للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


فتاوى المنار

نظرية النصارى في خطيئة آدم
الطعن في حديث البخاري
س ١٠و ١١ لصاحب الإمضاء
حضرة صاحب الفضيلة والإجلال؛ شيخ الإسلام ومفتي الأنام مولانا الأستاذ
الإمام السيد رشيد رضا نفع الله المسلمين به.
السلام عليكم ورحمة الله (أما بعد) : فإن اعتقادي ومذهبي واعتقاد الكثيرين
من الذين اطلعوا وقرءوا مؤلفات فضيلتكم في الكتب والصحف: أن فضيلتكم أكبر
عالم بحقيقة روح الإسلام ومقاصده السامية، وأعلم المدافعين عنه الذابين عن
بيضته، فنسأل المولى جل ثناؤه أن ينسأ في عمركم، ويمتعكم بالصحة والهناء.
رحمةً منه تعالى بالمسلمين إنه سميع مجيب. اللهم آمين.
أحيط علم سيادتكم أنه ضمني وبعض المبشرين مجلس، فتباحثنا في الدين
ونتج من هذا البحث؛ أن أسأل سيادتكم هذين السؤالين، وأرجو أن تتفضلوا
وتتكرموا بالجواب عنهما في المنار الأغر المحبوب.
أولاً - يقول المبشر: إن خطيئة آدم صلى الله عليه وسلم بأكله من الشجرة
التي نهي عن الأكل منها، صارت عالقة بذريته جميعهم لم يخل منها أحد؛ مهما
عمل صالحًا وتاب من ذنوبه؛ لذلك جاء المسيح وصلب، وبصلبه كفر عن خطيئة
من آمن به (أي المسيح) من ذرية آدم، ومن لم يؤمن بالمسيح أنه مات فداء عنه،
لم يزل خاطئًا بالوراثة من آدم، مهما عبد الله أو تاب من ذنوبه؛ لأنه بدون سفك
دم (كذا) لم تكفر خطيئته، وأن المسلمين لحد الآن يضحون عن أنفسهم، وأن
النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عن نفسه، وقال ما معناه: اللهم اغفر لي ذنوبي،
واجعل هذه الضحية فداء عني.
فما هو اعتقاد المسلم في ذلك، وهل حقيقة خطيئة سيدنا آدم عالقة بذريته لا
يمكن أن تغفر أبدًا أم لا علاقة بين خطيئة آدم صلى الله عليه وسلم وذريته؟ أرجو
الجواب.
ثانيًا - تقول العلماء: إن أصح كتب الحديث صحيح البخاري رضي الله
عنه، ويليه صحيح مسلم رضي الله عنه إلخ، فهل إذا أنكر أحد من المسلمين حديثًا
في صحيح البخاري يعد طاعنًا في الدين الإسلامي؟ مع العلم أن الأحاديث دونت في
الكتب بعد زمن المصطفى صلى الله عليه وسلم بمدة مديدة، وأن البخاري رفض
أكثر من ستمائة ألف حديث، بل قال أحد نقاد الأحاديث: إن في صحيح البخاري
نفسه أحاديث موضوعة مثل (تعاد الصلاة من قدر الدرهم) يعنى من الدم، ذكر
في (كتاب اللؤلؤ المرصوع فيما لا أصل له أو بأصله موضوع) .
أرجو الجواب أثابكم الله تعالى
... ... ... ... ... ... ... ... المخلص المتعاني في حبكم
... ... ... ... ... ... ... عبد العزيز نصحي عبد المجيد
... ... ... ... أمين مخزن الجمية الزراعية الملكية بأشمون ...
(جواب المنار)
أقول ما ذكر السائل من المبالغة في الثناء والتفضيل، فليس مما يثبت في
نفسه بما ذكره من دليل، وأما دعاؤه فأسأله تعالى أن ينفعني به ويجزيه عني خيرًا
وأما السؤالان: فأجيب عنهما بالاختصار؛ لما سبق لنا في موضوعهما من تفصيل.
