للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


فتاوى المنار
حكم صلاة مكشوف الرأس
س١ - من صاحب الإمضاء في بيروت (تأخر سهوًا)
حضرة صاحب الفضل والفضيلة سيدنا ومولانا العالم العلامة مفتي الأنام السيد
محمد أفندي رشيد رضا صاحب مجلة المنار الغراء حفظه الله تعالى.
هل تجوز صلاة الرجل المسلم وهو حاسر الرأس، أي مكشوفة بلا حرمة ولا
كراهة ولو لغير ضرورة ولا عذر مطلقًا أم لا؟ تفضلوا بالجواب.
... ... ... ... ... ... ... ... ... السائل
... ... ... ... ... ... ... ... عبد الحفيظ إبراهيم اللاذقي
ج - نعم تجوز صلاة حاسر الرأس إذا كان رجلاً؛ لأنه لا يشترط في صحة
الصلاة من اللباس إلا ما يستر العورة، والرأس عورة من المرأة دون الرجل. ولكن
يستحب أن يكون المصلي في أكمل اللباس اللائق به، ومنه غطاء الرأس بعمامة، أو
قلنسوة، أو كمة (طاقية أو عرقية) ونحو ذلك مما اعتاد لبسه كالطربوش،
فكشف الرأس لغير عذر مكروه، ولا سيما في صلاة الفريضة، ولا سيما مع
الجماعة، فإذا نوى به التشبه بغير المسلمين كان حرامًا؛ لأنه تشبه في متعلقات أمر
ديني. وأما التشبه بهم في الأمور الدينية المحضة الخاصة بهم كأن يفعل فعلاً يعدّه
به من يراه منهم، فقد صرّح الفقهاء بأنه ارتداد عن الإسلام.
***
ملك سليمان ودعاؤه بطلبه وتسخير الريح له
س٢: من صاحب الإمضاء في بورتسعيد؟
بسم الله الرحمن الرحيم
بورتسعيد في ٣٠ رجب سنة ١٣٤٤هـ و ١٣ فبراير ١٩٢٦
حضرة صاحب الفضل والفضيلة الأستاذ المحقق الشيخ محمد رشيد رضا
حفظه الله آمين.
سلامي عليكم وتحية مباركة زكية وبعد، سيدي: لقد بدا لي توجيه سؤالي
الآتي إلى جنابكم بعد أن عجز الكثيرون عن الإجابة عنه، وإني أرجو وأؤمل أن
يكون الجواب تفصيليًّا.
إن سليمان نبي الله عليه السلام قال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ
يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ} (ص: ٣٥) .. . إلخ. ما جاء بالآيات
الكريمات فما هو المراد بالملك في الآية؟ وما هو المراد بقوله: لأحد؟ هل المراد
بأحد أحد الأنبياء أم الكلام عام؟ وإذا كانت الدعوة قد أجيبت فما هو الملك الذي كان
له؟ وهل المراد به فتح البلاد من مطلع الشمس إلى مغربها؟ وإذا كان كذلك فما
هي الأدلة التاريخية التي تؤيده؟ وما الذي حمله على أن يطلب هذا الطلب مع أن
المتبادر إلى الذهن أن الأنبياء يحبون الزهد في الدنيا؟ وإن كان الجمع بين الملك
والنبوة جائزًا. وهل سخّرت له الرياح معجزة أو كان يسبح في الهواء كما يسبح
الناس اليوم؟ وإنما لكل زمن استعداده فيكون هو أول من امتطى ظهر الرياح، وما
هي القوى التي أعطيت له حتى استطاع تسخير الشياطين والجن بلا رؤيتها؟ وما
هو المراد بقوله تعالى {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداًّ ثُمَّ أَنَابَ} (ص: ٣٤) ؟ وما هو
الفرق بين سليمان بن داود نبي الله وبين ذي القرنين المذكور في القرآن الكريم؟
أرجو الإفادة عن ذلك فقد تعبنا شديداً فلم نجد من يدلنا على الحقيقة سواكم، وأنا
