للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


العالم الإسلامي

الدعوة الرسمية إلى مؤتمر الحجاز
قد جدد السلطان عبد العزيز آل سعود الدعوة إلى عقد مؤتمر إسلامي في مكة،
ولكن بصورة رسمية لا في الجرائد كما فعل أول مرة، فأرسل مكتوبات باسمه
مختومة بختمه إلى الملوك والأمراء ورؤساء الحكومات الإسلامية: كمصر وإيران
والترك والأفغان واليمن وتونس، وإلى أشهر الجماعات العلمية الإسلامية في الهند
وسورية وفلسطين، وعبارة هذه المكتوبات واحدة لا فرق فيها إلا عناوين المرسلة
إليهم، وإننا ننشر نص ما أرسله إلى إمام اليمن تخطئة للمقطم الذي زعم -
تأييدًا لهواه - أن هذه الدعوة لم ترسل إليه، وهذا نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم
السلطنة النجدية وملحقاتها
مكة المكرمة ٨ ربيع الآخر سنة ١٣٤٤ هجرية عدد ٢٢١
من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود إلى حضرة الحسيب
النسيب الأخ المكرم الإمام يحيى حميد الدين حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإننا نرجو لكم ولشعبكم النبيل كل
خير وسعادة ويمن وتقدم، وإني لسعيد أن أمد يدي ليدكم الكريمة بالتعاون على
خدمة الإسلام والمسلمين والبلاد الطاهرة، وإني مملوء ثقة أنه بتعاوننا على الخير
سيكون السبيل السعيد لجميع الشعوب الإسلامية.
يا صاحب الشهامة إني لست من المحبين للحرب وشرورها، وليس لدي
شيء أحب من السلم والسكون والصفاء والهناء والتفرغ للإصلاح، ولكن جيراننا
الأشراف أجبروني على امتشاق الحسام، وخوض غمرات الحرب خمس عشرة
سنة لا في سبيل شيء سوى الطمع على ما بأيدينا، لقد صدونا عن سبيل الله
والمسجد الحرام الذي جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد، ودنسوا البيت الطاهر
بكل نوع من الموبقات مما لا يتحمله مسلم.
لقد رفعنا علم الجهاد؛ لتطهير بلد الله الحرام وسائر بلاد الله المقدسة [١] من
هذه العائلة التي لم تترك سبيلاً لحسن التفاهم وحسن النية، ولما اقترفت من
الشرور والآثام، وإني - والذي نفسي بيده - لم أرد التسلط على الحجاز ولا تملكه،
وإنما الحجاز وديعة في يدي إلى الوقت الذي يختار الحجازيون لبلادهم واليًا منهم
يكون خاضعًا للعالم الإسلامي، وتحت إشراف الأمم الإسلامية، والشعوب التي
أبدت غيرة تذكر كالهنود.
إن الخطة التي عاهدنا عليها العالم الإسلامي، التي لا نزال نحارب من أجلها
مجملة فيما يلي:
(١) إن الحجاز للحجازيين من جهة الحكم، وللعالم الإسلامي من جهة
الحقوق التي لهم في هذه البلاد.
(٢) سنجري الاستفتاء التام لاختيار حاكم الحجاز تحت إشراف مندوبي
العالم الإسلامي، ويحدد الوقت اللازم لذلك فيما بعد، وسنسلم الوديعة التي بأيدينا
لهذا الحاكم على الأسس الآتية:
(١) يجب أن يكون السلطان الأول، والمرجع للناس كافة هو الشريعة
الإسلامية المطهرة.
(٢) حكومة الحجاز يجب أن تكون مستقلة في داخليتها، ولكن لا يصح لها
أن تعلن الحرب على أحد، ويجب أن يوضع لها النظام الذي لا يمكنها من ذلك إذا
أرادت.
(٣) لا تعقد حكومة الحجاز اتفاقات سياسية مع أية دولة كانت.
(٤) لا تعقد حكومة الحجاز اتفاقات اقتصادية مع دولة غير إسلامية.
(٥) تحديد الحدود الحجازية، ووضع النظم المالية والقضائية والإدارية
للحجاز موكول للمندوبين المختارين من الأمم الإسلامية، وسيحدد عددهم باعتبار
المركز الذي تشغله كل دولة في العالم الإسلامي والعربي، وسيضم لهؤلاء ثلاثة
مندوبين من جمعية الخلافة وجماعة أهل الحديث وجمعية العلماء في الهند.