***
عقيدة النصارى في خطيئة آدم وفداء المسيح
اعلم أولاً أن هؤلاء الدعاة للنصرانية الملقبين بالمبشرين جيش من جيوش
الدول الغربية؛ لفتح البلاد الشرقية ولاسيما الإسلامية كما قال لورد سالسبوري
الوزير الإنكليزي الشهير: (إن مدارس المبشرين أول خطوات الاستعمار، فأول
ما يحدثونه في البلاد التي ينشرونها فيها تفريق الكلمة، وإيقاع الشقاق بين الشعب
الواحد حتى ينقسم على نفسه، ويكون بعضه لبعض عدوًا) . هذا، وإن الله تعالى
قد أكمل دينه الذي أرسل به جميع رسله بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، حتى
لو كان موسى وعيسى وغيرهما من الرسل أحياء، لما وسعهم إلا اتباعه صلى الله
عليه وسلم، فلا يجوز لمسلم أن يقرأ شيئًا من كتب هؤلاء المبشرين، ولا أن
يضيع وقته بمجادلتهم؛ لأنهم بجملتهم جند مستأجر؛ للإفساد في الأرض كما علمنا
بالاختبار، وإن شذ بعض الأفراد.
ثم اعلم أن عقيدة كون المسيح جاء ليفتدي البشر من خطيئة آدم؛ هي عقيدة
وثنية قديمة كما هو مفصل في كتاب (العقائد الوثنية في الديانة النصرانية) ،
ومثلها عقيدة التثليث، وأن مستقلي الفكر من علماء النصارى في أوربة وغيرها،
لا يعتقدون هذا ولا ذاك، ولا ما يتعلق بهما من البدع كالعشاء الرباني، وتحويل
الخبز إلى لحم المسيح والخمر إلى دمه حقيقة بمجرد القداس الذي يتلوه الكاهن أو
بدونه؛ لأن كل ذلك مخالف لبداهة العقل ومدارك الحس جميعًا، ومخل بعظمة الله
وتنزيهه عن الظلم والحلول في أجساد خلقه، فبعض أحرارهم فند هذه العقائد
الخرافية بكتب كثيرة، وبعضهم يسكت للجمهور عليها؛ لئلا تكون معرفة العوام
ببطلانها سببًا لمروقهم من الدين، واستباحتهم لجميع الرذائل والمعاصي المفسدة
للعمران.
أذكر أنه كان لهؤلاء المبشرين مدرسة في باب الخلق، فبينما كنت مارًّا من
أمامها منذ ٢٩ سنة، قال لي رجل منهم: تفضل واسمع كلام الله، فدخلت، فإذا
بخطيب يقرر لهم عقيدة الصلب والفداء، فلما أتم كلامه قمت بجانبه، وقلت له:
اسمح لي أن أعيد عليك ما فهمته منك؛ لتعلم هل كان فهمي صحيحًا كما أردت أم
لا؟ فأذن، فقلت:
ملخص كلامك: أن الله تعالى وقع في مشكل عظيم بعد خلقه لآدم وعصيان
آدم له؛ وهو أنه لما كان سبحانه رحيمًا كامل الرحمة، وعادلاً كامل العدل، رأى
أنه إذا عاقب آدم لا يكون رحيمًا، وإذا عفا عنه لا يكون عادلاً، فظل يتفكر في
استنباط وسيلة للجمع بين العدل والرحمة، حتى اهتدى إليها بعد ألوف من السنين
وذلك في السنة التي ولد فيها المسيح، وهذه الوسيلة هي أن يعذب المسيح المعصوم
من كل ذنب بعذاب الصلب، وقبول اللعن، ودخول الجحيم - المسجلين في الكتاب
على كل من يصلب - لأجل إنقاذ آدم وذريته من عذاب تلك الخطيئة التي لحقت
بهم كلهم على دعواكم، وبذلك جمع بين العدل الرحمة.
ولكنني رأيت أن الظاهر المتبادر من هذه الحكاية؛ أن الرب سبحانه وتعالى
قد فقد كلاً من العدل والرحمة بتعذيبه للبريء وعفوه عن المذنب بل عن الملايين
من المذنبين، فضلاً عما يلحقهم من خطيئة آدم على زعمكم.
