فصول الكتاب

الكاتب: محمد عرفة


حكم الشرع الشريف في لبس القبعة

بيان أصدره المعهد الديني في الإسكندرية، ورغب إلينا في نشره [1] .
دعا بعض الشبان المسلمين في مصر من تلاميذ المدارس إلى التشبه بالأمم
الأوروبية المسيحية فيما يلبسون على رؤوسهم، وأرادوا حمل أنفسهم وغيرهم على
خلع الطرابيش واستبدال القبعات بها، وأيدهم في ذلك بعض الكتاب في مصر.
ولما كان الظن بأولئك وهؤلاء أنهم لم يدعوا إلى ما دعوا إليه إلا لجهلهم حظر
دينهم له وسوء نسبة ما يريدون أن يتردوا ويردوا غيرهم فيه، وضرر ذلك بالوحدة
الوطنية التي تقطعت بها السبل، ولم يبق لنا طريق إلا هو في إقالة عثرتنا
وإنهاضنا من كبوتنا، وإصلاح ما أثأث يد الغفلات منا، أردنا أن نبين لهم منع
دينهم لما يدعون إليه، وأدلة ذلك وحكمة هذا المنع {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ
وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} (الأنفال: 42) .
ونحن بما قمنا به من ذلك العمل نؤدي نصحًا لأمة وجب علينا ألا نألوا جهدًا
في نصحها، وإنارة السبيل أمامها، ونخدم وطنًا له دين في أعناقنا، ونرجو أن
نخرج بذلك من رذيلة كتمان العلم التي توعد عليها الله أشد الوعيد بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ
يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ
اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ} (البقرة: 159) .
إن المنع من التشبه بالكفار في لباسهم مبني على أصل عظيم في الشرع وهو
النهي عن التشبه بالكفار مطلقًا باطنًا وظاهرًا، والأمر بمخالفتهم فيهما، فلنتكلم عن
ذلك الأصل الآن، ثم نرده بما اندرج فيه من منع التشبه بهم في لباسهم.
***
النهي عن التشبه بالكفار
إن المتتبع لآي القرآن الكريم والسنة النبوية وما جاء عن الصحابة والتابعين
والأئمة المجتهدين يعتقد ذلك الأصل الذي قدمناه وهو النهي عن التشبه بمن خالفنا
في الدين. فأما القرآن الكريم فمنه قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ
فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ
الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ} (الجاثية: 18-19) . وقوله:
{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا
تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (النساء: 115) وقوله {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا
أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} (المائدة: 48) . وقوله {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ
وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (المائدة: 49) . وقوله {وَأَنَّ
هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} (الأنعام:
153) . وقوله {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً
فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ
كَالَّذِي خَاضُوا} (التوبة: 69) .
فإن قيل إن آي القرآن هذه تنهى عن التشبه بهم فيما كان فعله مفسدة في نفسه
من الاعتقادات الباطلة والاستمتاع بالخلاق ... إلخ - وليست نصًّا في النهي عن
التشبه بهم فيما ليس فعله مفسدة في نفسه وليس يأتيه الفساد إلا من جهة التشبه بهم -
قلنا: إن السنة انتظمت الأمرين جميعًا والسنة مبينة للكتاب، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا
إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44) .
***
(السُّنّة)
روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - قال: (ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبَّهوا باليهود ولا
بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالكف)
وروى أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: (صوموا
يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود، صوموا يومًا قبله ويومًا بعده) [2] وروى مسلم من
خطبة حجة الوداع قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت
قدمي موضوع) وروي في الصحيحين عن رافع بن خديج قال: (قلت يارسول الله
إنا لاقوا العدو غدًا وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: ما أنهر الدم وذكر
اسم الله عليه فكلْ، ليس السِّن والظُّفر وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم وأما الظفر
فمدى الحبشة) وروى أبو داود في سننه وغيره من حديث الآذان: (اهتم النبي -
صلى الله عليه وسلم - للصلاة كيف يجمع لها الناس؟ فقيل له: انصب راية عند
حضور الصلاة فإذا رأوها أذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، فذكروا له القنع شبور
اليهود - أي البوق - فلم يعجبه ذلك وقال: هو من أمر اليهود، قال: فذكر له
الناقوس، فقال: هو من فعل النصارى) إلخ الحديث.
