للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


مؤتمر الخلافة

جدد مجلس إدارة هذا المؤتمر في مصر الدعوة إلى عقده، وحدد الوقت له
فجعله غرة القعدة الحرام من هذا العام؛ لقربه من موسم الحج العام، وأرسل الدعوة
الآتية بإمضاء رئيسه شيخ الجامع الأزهر ورئيس المعاهد الدينية بالقطر المصري
إلى رؤساء الحكومات الإسلامية من ملك وسلطان وأمير - وإلى رؤساء الجماعات
والجمعيات المشهورة - وإلى من عرفت الكتابة العامة للمجلس من أهل الرأي من
علماء المسلمين وكتَّابهم ووجهائهم في الأقطار المختلفة، وقد ساوى في هذه الدعوة
بين أهل السنة السلفيين كأهالي نجد، وأهل الحديث في الهند، والخلفيين في سائر
الأقطار، وبين غيرهم من الفرق الإسلامية ذات الحكومات أو الجماعات الكبيرة
كالشيعة الزيدية، والاثنى عشرية، والإباضية من معتدلي الخوارج، مع العلم بأن
للزيدية إمامًا من أنفسهم، وبأن الاثنى عشرية يقولون بأن الإمامة لمحمد المهدي
ابن الإمام حسن العسكري الغائب عن العيان، المنتظر ظهوره في كل آن، والعلم
بأن بعض الشعوب الإسلامية قد خرج أمر الحكم فيها من يدها، وبأن الحكومات
الإسلامية المستقلة حريصة على عدم خضوعها لخليفة ينصب في غير بلادها.
أصاب المجلس في تعميم الدعوة وتوجيهها إلى جميع فرق أهل القبلة، بل
قيل: إنه وجهها إلى إمام الإسماعيلية، وما هم من أهل القبلة. فإن منصب الخلافة
الذي يراد البحث فيه إن كان خاصًّا بالسواد الأعظم من حيث الحكم والدولة، فإن
النظام الذي يجب وضعه له مما ينبغي أن يشترك فيه جميع أهل القبلة، ويراعوا
فيه حقوق الجامعة العاملة للملة، وإخاء الإسلام الروحي الذي لا يختلف بسبب
الكثرة والقلة، فإن التنازع على هذا المنصب في القرون الأولى قد كان بسياسة
دخيلة أراد بها مبتدعوها التفريق، وصدع الوحدة الإسلامية لمآرب لهم فيها، وقد
تم لهم ما أرادوا من التفريق، ولكن لم ينالوا به تلك المآرب التي أرادوها، وقد
زالت تلك الفتن وجهلت الجماهير ما كان من مقاصد أهلها، ولكن الاختلاف
والتفرق الذي أحدثته ما زال يفتك بالإسلام والمسلمين، وانحصرت فائدته في
خصومهم الساعين في القضاء على دينهم ودنياهم، فصار من الواجب أن يُراعى
في نظام الخلافة جمع كلمة المسلمين على وقاية الإسلام مما يساوره في هذا العصر
من دعاة الإلحاد والإباحية، ثم من دعاة الملل أو البدع المستحدثة، ووقاية المسلمين
من غوائل العصبيات الجنسية والوطنية، فإن في الإمكان قيام كل قوم في كل وطن
بما يرتقون به ويعمرون أوطانهم، مع المحافظة على عقائد الدين وآدابه الواقية من
شرور الإلحاد والإباحية، وعلى المودة بين إخوانهم في الدين من الأقوام المقيمين
في أوطان أخرى، وجعل ما ذكر من جمع الكلمة على الوقايتين والمحافظتين بنظام
يشترك في وضعه مندوبون يمثلون الجميع ليمكن تنفيذه، وبهذا يكون منصب
الخلافة معقد الارتباط بين جميع المسلمين الخاضعين لأحكام الخليفة الحكومية وغير
التابعين لها.
نُشرت الدعوة إلى عقد المؤتمر في الموعد الذي ضُرب له؛ فارتاح لها
جماهير المسلمين الذين كانوا متفقين على اقتراح هذا المؤتمر، وتصدى للصد عنها
والمناقدة فيها فريقان من محرري الجرائد والكاتبين فيها (أحدهما) فريق الملاحدة
واللادينيين الذين يبثون في مصر دعوة الكفر والحكومة اللادينية (وثانيهما)
فريق الذين يظنون أن دعاة المؤتمر من كبار العلماء وغيرهم يريدون جعل الخلافة
في مصر، وهم يرون أن جعلها في مصر- وأعلام الجيش البريطاني مرفوعة فيها
ونفوذ الدولة البريطانية مسيطر عليها - جناية على الإسلام والمسلمين، وقد اتفقت
جرائد الوفد المصري أو السعدي، وجريدة السياسة التي هي لسان الحزب الحر
الدستوري على استنكار عقد هذا المؤتمر بمصر، وإنكار أهلية كبار علماء الدين
للدعوة إليه، وعلى أن مثل هذا الأمر السياسي الخطير من حقوق مجلسي الشيوخ
والنواب المصريين، كما اتفقت على أن جعل الخلافة في مصر يضرها ولا
ينفعها.