ثم إنه مع هذا لم يتم للرب تعالى عما تقولون ما أراد من الرحمة ببني آدم؛
لأنكم تقولون: إنه لا ينال نعمة النجاة من العذاب بهذا الفداء إلا من صدق، هذه
الحكاية غير المعقولة وغير اللائقة بجلال الرب وعظمته وتنزهه عن كل نقص،
ومن المعلوم عندنا بالضرورة أن أكثر بني آدم لم يصدقوها، فإذًا لا بد أن يعذبهم
الله بذنب آدم، حتى من كان منهم لم يعص الله تعالى قط، فهل تدعوننا لأن ننسب
كل هذا الجهل والحيرة والفشل إلى الله تعالى الكامل المنزه عن كل نقص؟
فصاح المسلمون الحاضرون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقال القس
المبشر: جوابي أننا غير مأمورين هنا بأن نجادل أحدًا، ولكن لنا مكتبا مفتوحًا؛
لأجل الجدال، فإذا زرتنا فيه نجيبك عن كل ما ذكرته، قلت: إننى على علم
برهاني فيما أقول وأعتقد، فلست بمحتاج إلى جوابكم عن شيء. ولكن كيف
تلقنون الناس ما يفسد عليهم إيمانهم بتنزيه الله وتعظيمه، وتتركونهم في ضلالهم
يعمهون إن صدقوكم؟
وإذا أراد السائل الفاضل أن يعرف فساد هذه العقيدة بالأدلة التفصيلية، فليقرأ
تفسير قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ
وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} (النساء: ١٥٧) .. إلخ من أواخر سورة النساء في
الجزء السادس من تفسيرنا، أو رسالة (عقيدة الصلب والفداء) المستخرجة من هذا
التفسير وهي مطبوعة على حدتها مع رسالة (نظريتي في قصة الصلب) للمرحوم
الطبيب محمد توفيق صدقي، ففيهما يجد القارئ ما لا يجده في الأسفار الكبار
المؤلفة في الرد على النصارى مؤيدة بالحجج من كتبهم وكتب أحرار علماء أوربا.
وأما سفك الدم في الأضاحي وأمثالها، فلم يشرع في الإسلام لمثل هذه
الخرافات الوثنية، وإنما شرع شكرًا لنعم الله تعالى علينا بهذه الأنعام بالتمتع بها مع
حمده وشكره وإطعام المحتاجين منها، وقد قال عز وجل فيها: {لَن يَنَالَ اللَّهَ
لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} (الحج: ٣٧) ، فاقرأ الآية وما قبلها،
تجده صريحًا في ذلك، وقد فصلناه من قبل.
وأما ما ذكره المبشر من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند التضحية كذا
فهو كذب؛ يريد به إثبات الفداء في الإسلام بالمعنى الوثني الذي يقولون به.
***
أحاديث البخاري وحكم من أنكر شيئًا منها
لا شك في أن أحاديث الجامع الصحيح للبخاري في جملتها أصح في صناعة
الحديث، وتحري الصحيح من كل ما جمع في الدفاتر من كتب الحديث، ويليه في
ذلك صحيح مسلم، ومما لا شك فيه أيضًا أنه يوجد في غيرهما من دواوين السنة
أحاديث أصح من بعض ما فيهما، وما روي من رفض البخاري وغيره لمئات
الألوف من الأحاديث التي كانت تروى يؤيد ذلك، فإنما نفوا ما نفوا لينتقوا الصحاح
الثابتة. ودعوى وجود أحاديث موضوعة في أحاديث البخاري المسندة بالمعنى الذي
عرفوا به الموضوع في علم الرواية ممنوعة، لا يسهل على أحد إثباتها. ولكنه لا
يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر، قد يصدق عليه بعض ما عدوه من علامة
الوضع؛ كحديث سحر بعضهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنكره بعض العلماء
كالإمام الجصاص من المفسرين المتقدمين، والأستاذ الإمام من المتأخرين؛ لأنه
معارض بقوله تعالى: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً * انظُرْ كَيْفَ
ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} (الفرقان: ٨-٩) وقد أجاب
الجمهور عن ذلك بما كانوا يرونه مقبولاً، لا يمس مقام الرسول صلى الله عليه
وسلم وعصمته. ويغنيكم عن التفصيل في هذا المقام ما فصلنا فيه في باب الفتاوى
من الجزء الماضي. هذا، وإن في البخاري أحاديث في أمور العادات، والغرائز
ليست من أصول الدين ولا فروعه، كما بيناه في تلك الفتوى.