***
أقوال الصحابة
روى الإمام أحمد أن عمر لما دخل بيت المقدس، وأراد الصلاة سأل كعبًا أين
ترى أن أصلي؟ قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فقال عمر:
ضاهيت اليهود، لا، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فتقدم إلى القبلة فصلى.
ودعي حذيفة بن اليمان إلى وليمة فرأى شيئًا من زي الأعاجم، فخرج
وقال: من تشبه بقوم فهو منهم [3] ، ودخل على أنس بن مالك غلام له قرنان أو
قصتان فمسح على رأسه وبرك عليه وقال: احلقوا هذين أو قصوهما
فإن هذا زي اليهود.
***
أقوال الأئمة المجتهدين
علل الأئمة النهي عن كثير من الأشياء بمخالفة الكفار أو مخالفة الأعاجم وهو
أكثر من أن يمكن استقصاؤه، فمن ذلك أن الحنفية كرهوا تأخير المغرب، وقالوا لِما
فيه من التشبه باليهود، وقالوا: إن صام يوم الشك ينوي أنه من رمضان، كره
لأنه تشبه بأهل الكتاب؛ فإنهم زادوا في مدة صومهم، وقالوا: أيضًا لا يجوز
الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة للنصوص ولأنه تشبه بالكافرين، وقد تكلم
أصحاب أبي حنيفة في تكفير من تشبه بالكفار في ملابسهم وأعيادهم.
وقال مالك: لا يجوز أن يحرم بالأعجمية ولا يدعو بها ولا يحلف، وقال:
يكره ترك العمل يوم الجمعة كفعل أهل الكتاب يوم السبت والأحد، وقال بعض
أصحاب مالك: من ذبح بطيخة في أعيادهم فكأنما ذبح خنزيرًا.
وعلل الشافعية النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس، لأن المشركين
يسجدون للشمس حينئذٍ، وذكروا في تأخير السحور: إن ذلك فرق بين صيامنا
وصيام أهل الكتاب، وقال الإمام أحمد: (أكره النعل الصرار وهو من زي
العجم وكره حلق القفا وقال: هو من فعل المجوس) ، وقال: (من تشبه بقوم فهو
منهم) [4] وكره تسمية الشهور بالعجمية، والأشخاص بالأسماء الفارسية.
***
ما ورد من النهي عن التشبه بالكفار في اللباس
وقد وردت آثار كثيرة تَنهى عن التشبه بالكفار في لباسهم فمن ذلك ما يأتي:
روى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن التشبه
بالأعاجم وقال (من تشبه بقوم فهو منهم) وروى أبو داود [5] من حديث ركانة قال
سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم- يقول (فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم
على القلانس) وروي أيضًا عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم- أو قال: قال عمر: (إذا كان لأحدكم ثوبان فليصلّ فيهما فإن لم يكن له إلا
ثوب فليأتزر ولا يشتمل اشتمال اليهود) وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه
من حديث عياش عن بن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم-: (نهى عن
أن يجعل الرجل بأسفل ثيابه حريرًا مثل الأعاجم أو يجعل على منكبيه حريرًا مثل
الأعاجم) وروى مسلم عن عبد الله بن عمر قال: (رأى النبي - صلى الله
عليه وسلم- علي ثوبين معصفرين فقال: إن هذه من ثياب الكفار لا تلبسها) .
***
أقوال الصحابة في التشبه بهم في اللباس
كتب عمر بن الخطاب إلى عامله على أذربيجان عتبة بن فرقد: (ياعتبة
إياك وإيا التنعم وزي أهل الشرك) ومما أخذه عمر على أهل الذمة فيما شرطوه
على أنفسهم قولهم أن نلزم زيَّنا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين في شيء من
ملابسهم قلنسوة أو عمامة، ورأى علي قومًا قد سدلوا في الصلاة، فقال: ما لهم
كأنهم اليهود خرجوا من فهورهم أي (مدراسهم) .
