للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: سعد زغلول


كتاب آخر جوابي من سعد زغلول
إلى شيخه ومربيه الأستاذ الإمام
عقب نفيه إلى بيروت في إثر الحوادث العرابية

مولاي الأفضل، ووالدي الأكمل، أحسن الله مآبه.
أكتب إلى السيد الأستاذ بعد تقبيل يده الشريفة عن شكر مزيد لمكارمه التي لم
يمنع من تواترها على صنائعه تباعد الديار، ولا تنائي البلدان، معترفًا بالعجز عن
وفاء واجب الحمد، مع الاعتقاد بأن هذا لا يثنيه عن المكرمات يوليها، والمبرات
يسديها، فما يفعل الخير التماس الثناء، ولا يصدر البر ابتغاء الجزاء، إنما يحسن
محبة في الإحسان، ويبر شفقة بالإنسان.
تفضل - أدام الله فضله - على خريج حكمه، الناشيء في نعمه، بكتاب هو
المحكم آياته، المعجز دلالته، الشافي لما في الصدور، الكاشف لحقائق الأمور،
الهادي إلى سبيل الرشد وإلى صراط مستقيم فسر لمرآه، سرور العليل بالشفاء وافاه،
وتلاه متدبرًا دقيق معناه مكررًا رقيق مبناه، فازداد إيمانًا بفضل مولاه، ويقينًا
بحكمة من أوحاه، وشكر الله على صحة من أهداه، دامت نامية وارفة الظلال.
وتكرم - أبقى الله كرمه - ببيان بعض أسماء الكملة الكرام الذين دارسوه
فصولاً من المروءة وأبوابًا من النجدة، وما لهم من كمال الفضل، وما فيهم من تمام
العقل فرسمنا أسماءهم على صفحات القلوب، وحفظنا أمثلة فضائلهم في الصدور،
وتشوقنا لأن تتشرف أبصارنا برؤياهم، كما تحلت بصائرنا بمعرفة أعلامهم
ومزاياهم، وما يحتاج في إقناع النفوس بضعف تلك الحجة، وإن كانت تمكنت في
الأذهان إلى قوة البيان، فمعرفتهم بمقام فضله، ومقدار حكمته ونبله، كافية بذاتها في
الدلالة على نزاهة نفوسهم، وطهارة قلوبهم وغزارة فضلهم، وسمو عقولهم، ورجاحة
هممهم، وسجاحة شيمهم، وفي توجيه ما ثبت من الفساد في أخلاق غيرهم إلى أسباب
أخرى؛ نود أن يبينها الأستاذ الجليل في كتاب مخصوص إذا وجد من الوقت مساعدًا،
إنما نحتاج إلى قوة البيان في هذا الموضع؛ لنتبين كيف يكون تدارس المروءة بين
الأفاضل، وتداول النجدة بين الكرام الأماثل، فما رأيتنا [١] من قبل لدينا إلا فاضلاً
كريمًا يدرس الفضائل بين من لا يعرفون للفضل مقدارًا، ولا يفقهون للكرامة
اعتبارًا.
ولقد زادني ميلاً في السفر، وبغضًا في الحضر، ما جاء في وصف أولئك
الأماجد ذوي النفوس الزكية، والمحامد العلية، وما تلاه من بيان حقيقة غوازي
الأمم، ساقطي الهمم، سافلي القيم، جاهلي مقادير النعم، غير أني عدلت عن
داعية هذا الميل امتثالاً للأمر، وفي النفس حسرات لا يقاومها صبر، وبها إلى
السفر أشواق لا يتناولها حصر.
وأحسن - خلد الله إحسانه - على صنيع آدابه، اليتيم في أترابه، بحكم من
مثل التي تعودها غذاء للعقل، ونورًا للفكر، فتلقاها بقلب شاكر، وتقبلها بفؤاد حامد،
وحفظها في الوجدان، راجيًا من الله التوفيق إلى الأخذ بمعانيها، والهداية إلى اتباع ما
فيها، آملاً من مكارم مواليها، دوام تواليها.
أسفت بل خجلت مما بلغ المقام الشريف عن الشيخ عبد الكريم الفاضل [٢]
ثابتًا صدقه بشهادة من سئلوا من الصادقين، ولولا التحقق من سعة بال الأستاذ
الكريم، ومن وثوقه بي فيما أرويه لكان الأسف مضاعفًا.
إني - كما تعلمون - كثير الاجتماع بهذا الشيخ، وما سمعت منه ما يقصد به
مس مقامكم الكريم، ولم يتكلم أمامي يوم أن بلغه خبر الاعتراف باليمين المعروف،
إلا بما معناه الأسف والإشفاق من عاقبة هذا الاعتراف، فلعل ما بلغ المسامع الشريفة
من هذا القبيل، والسامعون لشدة حرقتهم وبلوغ الأسف من فؤادهم مبلغه، انصرف
خاطرهم عن رعاية مقام القول فتوجه ذهنهم إلى مفهوم الكلام الحقيقي، وطبقوا المقام
على ما فهموه، ولهم العذر، فهم لم يتعودوا سماع كلام مثل هذا في جانب حضرتكم
ولو مرادًا به غير حقيقة معناه، ولم يألفوا تأويل العبارات وصرفها عن ظواهرها،
ولم يعرفوا عادة ذلك الشيخ في كيفية تأدية مراده، والعبارة في حد ذاتها يصعب
تأويلها إلى غير المتبادر للأفهام منها كل الصعوبة على من لم يكن أزهريًا متعودًا من
الشيخ سماع أفظع منها مفهومًا وأشنع تركيبًا.