فإذا تأملتم هذا وذاك، علمتم أنه ليست من أصول الإيمان ولا من أركان
الإسلام؛ أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه، بل لم
يشترط أحد في صحة الإسلام ولا في معرفته التفصيلية الاطلاع على صحيح
البخاري والإقرار بكل ما فيه، وعلمتم أيضًا أن المسلم لا يمكن أن ينكر حديثًا من
هذه الأحاديث بعد العلم به إلا بدليل يقوم عنده على عدم صحته متنًا أو سندًا،
فالعلماء الذين أنكروا صحة بعض تلك الأحاديث، لم ينكروها إلا بأدلة قامت عندهم
قد يكون بعضها صوابًا وبعضها خطأ، ولا يعد أحدهم طاعنًا في دين الإسلام.
وأما حديث (تعاد الصلاة من قدر الدرهم) يعني من الدم، فالذي في اللؤلؤ
المرصوع - نقلاً عن النووي - أن البخاري ذكره في تاريخه لا أنه رواه في
صحيحه، وما يدريك أنه ذكره في ترجمة أحد الوضاعين، واستشهد به على أنه
يروي الموضوعات.
وأما قول السائل: إن البخاري رفض أكثر من ستمائة ألف حديث فهو خطأ،
أخذه من قوله رحمه الله تعالى: (صنفت الجامع الصحيح من ستمائة ألف حديث
في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى) ولم تكن بقية هذه
الستمائة موضوعات عنده، بل كان منها الصحيح والحسن والضعيف، ولم يكن
يثبت في الجامع الصحيح كل ما صح عنده، بل كان من عنايته في أحاديثه فيه
اشتراط العلم باجتماع كل راو بمن روى عنه؛ لأجل الثقة بسماعه منه، ولم يكن
كل ما ذكره فيه على هذا الشرط بل الأحاديث المسندة بالأسانيد المتصلة، وكان
الذي يحفظه أكثر من ذلك، قال بعضهم: كان يحفظ ألف ألف حديث، وأحاديث
الجامع الصحيح المسندة أي غير المعلقات والمتابعات ٧٣٩٧ آلاف مع المكرر،
وإذا أضيفا إليها بلغت ٩٠٨٣ بالمكرر على ما اعتمده الحافظ ابن حجر في عدها.
***
حديث شد الرحال ومخالفة المسلمين له
(س١٢، ١٣) من صاحب الإمضاء في بلد الدية (السودان) .
سيدي الأستاذ المصلح فخر الإسلام والمسلمين، صاحب مجلة المنار السيد
محمد رشيد رضا: السلام عليكم ورحمة الله؛ إيفاء لما التزمتم به بالنصح لعامة
المسلمين، نرجوكم إفادتنا بالآتي:
١ - الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم:
(لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد
الأقصى) ما معناه؟
٢- أرى الناس يسافرون لزيارة أضرحة الصالحين، وكذا أناس يسافرون
لحفلات تقام في بعض عواصم المدن، وأناسًا يسافرون للخارج لحضور حفلات
تقام هناك، هل يصح منهم قصر الصلاة؟ أفتونا مأجورين، وابسطوا لنا القول
جزاكم الله خير الجزاء.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كاتبه
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... علي إسماعيل
... ... ... ... ... ... ... ... ناظر محطة الدية سودان

(ج) الحديث رواه الجماعة كلهم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري
وعبد الله بن عمر، ومعناه أن السفر إلى هذه المساجد الثلاثة مشروع وأنه غير
مشروع إلى غيرها، أما سبب ما أثبته من كونه مشروعًا إليها؛ فلما رود في
أحاديث أخرى من فضلها ومضاعفة ثواب الصلاة فيها وكذا غيرها من العبادات.