منتظر الرد بفارغ الصبر، ولكم مني يا مولاي مزيد الشكر، ومن الله تعالى جزيل
الأجر، وتفضلوا يا سيدي بقبول وافر التحيات والتسليمات.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... خادمكم
... ... ... ... ... ... ... ... محمود محمد النهري
ج - لا نستطيع الآن أن نجيب جوابًا تفصيليًّا عن هذه الأسئلة؛ لأن هذا
يقتضي تأليف رسالة أو كتاب نحن إلى غيره أحوج. وأقول بالإجمال: إن الذي ورد
في تفسير فتون سليمان عليه السلام في الكتب الصحيحة أنه حلف ليطوفن ليلة على
أربعين امرأة من نسائه، وفي رواية سبعين امرأة تأتي كل واحدة بغلام يقاتل في سبيل
الله ولم يقل إن شاء الله، وقد ذكره (ملك) بأن يقول فلم يقل، فحملت امرأة
واحدة من أولئك النساء ووضعت غلامًا مشوهًا هو نصف غلام فألقى على كرسيه
ليعتبر بعجزه، فاعتبر وتاب وأناب إلى ربه، وطلب منه أن يغفر له، ويهب له ملكًا
لا ينبغي لأحد من بعده. وكلمة أحد هنا نكرة في سياق النفي تفيد العموم. وطلب
عظمة الملك ليس منكرًا؛ لأن سليمان عليه السلام لا يريد به إلا ما يقوم به
الحق وحكم الشرع الإلهي والإصلاح بين الناس، فاستجاب الله تعالى
له بما بينه بقوله {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ} (ص: ٣٦) إلى آخر الآيات. ولم
يرد في الأحاديث الصحيحة بيان لتسخير الريح وجريانها بأمره حيث أصاب، وإنما
ورد في التاريخ أنه كان له أسطول في البحر الأبيض المتوسط وأسطول في بحر الهند
يستعملهما في تجارته الواسعة وجلب الذهب والفضة وغيرهما مما استعمله في بناء
هيكل العبادة لله تعالى، فيحتمل أن يكون معنى تسخيرها له أنها كانت تكون عاصفة
في غير الوقت الذي يسير فيه أسطوله، ثم تكون رخاء في الوقت الذي
يسير فيه، وذلك من آيات له الخاصة به عليه السلام.
ويحتمل أن الله سخرها له في أمور خاصة به لم يطلع عليها الناس مما هو
من آيات الأنبياء عليهم السلام غير المقرونة بالتحدي؛ ولذلك لم تذكر في قصة من
سفر الملوك ولا في غيره من تواريخهم في الروايات الإسرائيلية المنقولة عن مثل
كعب الأحبار ووهب بن منبه غرائب وعجائب فيما أوتيه سليمان ألصقت بالقرآن
وصدقها الكثيرون، وتناقلوها من غير عزوها كلها إليهما وإلى أمثالهما. وأما تسخير
الشياطين، فقد ورد في حديث أبي هريرة المرفوع عند الشيخين وغيرهما أن النبي
صلى الله عليه وسلم تراءى له شيطان يريد الوسوسة له فأمكنه الله تعالى منه، وأنه
لولا دعوة سليمان لأمسكه وربطه بسارية المسجد - أي في حال تشكله الجسدي -
ليلعب به صبيان المدينة فهذا الحديث يردّ تأويل من تأوَّل تسخير الشياطين له
بشياطين الأنس وهم عتاتهم الذين كان يستخدمهم في قطع الحجارة الكبيرة ونحت
التماثيل وغير ذلك للمباني العظيمة التي بناها، وأعظمها الهيكل المشهور، على أن
في القرآن تصريحًا بذكر الجن في موضوع الشياطين. والإسرائيليات في هذا
كثيرة أيضًا. ولم يفتح سليمان الشرق والغرب، بل كان ملكه ممتدًا من حدود نهر
الفرات إلى تخوم مصر.