***
حكمة الشارع في النهي عن التشبه بالكفار والأمر بمخالفتهم في لباسهم
فإن قيل: قد علمنا حكمة الشارع في النهي عن التشبه بالكفار في عقائدهم،
وهي أنهم كانوا على عقائد باطلة وأخلاق فاسدة، فنهى الشارع عن أن نعتقد
اعتقادهم ونتخلق بأخلاقهم لما في نفس هذه الاعتقادات وتلك الأخلاق من قبح
وفساد، فما الحكمة في النهي عن التشبه بهم في لباسهم وزيهم وعاداتهم؛ مع أن
نفس اللباس والزي ليس فيه فساد؟ وهل فرق بين لباس ولباس؟ قلنا:
إن للشارع في ذلك حكمة وهي: أنه يريد أن يجعل من المسلمين أمة متجانسة؛
متحدة ذات أخلاق وعادات، ونزعات، وعقائد، ومشارب متحدة فلما وفق بينهم في
الهدى الباطن أراد أن يوفق بينهم في الهدي الظاهر ليكمل هذا التوافق والاتحاد،
وأن الاتحاد في الزي الظاهر أدعى على التحاب والتوادّ والمشاكلة والمجانسة، ولذلك
يقول علماء الاجتماع: (إن الاتحاد في العقيدة واللغة العادة واللباس من مقومات
الأمة؛ ومن دواعي وحدتها؛ فتكون بينهما وحدة معنوية تجعلها كشخص
واحد؛ إذا رمت عن قوس واحدة، وإذا لاقت الخطوب لاقتها جميعًا) .
وأخرى، وهي: أن الشارع أراد أن يجعل للمسلمين زيًّا مخصوصًا ليتمايزوا
فيتعارفوا لأول وهلة وبادئ الأمر، فيقدم أحدهم للآخر ما يقدر عليه من خير،
ويدفع عنه ما يقدر على دفعه من شر، ويختصه بمعاملته؛ فتكون معاملاتهم
ومتاجراتهم بعضهم مع بعض ما أمكن ذلك، وبذلك تكون خيراتهم لهم ومنافعهم
منهم وإليهم، وقد أدركت ذلك (الجمعيات السرية) كالماسونية فجعلوا علامة تميز
بينهم وبين غيرهم لهذا الغرض.
لست أدري كيف يجمع هؤلاء الدعاة إلى تغيير زيهم ولباسهم بعد أن أصبح زيًّا
قوميًّا بين الدعوة إلى ذلك وبين الدعوة إلى الوطنية التي يتفانون فيها؟ ليست
الوطنية ألفاظاًَ تُلاك، وجملاً يملأ الشخص بها ماضغيْه، إنما هي أن يعطف
الوطني على أخيه الوطني، ويختصه بمعونته ومنافعه، وأن يقوم أهل الوطن
بالتعاون على جلب الخيرات إليهم ودفع المضرات عنهم، وكيف يسلس لهم ذلك
إذا انبهموا فيما سواهم من الأمم المغيرة عليهم، وغمرتهم هذه السيول الجارفة من
الشعوب النازحة إليهم.
ألا إن مصر كانت تأكل فاتحِيها فتهضمهم وتحيلهم إلى عصارة تتحول إلى
لحم ودم وأعصاب يتقوم بها بدنها، والآن يسعى أبناؤها ليأكلها غيرها من الشعوب
الأخرى، وتنماع فيهم كما تنماع القطرة في المحيط.
قالوا: إن لبسنا القبعة طريق إلى ذلك الحلم اللذيذ، وهو الوحدة الإنسانية
العامة، والوحدة الإنسانية أغنية يتغنى بها الدكتور منصور فهمي ومحمد أفندي
دياب وغيرهما، ونحن نقول لهؤلاء: إن وقت هذه الدعوة لم يحِن، إن الأمم
تسعى في إنماء قوميتها وتقويتها، والوحدات القومية والجنسية والدينية هي أسلحة
الأمم في الحياة وحصونها المنيعة ومعاقلها الرفيعة، فإذا دعوتم إلى الاندماج في
الإنسانية العامة، والأمم على ما ذكرنا من تقوية قوميتها، فلستم تفعلون أكثر من
تجريد أمتنا من أسلحتهم وحصونهم، فتلتهمهم الأمم ذوات المعاقل والحصون -
اتركونا من نشيد الموت هذا، وأنشدونا نشيد الحياة، ووجهوا كل ما في الأمة من
جهود وتعليم وأخلاق وعادات إلى بناء القومية، والاحتفاظ بما فيها من مقومات -
نسائلكم بالله لا تفرقوا وحدتنا، ولا تحلوا عقدتنا، ولا تفكوا رابطتنا، ولا تقولوا:
إن الأتراك قد سبقونا إلى ذلك، فلسنا مثل الأتراك ولا الأتراك مثلنا، إن الجسم
القوي فيه مناعة وحصانة من الأمراض أما الجسم الضعيف فأدنى الأمراض يفتك
به، ويحل ارتباطه وتماسكه [6] .
