؛ لتتمكن إنكلترة من تهديد كل منهما
بالآخر أو حملهما على القتال لتفني هذه القوة الباقية في جزيرة العرب بأيدي أهلها،
وقد قيل: إن دسائسهم فعلت هذه المرة فعلتها في إمام اليمن، فأغرته بالتحرش
بسلطان نجد، بعد أن عجزت عن إغراء هذا به، وإنه تصدى هذا بدسائسها
للتدخل في مسألة الحجاز وفاقًا لما كان يزعم المقطم من قبل، فإن صح هذا ولا
نخاله صحيحًا يكون الإمام يحيى قد فقد أكبر فضيلة له عند العالم الإسلامي، وهي
عجز إنكلترة عن خداعه، وجعله آلة لمطامعها في جزيرة العرب، وطالما صرح
المقطم بأنه صارح سلطان نجد بالعداء، وأنه سيرسل جنوده لمساعدة الشريف علي
على إخراج الوهابيين من الحجاز، وكنا وما زلنا نسخر من هذه الدعاية لما عندنا من
الأدلة على كذبها، وكونها ليست من مصلحة الإمام في شيء، فإن من أُسس سياسة
الملك حسين جعل اليمن تابعة له كما صرح به في جريدة القبلة، وسلطان نجد لا
يطلب الحجاز ولا اليمن نفسه، وهو أقدر على مهاجمة اليمن من جهة عسير وجهة
الطائف من مهاجمة الإمام له في الحجاز التي لا فائدة له من تركها له، وأما
مشاركة الإمام لغيره من حكام المسلمين وزعمائهم في تقرير أمر الحجاز وفاقًا لما
دعا إليه سلطان نجد فمعقول، ولا بد للإمام من إرسال وفد؛ لحضور مؤتمر مكة،
وقد كان كتب إلينا بعزمه على ذلك، فهذا أمر يقيني عندنا لا نصدق غيره عنه.
((يتبع بمقال تالٍ))