وأما ذو القرنين فهو رجل ضربه الله تعالى مثلاً لما هو مُبَيَن في قصته من
سورة الكهف فسخر له أسباب السياحة في مشرق شمس الأرض ومغربها من
العمران الذي كان في عصره. ومن الأعمال العظيمة الفنية كالسد، فتسخير تلك
الأسباب المجهولة عندنا لذي القرنين يشبه تسخير الريح والشياطين لسليمان،
وتسخير الجبال والطير لوالده ترجع صوته حين كان يسبح الله تعالى بتلاوة الزبور
بصوته الشجي الندي، وإلانة الحديد له ينسج منه الدروع، ولكن أعمال ذي
القرنين كلها كانت بالأسباب المعروفة وإن أُوتى منها ما لم يؤت غيره، وما أُوتي
داود وسليمان كان كله أو بعضه من الآيات الإلهية التي لا تنال بالكسب.
ومن الناس من يظن أن كل تسخير من هذا القبيل يجب أن يكون من الخوارق
التي يغير الله تعالى بها سننه في الخلق وليس كذلك. فهو سبحانه وتعالى يَمنُّ على
عباده بتسخير منافع الكون الطبيعية والصناعية لهم كقوله في سورة إبراهيم عليه
السلام {وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} (إبراهيم: ٣٢-٣٣) ولهذا أمثال.
هذا وإننا ننصح لأخينا السائل ولكل من يطلع على جوابنا هذا بأن يقفوا في
مثل هذه الآيات المنزلة فيما أعطاه الله من المواهب لسليمان عليه السلام عند نصها
ولا يتقيدوا بشيء مما في كتب التفسير عن الصحابة والتابعين فمن دونهم في
تفسيرها وإن صح سندها، ما لم تكن مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن
جل الروايات في بني إسرائيل وأنبيائهم وفي خلق السموات والأرض مأخوذة عن
رواة الإسرائيليات وكان من أمثلهم عندهم كعب الأحبار ووهب بن منبه، ونحن نوقن
بكذب أكثر ما روي عنهما من ذلك وإذا قلنا فيه كله لا نكون مغالين. وقد قال الإمام
أحمد ولا يغرن أحدًا قول المخرجين للتفسير المأثور: عن ابن عباس - رضي الله
عنه - وعن مجاهد وقتادة وفلان وفلان. وعدم ذكر مثل كعب ووهب وغيرهما
في السند، فإن هؤلاء كثيرًا ما كانوا يقولون ما يسمعونه منهما من غير ذكر السماع
منهما إذا لم يكونوا يذكرونه على سبيل الرواية، بل على أنه معنى للآية.
روى عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنه قال: أربع آيات
من كتاب الله لم أدر ما هي حتى سألت عنهن كعب الأحبار، وذكر منها قوم تبع
وجواب كعب المخترع له ولا محل لذكره هنا - قال: وسألته عن قوله {وَأَلْقَيْنَا
عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} (ص: ٣٤) قال: الشيطان أخذ خاتم سليمان الذي فيه
ملكه فقذف به في البحر فوقع في بطن سمكة، فانطلق سليمان إذ تصدق عليه بتلك
السمكة فاشتواها فأكلها، فإذا فيها خاتمة فرجع إليه ملكه. وهذا الجواب من أكاذيب
كعب التي كان يغش بها الصحابة والتابعين لاغترارهم بعبادته وكلامه المنمق الذي
يرويه عن التوراة وغيرها من كتب بني إسرائيل، ويفسر بها آيات القرآن في
أخبارهم وفي أصل الخليقة. فهو كأمثاله التي لا تحصى لا أصل له في شيء من
تلك الكتب، وهو مخالف لنص حديث الصحيحين الذي أشرنا إليه في تفسير {وَلَقَدْ
فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} (ص: ٣٤) ولكن ابن عباس أخذه بالتسليم إذ لم يكن قد بلغه
الحديث المرفوع فيما يظهر، وأنا لا آمن أن يكون بعض أحاديث أبي هريرة
المرفوعة الغريبة المتون التي لم يصرح فيها بالسماع مما رواه عن كعب الأحبار
فقد صرحوا أنه روى عنه.
وقد قال الزركشي في التفسير المرفوع: إنه الطراز المعلم (ولكن يجب الحذر
من الضعيف) والموضوع فإنه كثير.