وأما كونه غير مشروع إلى غيرها؛ فإن العبادات لا تشرع إلا بنص وقد جاء
النص هنا بالمنع، وأما سببه وحكمته؛ فلأن غير الثلاثة من المساجد متساوية في
الفضل الديني، فالسفر إلى بعضها عبث، والذين يسافرون إلى أضرحة الصالحين
سواء أكانت في المساجد أم لا؛ لإقامة الاحتفالات هنالك لهم، وبأسمائهم يعتقدون أن
أضرحتهم والصلاة لديها أو في المساجد التي بنيت عليها له مزية فضل وثواب،
وهذا كذب وافتراء على الله، وشرع لم يأذن به الله والحق خلافه، بل يعتقدون أنهم
ينفعون من يزورها ويدعوهم لديها، ويدفعون عنه المضار، وفي ذلك من الشرك
والخرافات ما فيه، وقد بينا هذا بالتفصيل والدلائل في أجزاء كثيرة من المنار فلا
نعيده.
وأما استباحة رخص السفر من تيمم وقصر للصلاة، فمن اشترط في السفر
المبيح لها أن لا يكون لسفر معصية كالشافعية، لا يبيحها للمسافرين إلى الموالد
المعهودة والزيارات غير المشروعة، والمختار عندنا أن ذلك ليس بشرط.
نعم.. إن من سافر إلى مسجد آخر لسبب فني أو تاريخي أو علمي لا يدخل
عمله في عموم المنع؛ لأنه من المباحات لا من القربات والعبادات، فالعبادة هي
التي يشترط فيها ما ذكر، وكذا من يسافر إلى المساجد التي اتخذت مدارس كالأزهر
وجامع الزيتونة لأجل طلب العلم، فإن طلب العلم في كل المساجد مشروع، والله
أعلم.
***
حقوق الوالدين وحد عقوقهما
(س١٥) من صاحب الإمضاء في دنقلة السودان.
سيدي الفاضل الشيخ رشيد رضا، نفع الله به العباد:
السلام عليكم يا سيد ورحمة، وبعد: نرجو إفتاءنا بما هو آت:
إن حقوق الآباء على الأبناء غامضة بحسب نظر الكثيرين، وكثير من الآباء
يتطلب الدخول في كل شخصيات ابنه بدعوى هذا الحق المبهم، كما أن جل الأبناء
يريدون الحرية المطلقة في المعاملات والمجاملات، فوافونا في مجلتكم المنار بما
جبلتم عليه، وأرشدونا لكتاب يشفي العليل مع استقصاء الحد للعقوق وحكمة ذلك،
وهل للأب أن يأمر ابنه بمقاطعة أحد من المسلمين؛ بدعوى عدائه له؟ والله
يحفظكم.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... المخلص
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... أحمد النجار
... ... ... ... ... ... ... ... المدرس بالجامع بدنقلة

(ج) هذا موضوع كبير، لا يمكن بسطه إلا في سِفْر كبير، ويمكن لمن
اطلع على الآيات الواردة فيه في سورتي الإسراء ولقمان، وكان فقيه النفس أن
يستغني بها في معرفة حقوق الوالدين، فكيف إذا أضاف إليها الأحاديث الصحيحة
فيها وفي كون العقوق من أكبر الكبائر، وأمثل كتاب بَيَّن الموضوع بيانًا وسطًا
مفيدًا، هو كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) للفقيه ابن حجر، فليراجعه
السائل في كتاب النفقات من الجزء الثاني منه.
بدأ الكلام في الكبيرة ٣٠٢ وهي عقوق الوالدين بالآيات الكريمة الواردة في
الأمر بالإحسان بالوالدين، مقترنًا بالأمر بعبادة الله وعدم الشرك به، وأمره تعالى
بالشكر له وللوالدين مقترنين، ثم بالأحاديث في برهما، وجعل عقوقهما من أكبر
الكبائر، ثم بآثار السلف وأقوال بعض العلماء والأدباء في ذلك، ثم تكلم في حد
العقوق الذي هو كبيرة، قال: وهو أن يحصل منه لهما أو لأحدهما إيذاء ليس
بالهين عرفًا، ويحتمل أن العبرة بالمتأذي (أي لا بالعرف) . لكن لو كان في غاية
الحمق أوسفاهة العقل، فأمر أو نهى ولده بما لا تعد مخالفته فيه في العرف عقوقًا،
لا يفسق ولده بمخالفته فيه لعذره. وعليه لو كان متزوجًا بمن يحبها، فأمره
بطلاقها ولو لعدم عفتها فلم يمتثل أمره، فلا إثم عليه) .. إلخ، ثم نقل فتوى من
شيخ الإسلام السراج البلقيني في الموضوع، وعسر تحديده أي لاختلاف العرف
والآراء والشعور والمصالح فيه - وذكر له بيانًا تفصيليًّا لدرجات العقوق ناقشه فيه.
