للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


مناظرة في مساواة المرأة للرجل في الحقوق والواجبات

الرد التفصيلي في موضوع المناظرة
- ٧ -
سلطان الدين الأعلى
إن الشعور بقوة فوق قوى الطبيعة، وسلطان غيبي أعلى من نواميس الخليقة،
وجدان غريزي في أنفس البشر؛ لذلك كانوا ولا يزالون يخضعون خضوع التعبد
لكل ما يظهر لهم أنه صادر عن ذلك السلطان الغيبي الأعلى لمخالفته السنن
الطبيعية ومجيئه على غير نظام الأسباب والمسببات؛ وإنما يخطئون أحيانًا في
التمييز بين الحقيقي والوهمي من خوارق العادات، فالأول كالآيات التي أيَّد الله
تعالى بها أنبياءه المرسلين، والثاني كالمصادفات والسحر وشعوذة الدجالين،
وأشهر الأمثلة لهما الآيات التي أيَّد الله بها نبيه موسى عليه السلام، والتخيلات
الصناعية التي جاء بها سحرة فرعون.
ولما كانت تلك الآيات الكونية لا يؤمن بها إلا من شاهدها مدركًا للفرق بينها
وبين السحر والشعوذة، ومن ثبت عنده الأمران بالتواتر القطعي، ولما كان اجتماع
الأمرين عزيزًا نادرًا بعد طول الزمان، وكان ذلك محتملاً للشك والتأويل والاحتمال،
جعل الله تعالى آية خاتم النبيين حسية عقلية، دائمة باقية، وجعل دلالتها على
رسالته علمية برهانية، ألا وهي ظهور أعلى العلوم الإلهية، والقواعد الأدبية،
وأرقى الأصول التشريعية، من سياسية ومدنية وشخصية، وأنفع الوصايا الصحية،
وأصلح السنن الاجتماعية، والإرشاد إلى العلوم الصحيحة، وأبلغ الحكم العقلية،
والمواعظ التاريخية، في كتاب معجز للبشر بأسلوبه ونظمه وتأثيره وهدايته
وبلاغته، واشتماله على أخبار الغيب الماضية والحاضرة والمستقبلة، وكون هذا
كله جاء على لسان نبي أمي لم يقرأ قبل هذا الكتاب سطرًا، ولا نظم شعرًا، ولا
ارتجل خطبة، ولا نطق بحكمة. وقد جاءه هذا كله دفعة واحدة بعد بلوغ أشده،
واستكماله للأربعين من عمره، ثم كان من تأثيره في قلب نظام الكون كله،
واستيلاء قومه الأميين بهديه وتأثيره على أعظم أمم الأرض ودولها علمًا وحضارة
وقوة وثروة، حتى صاروا يدخلون في دينه أفواجًا ... إلخ، فأي برهان على
الوحي الإلهي والتشريع السماوي أظهر وأبهر وأنور وأقهر للقلوب والعقول من هذا؟
من أعظم ما انفرد به هذا التشريع الإلهي دون سائر الشرائع السماوية
والأرضية - إبطال ظلم جميع البشر وتحقيرهم للنساء وهضمهم لحقوقهن فيما
سنبين نماذجه العليا في مقالاتنا هذه، ولو لم يكن منه إلا قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ
الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة:
٢٢٨) وإلا قول نبيه صلوات الله وسلامه عليه في تربيتهن وتعليمهن (أيما رجل
كانت عنده وليدة فعلَّمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها
فله أجران) رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن إلا أبا دواد من
حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وإلا قوله صلى الله عليه وسلم في
تكريمهن: (ما أكرم النساء إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم) رواه ابن عساكر من
حديث علي كرَّم الله وجهه - لو لم يكن إلا هذا وذاك لكفى تفضيلاً للإسلام على
جميع الشرائع والقوانين، وإذا لم يكن هذا الإصلاح العظيم وحيًا لذلك النبي الأمي
فمن أين جاء؟
ولكن هؤلاء الملاحدة يدعوننا إلى نبذ هذا الإصلاح الذي تخضع له أنفس
المؤمنين سرًّا وجهرًا متى علموه وتربوا عليه، وإلى تقليد البلاشفة وأمثالهم من
ملاحدة الإفرنج وممن سرت إليهم عدواهم وهم يئنون منها، ويود حزب تجديد
الإلحاد والإباحة لو يزجوننا فيها.