ولهذا قال الإمام أحمد: ثلاثة كتب لا أصل لها: المغازي والملاحم والتفسير.
قال المحققون من أصحابه: مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحيحة متصلة..
الخ، أقوال وقد غلط من جعل أقوال الصحابة في هذا الباب من قبيل المرفوع بعلة
أنه لا يُعرف بالرأي، وفاتهم أنه من رواية الإسرائيليات، فلا يعد كأحكام الدين
والحلال والحرام.
ثم أقول إن الروايات المتعددة عن سليمان أن ملكه كان بسر في خاتمه وأن
الشيطان أخذ خاتمه فصار يتصرف في الإنس والجن والطير كما كان
يتصرف سليمان، حتى كان يأتي نساءه (!) إلخ، خرافة فيها مفاسد كثيرة، وأنها
وأمثالها معارضة بل منقوضة ومردودة ومضروب بها وجوه مختلقيها وأقفيتهم بقوله
تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ} (ص: ٣٦) إلخ، فالله تعالى يخبرنا أنه استجاب
دعاء فسخر له الريح والشياطين، ولو كان ملكه الذي لا ينبغي لأحد من بعده منوطًا
بسر في خاتمه يمكن أن تسخر للشياطين إذا هم حملوا ذلك الخاتم لم يكن خصوصية
لسليمان نفسه جزاء إنابته واستجابة لدعائه كما صرح به القرآن، وهل هذا إلا مما
كانت تتلوه الشياطين على ملك سليمان وتعزوه إليه من مخلتقات السحر، ولو أنه من
الخرافات والكفر، {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} (البقرة: ١٠٢)
وروجوا كفرهم وفتنوا به بعض المؤمنين بِعَزْوِه إلى سليمان وخاتمه السري، ذي
الطلاسم السحري، ولا يزال شياطين الإنس وسحرتهم على هذا إلى اليوم! !
هذا ما نراه في الجواب الإجمالي، وإذا أحيانا الله تعالى ومنَّ علينا بالوصول
إلى تفسير قصة سليمان عليه السلام من سورة النمل، فإننا نحرر هذا المقام بالتفصيل
وليس لدينا من الوقت الآن ما يسمح لنا بالمراجعة ولا بالتفكر فيه، حتى إننا ذكرنا
الحديثين المرفوعين بمعناهما ولم نراجع نص لفظهما.
***
شركة التأمين وصندوق التوفير في البريد
س٣ - من صاحب الإمضاء في أسوان
أسوان في ٥ - ٨ - ١٩٢٦
أستاذي الأكبر الشيخ محمد رشيد رضا ... ... دام
بعد ما يلزم لسموّ مقامكم من جليل التحية الدينية نلتمس أن تتكرموا بتحقيق
مطلبنا الآتي:
قد علمنا أن حضرة الأستاذ الحكيم، والفاضل الأكبر الإمام الشيخ محمد
عبده تغمده الله برحمته وواسع رضوانه، أفتى بحل وجواز العقد الذي يحصل مع
بنك السيكورتا من جانب المسلمين، وأنه لو هلك مال المسلم في دار الإسلام بأي
سبب من أسباب الهلاك، يحل له ليأخذ من البنك ما تعهد به من المال في مقابل ما
يدفعه المسلم في كل سنة مما يتم الاتفاق عليه. كما يحل له أيضًا وضع أمواله
بصندوق توفير البوستة وتشغيله. وقد اشتهر أن فضيلة الأستاذ الإمام رحمه الله قد
أفتى بجواز ذلك كله، وبما أن فضيلتكم موضع أسرار وحكم حضرة الأستاذ الإمام،
فلنا وطيد الأمل أن تتفضلوا بإجابة طلبنا هذا بأسرع ما يمكن، خصوصًا وأن الأستاذ
الشيخ محمد بخيت قد أجاب من أفتاه من المقيمين بولاية الأناضول بحرمة ذلك
وأفاض في هذا الحكم. وبما أن الأستاذ الإمام لا يقول حكمًا متعلقًا بأصول الشريعة
أو بمبادئ النظر الصحيح إلا إذا كان مبنيًا على قواطع الأدلة ومتانة البرهان
الصحيح الذي تطمئن إليه النفس، ويرضى به العقل فلا جرم أنه يجب على كل من
له ذرة من العقل الصحيح ألا يتمسك إلا بقوله، وتفضلوا ختامًا بقبول فائق
احترامي.