هذا ما نويناه لهذه البلاد، وما سنسير عليه في المستقبل إن شاء الله تعالى،
وإنا لنا الأمل العظيم في أن تسرعوا في إرسال مندوبيكم، وإخبارنا عن الوقت
المناسب لعقد هذا المؤتمر، هذا ما لزم بيانه، وفي الختام تقبلوا ما يليق من
التحيات والاحترام.
... ... ... ... ... ... ... ... ... (ختم السلطان)
***
خطبة الحكيم محمد أجمل خان في الهند
فيما استفاده في رحلته الأخيرة
قالت جريدة الخلافة الهندية الغراء:
(انعقد في عاصمة الهند (دهلي) اجتماع عظيم حضره آلاف مؤلفة من
علية القوم، وأهل العلم والفضل من الزعماء والرؤساء وقواد الأمة وساستها
ورجال الأمة ومديري شؤونها، لسماع كلمات الزعيم الجليل مسيح الملك الحكيم
محمد أجمل خان بعد عودته من سياحته التي استغرقت ستة أشهر كاملة) .
وهذه ترجمة ما ألقاه عليهم:
(قال) : إنني بعد أن قضيت عدة أشهر ستة في زيارة بلاد العرب، ومعظم
الممالك الشرقية، عدت الآن بفضله تعالى إلى وطني ووطنكم المقدس.
إن قلبي لمفعم بما رأيته أثناء رحلتي في بلاد تتطلعون دائمًا إلى معرفة
شؤونها، والإحاطة بأفكار أبنائها، وآراء زعمائها السياسيين، ورؤسائها الدينيين،
وما يتكنفهم من الأحوال والأهوال، وما هم عليه من الرقي والانحطاط، ولكن
ضيق الوقت يحملني على طرق باب الاختصار، فأكتفي ببيان استنتاجي مما
سمعته ورأيته في رحلتي هذه، وأما تفصيل الرحلة بأكملها فيذهب بأوقاتنا العزيزة
سدىً، ونحن أحوج الناس إلى الوقت لتصريف أمورنا.
زرت كثيرًا من الممالك الغربية، وألممت بأفكار عربية، ثم عدت إلى البلاد
الشرقية المحبوبة كالشام ومصر وفلسطين وغيرها، قابلت أبناء هذه البلاد
واختلطت بهم، ومكثت بين ظهرانيهم مدة نتبادل الآراء والأفكار، متجاذبين
أطراف الأحاديث في مختلف الشؤون، فإذا روح النهضة القومية منتشرة فيهم،
وإذا الشعوب الشرقية المهضومة يكادون يعرفون ما لهم وما عليهم من الحقوق
والواجبات، وإن في العالم الإسلامي اليوم حركة عظيمة جدية، تنبئ بتحقيق
النتيجة المنشودة، وتخليص الشرق يومًا من الأيام من براثن الغرب، فتنال كل
مملكة من ممالكه، وكل شعب من شعوبه حريته، ويسترد استقلاله، ولكن أيها
السادة لا يمكنني تحديد ذلك اليوم المنشود، وإنما هو موقوف على مجهوداتكم
الصادقة، وتضحياتكم واستهدافكم لأشد مما ذقتموه من العذاب والآلام في هذه
السبيل، والله يحرسكم بعين عنايته إذا أخلصتم النية وصدقتم العزيمة.
أيها السادة: إني رأيت ولاحظت في رحلتي هذه -ويالهول ما شهدت ورأيت-
رأيت منظرًا مريعًا، ومشهدًا فظيعًا، وسيشاركني كل ذي غيرة على قومه ودينه
في الأسف على هذا المصاب الأليم، مصاب الطبقة المتعلمة، رجال المستقبل
المعقودة عليهم آمالنا والذين سينوبون عنا في الجهاد الديني والوطني، وسيتولون
قيادة شعوبهم وصون كرامتهم وحفظ كيانهم، هذه الطبقة أخذت تنبذ الدين وراء
ظهرها، وتترك صراط الله العزيز الحميد، أخذت تنحو نحو اللادينيين، وتميل إلى
التفرنج أكثر مما تميل إلى عوائد قومهم واتباع سنن من قبلهم، فإذا استمر أفراد هذه
الطبقة على هذه الحالة، وتمادوا في تجرع كأس اللادينية وإساغته، فعلى الوطن
والوطنية والدين والمستقبل السلام. فويل للأمة، ثم ويل لها إذا تركت أبناءها في
ظلمات الجهل بالدين وديجور الإلحاد. فالدين هو أمضى سلاح في يد الشعوب
والأمم، يمكنهم أن يشقوا به غمام الظلم، ويثلوا به عرش الاستبداد والاستعباد، ومن
الأسف الشديد أن هذه الحالة أخذت تنمو بسرعة شديدة في شبان الترك ومصر
ومتعلمي البلاد العربية، وإبادة هذه الجرثومة القتالة في جسم الشرق المحبوب هينة في المبدأ، ففرض علينا منع تيارها الجارف، ويجب أن نقيم أمامه سدًّا منيعًا
من التعليم الديني الحقيقي حتى لا ترتفع رايتها السوداء فتكتسح البقية الباقية.