مع هذا كله نرى السواد الأعظم من شعوب أوربة كلها يخضعون لغير
المعقول من الدين مما ليس له نظير في الإسلام كالتثليث وألوهية المسيح واستحالة
الخبز والخمر إلى لحمه ودمه حقيقة لا مجازًا، بل يخضع الملايين منهم للخرافات
الوهمية باسم الدين كالعين المقدسة التي يزعمون أنها تشفي المرضى في فرنسة.
نعم إن هذه العقائد وأمثالها كانت سببًا لكثرة الإلحاد في أوربة، ولرواج
الأفكار المادية التي أفسدت الأخلاق، وقوَّضت أركان الفضائل حتى في المتدينين،
كما كان سلطان البابوات الشديد الوطأة على العقول والأبدان والحكام سببًا لما نجم
في القرون الوسطى من قرون الإلحاد، ولحدوث ما يسمى مذهب الإصلاح، وقد
بلغ طغيان الأفكار المادية والإسراف في الشهوات البدنية حدهما الأقصى في أثناء
حرب المدنية الأخيرة وبعدها، ثم طفق الناس هناك يتلمسون هداية الدين للخروج
من هذه الفوضى التي دمرت تلك القيصرية الروسية الواسعة بالحكم البلشفي أو
كادت، فالحكومة البلشفية هي الدولة الوحيدة التي تُكره الشعوب المقهورة بقوتها
على ترك أديانهم، وإباحة الفجور لنسائهم ورجالهم، وقطع أسلاك عقود الزوجية،
ونثر ما كان يجمعه نظامها من أفراد الأسرة، وجعل القول للمرأة فيمن تلصق به
ولدها، فالقانون البلشفي يجبر كل رجل على نفقة من تلصقه به من أولادها [١]
فعظمت الخطوب، وتفاقمت الكروب، واستشرى الفساد، وخرب كثير من البلاد،
وهلك الملايين من العباد، وحل الرعب في كبريات الدول، أن تسري إلى شعوبها
عدوى هذا الخلل، وصارت كل حكومة من حكومات الأرض تضرب الحَجْرَ
السياسي لمنع هؤلاء الناس من دخول بلادها، وتخشى من عاقبة تفلت أحدهم أشد
مما تخشى من المصاب بأشد الأمراض الوبائية أن يندس فيها، إذ لا عاصم من
عدواها إلا الاعتصام بالدين، وقد كادت تنقسم عروته بالفوضى الأدبية، وشعر
العلماء والحكماء وكذا الحكام بوجوب تجديد هدايته، وطفقوا يؤلفون الجمعيات
ويصنفون الكتب في ذلك، وقد ذهبوا فيه خمسة مذاهب: مذهب العصريين،
ومذهب الأصوليين، ومذهب الروحانيين، ومذهب العلم المسيحي، ومذهب
الكاثولوكية البابوية.
يجد القارئ بيان هذه المذاهب في الجزء الثالث من مجلد المنار الثلاثين (أي
مجلد هذا العام الهجري) وإنما نقول بالإجمال: إن العصريين يرجحون استقلال
العقل في العقائد ويلتزمون تعاليم الكنيسة في الأمور الأدبية والمواعظ، وقد كثروا
بعد الحرب في بلاد الإنكليز، وأما الأصوليون فيرجعون في الدين إلى عقائد أهل
القرن السابع عشر وهو التسليم والإذعان لنصوص التوراة بظواهرها حتى
التاريخية، ورد كل ما يخالفها من أحكام العقل ومقررات العلم ولا سيما مذهب
النشوء والارتقاء، وأكثر أتباع هذا المذهب في الولايات المتحدة، وأما الكتب التي
يؤلفونها فمنها ما هو مدح في الإسلام وكتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها ما
هو في التنفير عنه خوفًا من انتشاره، ومنها ما هو نفي لألوهية المسيح، وتفصيل
هذا كله في المنار.
أَفَلَسْنَا نحن المسلمين أحق وأجدر باتباع نصوص ديننا القطعية، وكلها موافقة
للعقل والعلم والمصلحة، وباتباع الراجح من نصوصه الظنية الاجتهادية أيضًا،
وهي واقية لنا من مفاسد البلشفية، ونزعات المادية، ومفاسد الإباحية، وحافظة
لصحتنا الجسدية، وفضائلنا النفسية؟
أوليست مصر أولى البلاد الإسلامية بالاعتصام بهذا الدين القويم من سائر
الأقطار الإسلامية؛ لأن لها فيه من الفوائد والمصالح الدينية والأدبية والسياسية
والاقتصادية ما ليس لغيرها؟
بلى، إن مصر مرشحة بل مرجحة بعد سقوط الدولة العثمانية لزعامة العالم
الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، وهؤلاء الملاحدة يريدون حرمانها من هذه
الزعامة بما يبثون فيها من دعاية الإلحاد الذي يضرها ولا يفيد إلا الأجانب
الطامعين فيها.