وكيف يتأتى له إرادة الظاهر مع علمه بكون ذلك لا يصدر إلا عن لؤم طبيعة
وخراب ذمة وسفاهة عقل؟
أنسي ما أوليته من كرائم النعم، وجلائل الأمم؟ التي لا يزال متمتعًا بها متفيئًا
ظلالها، وإنك لمؤرق أسفًا المحترق حزنًا المشفق عليه يوم وجدت اسمه مكتوبًا في
تقارير اللئام، حتى شغلك همه عن همك، وسعيت وأنت مسجون في تنجيته من
التهمة بواسطة المحامين.
ما نسي كل هذا وما قدم العهد عليه حتى ينقض ولاءك، ويبتكر هجاءك،
ويمس مقامك، في بيت أواه، ومنزل طالما رتع في بحبوحة نعماه.
فهذه العبارة - إن صح النقل - لا يمكن أن يكون المراد بها شيئًا وراء إعلان
الأسف والإشفاق، أما كونه لم يرسل خطابًا فمولاي يرى أنه من الأدلة الصادقة على
كون ذلك الشيخ الفاضل صادقًا في ولائه، حريصًا على دوام تذكر أوليائه، إذ لم
يدعه إلى ذلك الإتمام رغبته في المحافظة على النعمة التي غرستم أصولها، وأنميتم
فروعها، ليكون على الدوام متذكرًا الحقيقية مبدئها، متصورًا صورة منشئها.
أما كتاب الشيخ محمد خليل فقد علمت ما في إرسال صورته من (حسن
التعليل) وكمال التلطف في التأديب، على ما جرى به عادتكم الشريفة، وقد
طالعت هذه الصورة، فرأيت أنها من أقوى الأدلة على شدة ميل صاحب الأصل
إلى الصدق ورغبته عن التمويه، حيث أوضح حاله صادرًا في الإيضاح عن الحق،
برهانًا على شدة إخلاصه بإثبات العبارة التي نفيتها بين يدي حضرتكم في الدائرة.
فإن إثباتها لا يصدر إلا عن تمام إخلاص لا يشوبه تمويه، ومن هنا يتبين
لحضرتكم سلامة نيته وحسن طويته.
أما عنوان الجواب، فما أداه إلى نسجه على ذلك الأسلوب إلا اعتماده على
معرفتكم بكونه من الصادقين المعظمين لجنابكم الكريم، وعلى كل حال فنحن لا
نستغني عن كريم عفوك، وجميل صفحك، فإن لم تعف عنا وتصفح كنا من
الخاسرين.
إن ظنكم فيما رأيتموه في جريدة البرهان هو الموافق للصواب، ويحق
لحضرتكم السرور بما نال ولدكم [٣] فهو المتربي في نعمتكم، المغترف من بحار
حكمتكم، المحفوف بعنايتكم، المشمول بعين رعايتكم، البالغ ما بلغ ويبلغ من
مراتب الكمال بحسن توجهاتكم، وكريم تعطفاتكم، أدامكم الله لكل خير مبدأ.
رفعت تحيتكم إلى حضرات من ذكرتم أسماءهم، وأشرتم إليهم فتقبلوها
بالاحترام، وهم جميعًا يقبلون يديكم، ويسلمون عليكم، وأخص منهم بالذكر منبع
الصفا ومصدر الوفاء الذاكر لفضائلكم في كل حين، والدي حسين أفندي. وحضرة
ولدكم الصادق في متابعتكم الشيخ عامر إسماعيل الذي امتن غاية الامتنان بما
اختصصتموه به في كتابكم الشريف وحضرة الشيخ سليمان العبد والسيد أمين أفندي.
ونحن جميعًا نرفع أحسن التحيات وأزكاها لحضرات الكرام الذين تشرفنا
بمعرفة أسمائهم من الذين دارسوكم فصول الكرامات، ونقدم لهم واجبات الاحترام،
أدامهم الله مثالاً للفضل وعنوانًا للكمال، ونسلم على حضرات أخينا الفاضل إبراهيم
أفندي اللقاني وإبراهيم أفندي جاد ونجلكم الكريم وجميع من بمعيتكم حفظهم الله.
أحوالنا العمومية أنتم أعلم بها منا فلا حاجة إلى بيانها. نرجو تفصيل
أحوالكم وما تشتغلون به من قراءة وتأليف إذا حسن لديكم ذلك.
كتب سامي لم تشهر إلى الآن في المزاد، ولا زلت مراقبًا لإشهاره.
حضرة البيك صاحب الكتاب، توجه قبل ورود كتابكم إلى البلد، ولم يحضر
إلى الآن. وعند العلم بحضوره أتوجه إليه وأرفع لحضرته مزيد تشكراتكم، دامت
معاليكم. أفندم , في ٨ جا سنة ١٣٠٠.
... ... ... ... ... ... ... ... صنيعكم - سعد زغلول
أرجو عدم انقطاع المراسلات , وأتمنى أن لا أحرم كل أسبوع من كتاب
تطمينا للخاطر وترويحًا للفؤاد، ولمولاي في إجابة هذا الرجاء النظر العالي.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... سعد [٣]