نحن لا نريد مناقشة هؤلاء الكتاب، ولا مَن وراءهم من زعماء الأحزاب،
ولكننا على اعتقادنا أن مسألة نصب خليفة للمسلمين يرضاه السواد الأعظم منهم ما
أتى أوانها، ولا مُهدت سبلها. نرى الدعاة إلى عقد المؤتمر لهم حق الدعوة ولمن
دونهم أيضًا؛ لأنها دعوة إلى أمر مشروع ومصلحة عامة، ولكن ليس لهم وحدهم
حق الفصل فيها، وهم لم يدَّعوا هذا الحق، بل دعوتهم برهان على عدم دعواهم،
ونرى أنه ينبغي لكل من قدر على إجابة دعوتهم أن يجيبوها، وأن فوائد عقد
المؤتمر التي لا يمكن المراء فيها هي البحث في نظام الخلافة وفوائده وبيان أحوال
الشعوب الإسلامية ووسائل استفادتهم منه، وأهمه ما أشرنا إليه آنفًا من الوقايتين
والمحافظتين، والراجح عندنا أن مؤتمر هذا العام لا يتمكن من النظر في اختيار
الخليفة مطلقًا، بل نشك في قدرته على وضع نظام الخلافة وتقريره في عشرة
الأيام المحددة لاجتماع المؤتمر، وقد اقترحت جريدة الاتحاد التي هي لسان الوزارة
المصرية الحاضرة والبلاط الملكي تأجيل انتخاب الخليفة إلى مؤتمر آخر يعقد في
غير مصر.
وليتدبر العقلاء والزعماء عاقبة فشل هذا المؤتمر، وليعلموا أنه عار عظيم
عليهم ومبطل للثقة بالدعوة إلى مؤتمر آخر، وهو ما لا بد منه، فعليهم بالحزم
والإقدام، وطرح الوساوس والأوهام، فقد ثبت أن في مصر من الحرية لإقامة هذا
المؤتمر واستقلال جميع من يحضره بإبداء آرائهم فيه بدون محاباة ولا مراعاة لغير
المصلحة العامة.
***
نص الدعوة الرسمية لحضور مؤتمر الخلافة
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله محمد أبي الفضل شيخ الجامع الأزهر الشريف ورئيس المؤتمر
الإسلامي العام للخلافة بمصر.
إلى حضرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعد: فإني أحمد الله إليكم، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد الداعي إلى الله
بإذنه، وعلى آله وصحبه الذين جمعوا كلمة المسلمين، وأظهروا شأن الدين
خصوصًا الخلفاء الراشدين.
ثم أنهي إليكم أنه لا بد أن يكون قد وصل إلى علمكم ما قررته الهيئة العلمية
الدينية الإسلامية الكبرى بالديار المصرية يوم الثلاثاء ١٩ شعبان سنة ١٣٤٢ هـ
(٢٥ مارس سنة ١٩٢٤م) في شأن الخلافة، بعد أن حدث من الأتراك ما حدث في
أمرها.
وإنا ملحقون بكتابنا هذا صورة ما قررته الهيئة العلمية المشار إليها، وقد
تضمنت المادة الرابعة عشرة منه أنه من الضروري أن يعقد مؤتمر ديني إسلامي
عام، يدعى إليه ممثلو جميع الأمم الإسلامية للنظر في أمر الخلافة من الوجهة
العلمية الدينية، وأن يكون عقد المؤتمر برياستنا في مدينة القاهرة في شهر شعبان
سنة ١٣٤٣ هـ (مارس ١٩٢٥م) .
وبعد ذك ألفنا مجلسًا إداريًّا للمؤتمر، فاهتم بإرسال ذلك القرار إلى الأمم
الإسلامية، وبدعوة ممثليها إلى حضور المؤتمر العام، واتخذ لذلك وسائل كإرسال
الكتب الخاصة والنشر في مجلة المؤتمر وفي الصحف السيارة، وسعى في هذا
الأمر جهده، ونشر قرار الهيئة العلمية بألسِنة مختلفة في الجهات الإسلامية.
وبعد ذلك جدَّت أمور لها اتصال بالحال الإسلامية العامة، وأهمها ما كان في
جزيرة العرب من الاضطراب والحرب، ووردت اقتراحات من أهل الرأي
والمكانة في العالم الإسلامي، فكان من اللازم النظر في ذلك بما يلائمه وفاءً بحق
الإسلام والمسلمين.