بلى، إن مصر كانت مع وجود الدولة العثمانية زعيمة الأمة العربية في لغتها
وعلومها الأدبية والدينية، وهؤلاء الملاحدة يريدون إسقاطها من هذه الزعامة
بالطعن في اللغة العربية، والآداب العربية، والثقافة العربية، والمدنية العربية
والديانة العربية، ويحاولون أن يبتدعوا لها ثقافة أوربية ومدنية فرعونية، ولو كان
للفراعنة لغة حية مدونة لقلدوا الترك بوجوب استبدالها باللغة العربية، وتحريم تعلم
اللغة العربية! فانظروا أيها المسلمون الغافلون فيما يريده منكم هؤلاء الملحدون
الإباحيون، وما يظاهرهم به إخوانهم المنافقون {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا
فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} (النساء: ٨٩) {أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ
أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ} (المجادلة: ١٩) وإن حزب الله هم
المفلحون.
***
حكم الله في المساواة بين الرجال والنساء
- ٨ -
أبدأ هذا الرد التفصيلي بالكلام العام في موضوع المساواة الذي فسرت به الآية
الكريمة التي ذكرتها في المقالة السابقة، وقد كنت نشرته في الجزء العاشر من مجلد
المنار الثامن الذي صدر في جمادى الأولى سنة ١٣٢٣ (يوليو١٩٠٥) أي قبل أن
تُخلق الآنسة هانم محمد، وقبل أن يصير محمود عزمي كاتبًا، وهذا نصه نقلاً عن
الجزء الثاني من التفسير مع اختصار قليل، قال تعالى:
{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة:
٢٢٨) .
هذه كلمة جليلة جدًّا جمعت على إيجازها ما لا يؤدَّى بالتفصيل إلا في سفر
كبير، فهي قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق إلا أمرًا
واحدًا عبر عنه بقوله:] وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [وهذه الدرجة مفسرة بقوله تعالى:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (النساء: ٣٤) الآية، وقد أحال في معرفة ما لهن
وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشراتهم ومعاملاتهم في أهليهم، وما
يجري عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم، فهذه الجملة
تعطي الرجل ميزانًا يزن به معاملته لزوجه في جميع الشؤون والأحوال، فإذا هَمَّ
بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه، ولهذا قال ابن عباس
رضي الله عنهما: (إنني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لهذه الآية) .
وليس المراد بالمثل المثل لأعيان الأشياء؛ وإنما أراد أن الحقوق بينهما
متبادلة وأنهما أكفاء، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا للرجل عمل يقابله لها،
إن لم يكن مثله في شخصه، فهو مثله في جنسه، فهما متماثلان في الحقوق
والأعمال، كما أنهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل، أي أن كلاًّ
منهما بشر تام له عقل يتفكر في مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه ويسر به، ويكره
ما لا يلائمه وينفر منه، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر ويتخذه عبدًا
يستذله ويستخدمه في مصالحه، لا سيما بعد عقد الزوجية والدخول في الحياة
المشتركة التي لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه.
قال الأستاذ الإمام قدَّس الله روحه: هذه الدرجة التي رُفع النساء إليها لم
يرفعهن إليها دين سابق، ولا شريعة من الشرائع، بل لم تصل إليها أمة من الأمم
قبل الإسلام ولا بعده، وهذه الأمم الأوربية التي كان مِن تَقَدُّمها في الحضارة
والمدنية أن بالغت في تكريم النساء واحترامهن وعنيت بتربيتهن وتعليمهن العلوم
والفنون - لا تزال دون هذه الدرجة التي رفع الإسلام النساء إليها، ولا تزال قوانين
بعضها تمنع المرأة من حق التصرف في مالها بدون إذن زوجها.
وغير ذلك من الحقوق التي منحتها إياها الشريعة الإسلامية من نحو ثلاثة
عشر قرنًا ونصف، وقد كان النساء في أوربا منذ خمسين سنة بمنزلة الأرقاء في
كل شيء، كما كن في عهد الجاهلية عند العرب أو أسوأ حالاً، ونحن لا نقول إن
الدين المسيحي أمرهم بذلك؛ لأننا نعتقد أن تعليم السيد المسيح لم يخلص إليهم كاملاً
سالمًا من الإضافات والبدع، ومن المعروف أن ما كانوا عليه من الدين لم يُرَقِّ
المرأة؛ وإنما كان ارتقاؤها من أثر المدنية الجديدة في القرن الماضي.