ولعل كل هذا وأمثاله مما ذكره المتقدمون، لا يغني السائل عما فصلناه في
هذه المسألة في تفسير قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَاناً} (النساء: ٣٦) من سورة النساء؛ لأنهم لا يشرحون ما عليه أصناف
الناس المخاطبين بالأحكام في طباعهم وآدابهم، واختلاف معارفهم وشعورهم
ومصالحهم، وقد أشار السائل إلى ذلك في سؤاله، فأكثر الوالدين ولا سيما الآباء
يظنون أنهم بصفة الوالدية أو الأبوة يجب أن يكونوا أعلم وأعقل وأكيس من أولادهم
، وإن تعلم أولادهم من علوم الدين والدنيا ما لم يقفوا على شيء منه، وكانوا أذكى
وأكيس منهم في كل شيء، بل يظنون أنه يجب على الولد أن يطيع والده في كل
شيء، وإن خالف الشرع والعقل والمصلحة العامة والخاصة والوجدان لأنه والد،
كما أن بعض الأولاد في هذا الزمان من لا يقيمون لبر الوالدين وزنًا، ولا يراعون
لكرامتهما وشعورهما حرمة، مع أن الله تعالى أوصى حتى بالوالدين المشركين
الداعيَين إلى الشرك مع عدم طاعتهما، فقال: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} (لقمان: ١٥) فمن
اضطر إلى مخالفة أحد والديه بحق، فينبغي له أن يتلطف ويراعي الذوق والأدب
ولا يصادمه بالعنف، ومنه يعلم ما ينبغي له إذا أمره بمعاداة من لا يجوز معاداته
شرعًا أو بغير ذلك من المحرمات، ومن المعلوم من الدين بالضرورة قوله صلى
الله عليه وسلم: (لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) رواه
البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن علي مرفوعًا، وليراجع السائل عبارتنا في
التفسير من ص ٨٤ من الجزء الخامس إلى ص ٩٠.
***
حكم الثياب الحازقة التي تصف العورة
(س ١٤) من صاحب الإمضاء في بيروت.
حضرة صاحب الفضل والفضيلة: سيدنا ومولانا العالم العلامة الإمام مفتي
الأنام ومرجع العلماء الأعلام شيخ الإسلام، الأستاذ الجليل السيد محمد أفندي رشيد
رضا صاحب مجلة المنار الغراء، حفظه الله تعالى.
السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وبعد: فما قولكم دام نفعكم في البنطلون
الإفرنجي؛ إذا كان يظهر منه جرم العورة كالقبل والدبر وغيرهما، بحيث يكون
ضيقًا كثيرًا، فهل ظهور ذلك الجرم حرام؛ لأنه مثار للشهوة أم مكروه أم جائز؟
أفتونا مأجورين.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... السائل
... ... ... ... ... ... ... ... عبد الحفيظ إبراهيم اللاذقي
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ببيروت

(ج) لبس الثياب الحازقة الضاغطة مكروه طبًا؛ لضرره بالبدن، وشرعًا
لضررها، ومضايقتها للمصلي، حتى إن بعضها يتعذر السجود على لابسه، فإذا
أدى لبسها إلى ترك الصلاة حرم قطعًا ولو لبعض الصلوات، وقد ثبت بالتجارب
أن أكثر من يلبسونها لا يصلون أو إلا قليلاً كالمنافقين، حتى إن منهم من يعتذرون
عن الصلاة؛ بأنها تحدث في السراويل (البنطلون) تجعدًا يشوه منظره، سمعنا
هذا بآذاننا من كثيرين؛ فإذا كانت مع هذا تصف السوأتين إحداهما أو كلتيهما، كان
التغليظ في لبسها أشد، وقد نهى سيدنا عمر رضي الله عنه عن لبس ضرب من
قباطي مصر الضيقة؛ وعلل ذلك بقوله: فإن لا تشف فإنها تصف، أي فإن لم تكن
رقيقة تشف عما وراءها من البدن فيرى فإنها بضيقها تحكي العورة وتصف شكلها
وحجمها. ولكن المفتونين اليوم بهذه الطرز (أو المودات) من الثياب، يقصدون
هذه العيوب الشرعية والطبية قصدًا لأنهم أسرى الشهوات وعبيد العادات، ولهم من
دعاة الإلحاد والإباحة من يرغبهم فيها، ويفضلها لهم على غيرهما بأنها من الجديد
اللائق، بمجددي الفسق والفجور وليست من العتيق البالي المذموم لأنه قديم.