فاجتمع المجلس الإداري للمؤتمر برياستنا يوم السبت ٢٢ جمادى الآخرة سنة
١٣٤٣هـ (١٧ يناير سنة ١٩٢٥م) ونظر في هذه الشؤون فرآها تتطلب تريثًا
وسعة في الوقت تتجاوز الموعد المحدد لعقد المؤتمر، فقرر تأجيله سنة مراعاة لتلك
الاعتبارات، ومحافظة على الصلة بين المسلمين، وعلى جمع كلمتهم في أمر
الخلافة، وانتظارًا لأن يحضر المؤتمر أكثر عدد ممكن من ممثلي الشعوب
الإسلامية. وقدَّر المجلس أن هذه الفرصة الزمنية تسع انجلاء الحوادث التي غشيت
جزيرة العرب، وانقضاء الحرب من بلاد الحجاز، وأنها من أهم البلاد الإسلامية
التي ينبغي أن تمثل في المؤتمر، وتسع معالجة الاقتراحات الواردة، ومعالجة غير
ذلك من الأمور.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها في بلاد الحجاز اجتمع المجلس الإداري
للمؤتمر برياستنا يوم الأربعاء ٢٠ رجب سنة ١٣٤٤ هـ (٣ فبراير سنة ١٩٢٦م)
واطلع على الإجابات الواردة من الأمم الإسلامية بالاشتراك في المؤتمر، وقرر
أن يعقد المؤتمر الإسلامي العام للخلافة في مدينة القاهرة ابتداء من يوم الخميس
أول شهر ذي القعدة الحرام سنة ١٣٤٤هـ (١٣ مايو سنة ١٩٢٦م) ثم قرر أن
تنتهي جلسات المؤتمر يوم السبت ١٠ شهر ذي القعدة (٢٣ مايو) المذكورين.
وقرر أن تُوجَّه الدعوة العامة والخاصة إلى الأمم الإسلامية؛ ليحضر المؤتمر
ممثلوها ممن يقع الاختيار عليهم من أهل العلم والرأي والمكانة.
فالإسلام يدعوكم إلى حضور المؤتمر، وغيرتكم الدينية تحتم عليكم ذلك. إن
هذا المؤتمر أول مؤتمر إسلامي عام يجتمع فيه المسلمون؛ ليؤدوا فريضة النظر
في أهم شؤونهم الدينية، وإن في ذلك لتشييدًا لدعائم الإسلام، ورأبًا لصدع
المسلمين، فكل مسلم غيور على دينه يهمه أن يحضر المؤتمر الإسلامي العام،
ويتغلب على ما عسى أن يعترضه من المشقات في سبيل الله والدين.
إن في حضور المؤتمر الإسلامي العام لمظهرًا عظيمًا لاتحاد المسلمين وإن
تباعدت أقطارهم، وتحقيقًا لقوله تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات:
١٠) ولقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: ٣٨) ولقوله
تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} (المائدة: ٢) ولقوله صلى الله عليه
وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) .
فنرجو أن يأتينا منكم خطاب أو برقية في وقت قريب بحضوركم أو حضور
من يقع الاختيار عليه من المندوبين للاحتفاظ بحقكم في التمثيل، كما نرجو تعيين
زمان الحضور إلى القاهرة.
إن النظر في أمر الخلافة أو الإمامة العظمى والأخذ بالشورى، مما يدعو إليه
الدين الإسلامي، وقد جاء في المادة الثانية عشرة من قرار الهيئة العلمية الدينية
الإسلامية الكبرى (إن منصب الخلافة له في نظر الدين الإسلامي ونظر جميع
المسلمين من الأهمية ما لا يعدله شيء آخر، لما يترتب عليه من إعلاء شأن الدين
وأهله، ومن توحيد جامعة المسلمين، وربطهم برباط قوي متين، فالواجب على
المسلمين أن يفكروا في نظام الخلافة، وفي وضع أسسه على قواعد تتفق هي
وأحكام الدين الإسلامي، ولا تتجافى عن النظم الإسلامية التي رضيها المسلمون
نظمًا لحكمهم) .
فندعوكم بلسان الدين إلى حضور المؤتمر الإسلامي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال: ٢٤) .
نسأل الله أن يحقق رجاء المسلمين ويمدهم بمعونته، ويذلل لهم الصعاب،
وييسر لهم السبل حتى يحضر ممثلوهم المؤتمر الإسلامي العام، ويُشهدوا الله ورسوله والمؤمنين على أنهم قاموا بما أمر الله، ولم يخشوا في الله لومة لائم.
اللهم فاشهد أننا قمنا بما فيه الخير والصلاح، وبيدك التوفيق والنجاح
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رجب سنة ١٣٤٤ ... ... ... ... ... شيخ الجامع الأزهر
فبراير سنة ١٩٢٦ ... ... ... ... ... ورئيس المؤتمر
... ... ... ... ... (الختم)