إن مسلمي العالم الإسلامي يكادون يكونون كتلة واحدة، وتتحد كلمتهم في
مسألة الخلافة وضرورة مقامها؛ لإصلاح أمورهم الدينية والسياسية، وخير وسيلة
لديهم لنيل مطلوبهم هذا انعقاد مؤتمر إسلامي عام، يجمع مندوبي العالم الإسلامي،
فيبحثون فيما ينفعهم وما يضرهم، ويمهدون طريق سعادتهم الدنيوية والأخروية،
إن أكثر الشعوب الإسلامية يرجحون عقد هذا المؤتمر في مكة المكرمة، وإن
خالفهم بعض آخر في رأيهم هذا.
ومما اطلعت عليه أثناء رحلتي أن الشعوب الإسلامية تعترف بما للهند من
الخدمات البريئة عن الهوى، وتمتاز الأمة المسلمة الهندية في هذا الميدان بنزاهة
أفرادها في الأغراض، وبراءة مجهوداتهم من المقاصد الخبيثة الذاتية، وأيضًا بما
يتحملونه من أنواع المصائب وصنوف التضحية، وبذل النفس والنفيس في سبيل
الإصلاح.
فقد سمعتم الآن أيها السادة أخباركم وسيرتكم من أفواه إخوانكم الشرقيين
إخوانكم في الدين والوطن، الآن علمتم فيمكنكم تقدير أعمالكم، يمكنكم بكل سهولة
أن تستنبطوا منها أن صدوركم الواجفة بأنواع العذاب وضروب الآلام، وأن أيديكم
البيضاء وغيرتكم الشماء على الدين والوطن، ومساعدتكم لإخوانكم، كل هذه قد
أنتجت ثمرة، وستجنون ثمرها بقلب مطمئن وإيمان ثابت، والفضل في ذلك يرجع
إلى التفافكم حول جمعية الخلافة التي لا تألو جهدًا في الوصول إلى نيل مقاصدها
الشريفة، وحقوقها الشرعية، وكفانا برهانًا على خدمات هذه الجمعية، واعتراف
الشعوب الإسلامية بخدماتها العظيمة، أنهم بدؤوا يقتفون أثر مناهجها، ويختارون
مبادئها، ويترسمون خطاها.
أيها السادة:
إننا لا يمكننا يومًا من الأيام التخلص من براثن أعدائنا، أعداء ديننا ووطننا،
أعداء الإنسانية الحرة، أنصار الظلم والاستبداد، أنصار الاستعباد والاستعمار، إلا
إذا أصلحنا حال تعليم أبنائنا وربيناهم تربية صحيحة، وجعلنا محور التربية التعليم
الديني، فإذا هم عرفوا الدين الحقيقي عرفوا الوطن وحقوقه وواجباته، فاسترخصوا
كل تضحية دونه، وصانوا عرضه، وحفظوا بيضته، وإني ليسرني جدًّا أن هذه
الفكرة سائدة في جميع الممالك الإسلامية، إلا أن التنفيذ لا يزال في حيز العدم)
ثم ختم الخطيب كلامه بالثناء على الجامعة الملية الكبرى في دهلي وعلى
أساتذتها، وبالدعاء بالنجاح والفلاح.
***
خطبتان لعالم سوري في الهند
أرسل إلينا صديقنا ووطنينا الأستاذ الفاضل الشيخ محمد عارف سلهب
الطرابلسي هاتين الخطبتين اللتين ألقاهما في عليكره بالهند؛ فننشرهما إجابة لطلبه.