وقالوا أيضًا: إن زيَّنا زيّ أهل الجمود والتأخر، وتلك القبعة زي أهل
المدنية والتقدم، وإننا نتشبه بهم في قبعاتهم لنتقدم ونتمدين كما تقدموا وتمدينوا. لو
كان التمدين بخلع لباس ولبس لباس غيره لكان أهل الأرض جميعًا متمدينين،
ولكنتم أعجز الأمم؛ إذا مكثتم هذا الزمن الطويل في هذه الضعة، والكمال في
متناول أيديكم لن يكلفكم أكثر من خلع لباس ولبس لباس غيره.
لا يا سادة، الشقة بعيدة والطريق وعثاء شديدة، والمعالي لا تُنال على الدعة
والراحة واللعب، إنما هي منيعة لا ينالها إلا أروع جليد يركب الأهوال أهول من
الأهوال، ويخبط الصخر أصلب من الصخر، ويلمس الليل أخشن من الليل
ويهجم على الأسد في عرينه الأسد ليثًا حديد الأنياب والبراثن يلاقي حديد الأنياب
والبراثن:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال
ليس التمدين والتقدم بتغيير لباس الرأس، وإنما هو بتغيير ما في الرأس،
فبدل أن تعمدوا إلى رؤوسكم فتجردوها من لباسها، اعمدوا إلى ما بداخلها فجردوها
من أوهام وخرافات قد عششت وباضت وأفرخت وسدت مسالك الأمور عليكم،
وقعدت بكم عن كل خير، وورطتكم في كل تهلكة، وجمحت بكم فأوردتكم موارد
ماؤها آسن ومرعاها وخيم، وانزعوا منها خلق الضعف والانحلال الذي قعد بكم
عن مجاراة الأمم ومزاحمة الشعوب، وبطأ بكم عن قوم جدّوا فكانوا السابقين
الأولين، وكنتم القاعدين المتخلفين، وبدل أن تُحلوا رؤوسكم بقبعات الأمم الأخرى
حلوا ما بداخلها بالعلم والمعرفة، وزينوها بالفضيلة والخلق الصالح المتين. بهذا
وحده تتقدمون، وأقسم لكم أنكم ما دمتم مجدبي الرؤوس من الفضيلة والعلم، لن
ينفعكم لبس القبعات ولو وضعتم هرمًا من قبعات، قاعدته فوق رؤوسكم وقمته
تتصل بعنان السماء.
يخيل إلي أن أشباحًا غير منظورة تتآمر على تمزيق جامعتنا، وقطع
أواصرنا ووشائجنا، وأن هذه الأيدي الخفية تخرج لنا بين حين وآخر وشيجة من
وشائج الصلة بيننا؛ فتضعها بين شقي مقص حديد، وأننا إذا (لِنَّا) في أيديهم
سيقطعون وشائجنا وشيجة وشيجة، وسينقضون حبالنا حبلاً حبلاً، ويفكون عرانا
عروة عروة، حتى نصبح ولا جامعة تجمعنا، أرسالاً بددًا ككومة من أنقاض، لا
أتساق بينها ولا ارتباط.
الآن، قد بينا حكم الله في تغيير الزي والحكمة الاجتماعية فيه، وبينا فيه ضرر
ذلك لوحدتنا وقوميتنا، فإن كنتم أيها الدعاة مسلمين فأجيبوا داعي الله يغفر لكم من
ذنوبكم ويُجركم من عذاب أليم، وإن كنتم قد انسلختم عن دينكم فظننا بكم أنكم لم
تنسلخوا عن وطنيتكم، فإن لم تجيبوا تدينًا، فأجيبوا لداعي المصلحة القومية
والوطنية وإنكم إن شاء الله فاعلون - ألا قد بلغت، اللهم فاشهد.

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد عرفة
... ... ... ... أستاذ بمعهد الإسكندرية
الإسكندرية في 10 رمضان سنة 1344هـ.