... ... ... ... ... ... ... كاتبه
... ... ... ... تلميذكم/ عبد الله حسن محمد الحاج حسن
... ... ... من طلبة العلم بأسوان: وعضو المجلس الحسبي بالمركز
ج - أما عقد الضمان الذي أشرتم إليه إشارة غير صريحة فليس فيه ذكر لبنك
السيكورتاه، وإننا نعيد نص السؤال الذي رفع إلى الأستاذ الإمام ونص جوابه عنه
نقلاً عن ص ٩٢٨ و ٩٢٩ من مجلد المنار السادس - وقد كانت شركة التأمين على
الحياة طبعتهما لتحتج بالفتوى على كون عملها مشروعًا فلينظر، وهذا نصهما:
حضرة صاحب الفضيلة مفتي الديار المصرية:
ما قولكم، دام فضلكم في شخص يريد أن يتعاقد مع جماعة [١] على أن يدفع لهم
مالاً من ماله الخاص على أقساط معينة؛ ليعملوا فيه بالتجارة واشترط معهم أنه إذا قام
بما ذكر وانتهى أمد الاتفاق المعين بانتهاء الأقساط المعينة، وكانوا قد عملوا في ذلك
المال وكان حيًا فيأخذ ما يكون له من المال مع ما يخصم من الأرباح، وإذا مات في
أثناء تلك المدة فيكون لورثته أو لمن له حق الولاية في ماله أن يأخذوا المبلغ تعلق
مورثهم مع الأرباح فهل مثل هذا التعاقد الذي يكون مفيدًا لأربابه بما ينتجه لهم من
الربح جائز شرعًا؟ نرجوكم التكرم بالإفادة، أفندم:
الجواب:
الحمد لله وحده.
لو صدر مثل هذا التعاقد بين ذلك الرجل وهؤلاء الجماعة على الصفة
المذكورة كان ذلك جائزًا شرعًا، ويجوز لذلك الرجل بعد انتهاء الأقساط والعمل في
المال وحصول الربح أن يأخذ لو كان حيًّا ما يكون له من المال مع ما خصه من
الربح وكذا يجوز لمن يوجد بعد موته من ورثته أو من له ولاية التصرف في ماله
بعد موته أن يأخذ ما يكون له من المال مع ما أنتجه من الربح والله أعلم.. اهـ.
وقد كان بعض المتفقهة في تونس استشكَلَ الفتوى من حيث محاولة تلك
الشركة احتجاجها بها، فرد عليه أحد علماء جامع الزيتونة الأعلام بمقال نفيس نشرناه
في المجلد السابع (ص ٣٨٤ - ٣٨٨ منه) ومهما يكن الحكم في أصل العقد الذي
يتعاقده المسلم مع الأجانب فلورثته أن يأخذوا ما تعطيهم إياه الشركة من المال الذي
أخذته من مورثهم ومن ربحه أيضًا؛ لأن أخذ أموال الأجانب التابعين لغير دار
الإسلام وغير الملتزمين لأحكامه جائز إذا كان برضاهم لا بخيانة ولا بسرقة، وأما
شركة التأمين على البضائع التجارية فقد أفتينا بجواز عملها نحن وغيرنا كما يرى
في المنار (ص ٥٨٨ م ٨) .
وأما صندوق التوفير في إدارة البريد المصري فقد أقر نظامه لجنة من علماء
المذاهب في الأزهر وكتبوا بذلك كتابة؛ عرضتها الحكومة في ذلك الوقت على
مفتي الديار المصرية الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى فأفتى به وجرى العمل به، وقد
بينَّا ذلك بالتفصيل في ص ٢٨ من مجلد المنار السابع.