***
الخطبة الأولى - ألقاها بعد قصة المولد
أيها الإخوان:
سعادة الدارين تكون بامتثال الأوامر الإلهية، وبحسن إيفاء الوظائف
الاجتماعية، وتقديم المنافع العمومية على المنافع الذاتية، وبإنشاء المستشفيات
والمدارس العلمية، وببث النصائح والحكم، وببيان أسباب تقدم الأمم، وبالاحتراز
والتوقي مما يعوق التقدم والترقي، فالعلوم الرياضية وعلم الكيمياء والحكمة
الطبيعية لا تخالف الحقائق الدينية، بل لها نفع عظيم في الاطلاع على الحقائق
العلوية والأسرار الربانية، فإن الديانة الإسلامية كافلة لأنواع الاحتياجات
البشرية، ومتكفلة ببقاء انتظام الهيئة الاجتماعية، وقد جاءت بالمصالح الدنيوية
والأخروية، فمن تمسك بها نال السعادة العظمى، والشرف الأسمى.
أيها الإخوان:
من أراد سعادة الدارين فليتق الله فيما أمر، ولينته عما نهى عنه وزجر،
وليشمر عن ساعد الجد والاجتهاد لنشر العلوم وإسعاد العباد، فيا سعادة من استعمر
الأرض، وقام بالواجب والفرض، ونال حياة طيبة وشكر مولاه على ما أولاه،
وجعل دنياه مزرعة لعقباه، ويا خسارة من كانت بضاعته كاسدة، وأخلاقه فاسدة،
محرومًا من النعم الوافرة الفاخرة في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
جاء في الرواية عن الإمام زوج البتول، وابن عم الرسول، باب مدينة العلم
والمواهب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه وكرم الله
وجهه - أنه قال: الداعي بلا عمل، كالرامي بلا وتر. يعني أن الدعاء بلا سعي
ولا اجتهاد لا ينفع العباد، وجاء في الحديث الشريف عن النبي ذي القدر
المنيف، صلى الله عليه وسلم، وشرف وكرم، أنه قال: (خيركم من لم يترك
آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته) [٢] يعني: لا ينبغي ترك الآخرة لأجل الدنيا، ولا
ترك الدنيا لأجل الآخرة، بل يلزم السعي للدنيا وللآخرة. وقال الله تعالى في كتابه
المكنون: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: ٥٦) أي،
ليعرفوني فيمتثلوا أوامري، يعنى ما خلق الله الجن والإنس إلا لإيفاء
الوظائف الاجتماعية والدينية.
***
الخطبة الثانية
قال بعد الحمدلة: أيها الإخوان:
إن الله جلت حكمته، وعلت قدرته، أمر برفع أعلام التمدن [٣] في أقطار
الأرض في طولها والعرض، فمن حسنت ديانته، طابت مدنيته، التدين هو عين
التمدن، كل شخص متدين فهو متمدن، وبالحض على التعاون الاجتماعي وبذل
الهمم والمساعي جاءت الأحاديث النبوية، والآيات الجليلة القرآنية، لا سيما
احترام العلوم النافعة، والمعارف الجليلة الرافعة، قال عليه الصلاة والسلام:
(ارتعوا في رياض الجنة، قالوا: ما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: مجالس
العلم) ، وقال عليه السلام: (إذا لقيتم شجرة من أشجار الجنة فاقعدوا في ظلالها
وكلوا من ثمارها، قالوا: وكيف يمكن هذا في دار دنيانا يا رسول الله؟ فقال عليه
الصلاة والسلام: إذا لقيتم صاحب العلم فكأنما لقيتم شجرة من أشجار
الجنة) [٤] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها
أخذها) [٥] المراد من الحكمة كل علم مفيد، وكل صنعة مفيدة.
فالمدنية الإسلامية استنادها على العلوم النافعة، والأعمال الجليلة الرافعة،
ومدارها على التقوى وعلى اكتساب الكمالات والتزين بالصفات العاليات، فهي درة
تاج المدنيات، قال الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ
أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل: ٩٧) الحياة الطيبة، وما أدراكم
ما الحياة الطيبة؟ هي المعيشة في المدنية، بحالة مرضية، طوبى لمن كانت نعم الله عليهم وافرة، وديارهم بالعلوم والآثار النفيسة عامرة، طوبى لمن كانت
مساعيهم عند الهيئة الاجتماعية مشكورة، وسيرهم الحسنة في صحف التاريخ
مسطورة ...