***
كلمة: الله ورسوله أعلم
س ١٥ من عدن
بسم الله الرحمن الرحيم
لحضرة الأستاذ الكبير العلامة الشهير، السيد محمد رشيد رضا صاحب
مجلة المنار الغراء، بعد إنهاء كامل التحية عليكم ورحمة الله وبركاته، فإن أخاكم
وصديقكم الشيخ أبا بكر بن عبد الله باعشن بارحيم العدني، قد كلفني حين مروري
عليهم بعدن بسؤال أرفعه لحضرتكم بعد وصولي مصر، ثم إنه ألح علي ثانيًا - وأنا
هنا أيضًا - بذلك، فالرجاء من منصبكم العالي إتحافه وإيانا بالكلام على ما ذكر
مفصلاً مقرونًا بالدليل، وإن نشرتموه في مجلتك فهو أولى؛ ليعم النفع به للمسلمين،
وهذا نص السؤال: ما تقول السادة الفضلاء وبالخصوص منهم السيد رشيد رضا
رضي الله عنه وأرضاه؛ في قول القائل: الله ورسوله أعلم، هل يجوز إسناد العلم
شرعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في مثل هذه الصيغة، واستعمال
ذلك مطلقًا أو هو خاص به ما دام حيًا؟ فإن قلتم بالثاني، فما معنى عرض أعمالنا
عليه صلى الله عليه وسلم في كل أسبوع، أفتونا بالدليل لا زلتم كشافين المشكلات،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
... ... ... ... ... ... ... ... ... صاحب الإمضاء
... ... ... ... ... ... ... ... محمد بن سعيد غباش
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... السلفي العماني

(ج) كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يسأل أصحابه عن شيء لا
يعلمونه أو لا يعلمون مراده من السؤال، يقولون في جوابه الله ورسوله أعلم كما
سألهم يوم النحر في منى: (أي يوم هذا) ، فظنوا أن سؤاله تمهيد لتسميته بغير
اسمه الذي كان في الجاهلية بأمر من الله تعالى، فقالوا: الله ورسوله أعلم، ولم
يكونوا يقولون هذا لكل سؤال عن أي أمر، وإنما كان المسئول يجيب بما يعلم أو
يقول: لا أدري أو الله أعلم، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أنه لا يعلم أحد كل
شيء إلا الله خالق كل شيء، فمن قال في جواب كل سؤال: الله أعلم، سواء أجاب
بما عنده أم لا، كما يختم كثير من العلماء فتاواهم بقولهم الله أعلم، فقد صدق
وأصاب، ومن قال مثل هذا في النبي صلى الله عليه وسلم كان قائلاً ما لا علم له به،
ولا يجوز لأحد أن يقول بغير علم، ومتى علم السائل والمسئول عنهم سبب قول
الصحابة لتلك الكلمة في مواضعها التي بيناها، ظهر لهم أن اتباعهم فيها اليوم في غير
محله، فتركوه إن شاء الله تعالى.
وأما حديث عرض الأعمال على النبي صلى الله عليه وسلم الذي تسمعونه من
بعض خطباء الجمعة (حياتي خير لكم) .. إلخ، فهو مرسل رواه ابن سعد عن
بكر بن عبد الله وغير صحيح، فلا يحتج به ولا سيما في مسائل تتعلق بعالم الغيب
وهو من المسائل الاعتقادية، ولو صح اتصاله وسنده لما كان حجة على إسناد كل
شيء إلى علم النبي (صلى الله عليه وسلم) ، كإسناده إلى علم الله تعالى.