وقد صار هؤلاء الإفرنج الذين قصرت مدنيتهم عن شريعتنا في إعلاء شأن
النساء يفخرون علينا، بل يرموننا بالهمجية في معاملة النساء، ويزعم الجاهلون
منهم بالإسلام أن ما نحن عليه هو أثر ديننا.
ذكر الأستاذ الإمام في الدرس أن أحد السائحين من الإفرنج زاره في الأزهر
وبينا هما ماران في المسجد رأى الإفرنجي بنتًا مارة فيه فبهت وقال ما هذا؟ أنثى
تدخل الجامع! ! فقال له الإمام: وما وجه الغرابة في ذلك؟ قال: إننا نعتقد أن
الإسلام قرر أن النساء ليس لهن أرواح، وليس عليهن عبادة فبين له غلطه وفسَّر له
الآيات فيهن، قال: فانظروا كيف صرنا حجة على ديننا، وإلى جهل هؤلاء الناس
بالإسلام حتى مثل هذا الرجل الذي هو رئيس لجمعية كبيرة فما بالكم بعامتهم؟
إذا كان الله قد جعل للنساء على الرجال مثل ما لهم عليهن إلا ما ميزهم به من
الرياسة، فالواجب على الرجال بمقتضى كفالة الرياسة أن يعلموهن ما يمكِّنهن من
القيام بما يجب عليهن، ويجعل لهن في النفوس احترامًا يعين على القيام بحقوقهن
ويسهل طريقه، فإن الإنسان بحكم الطبع يحترم من يراه مؤدبًا عالمًا بما يجب عليه
عاملاً به، ولا يسهل عليه أن يمتهنه أو يهينه، وإذا بدرت منه بادرة في حقه رجع
على نفسه باللائمة فكان ذلك زاجرًا له عن مثلها.
خاطب الله تعالى النساء بالإيمان والمعرفة والأعمال الصالحة في العبادات
والمعاملات، كما خاطب الرجال، وجعل لهن عليهم مثل ما جعله لهم عليهن،
وقرن أسماءهن بأسمائهم في آيات كثيرة، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم
المؤمنات كما بايع المؤمنين، وأمرهن بتعلم الكتاب والحكمة كما أمرهم، وأجمعت
الأمة على ما مضى به الكتاب والسنة من أنهن مجزيات على أعمالهن في الدنيا
والآخرة، أفيجوز بعد هذا كله أن يحرمن من العلم بما عليهن من الواجبات
والحقوق لربهن ولبعولتهن ولأولادهن ولذي القربى وللأمة والملة؟
العلم الإجمالي بما يطلب فعله شرط في توجه النفس إليه؛ إذ يستحيل أن تتوجه
إلى المجهول المطلق، والعلم التفصيلي به المبين لفائدة فعله ومضرة تركه يعد سببًا
للعناية بفعله والتوقي من إهماله، فكيف يمكن للنساء أن يؤدين تلك الواجبات
والحقوق مع الجهل بها إجمالاً وتفصيلاً؟ وكيف تسعد في الدنيا أو الآخرة أمة
نصفها كالبهائهم لا يؤدي ما يجب عليه لربه ولا لنفسه ولا للناس؟ والنصف الآخر
قريب من ذلك؛ لأنه لا يؤدي إلا قليلاً مما يجب عليه من ذلك، ويترك الباقي ومنه
إعانة ذلك النصف الضعيف على القيام بما يجب عليه أو إلزامه إياه بما له عليه من
السلطة والرياسة.
إن ما يجب أن تعلمه المرأة من عقائد دينها وآدابه وعباداته محدود؛ ولكن ما
يُطلب منها لنظام بيتها وتربية أولادها ونحو ذلك من أمور الدنيا كأحكام المعاملات-
إن كانت في بيت غنى ونعمة - يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، كما
يختلف بحسب ذلك الواجب على الرجال، ألا ترى الفقهاء يوجبون على الرجال
النفقة والسكنى والخدمة اللائقة بحال المرأة؟ ألا ترى أن فروض الكفايات قد
اتسعت دائرتها، فبعد أن كان اتخاذ السيوف والرماح والقسي كافيًا في الدفاع عن
الحوزة صار هذا الدفاع متوقفًا على المدافع والبنادق والبوارج، وعلى علوم كثيرة
صارت واجبة اليوم، ولم تكن واجبة ولا موجودة بالأمس؟ ألم تر أن تمريض
المرضى ومداواة الجرحى كان يسيرًا على النساء في عصر النبي صلى الله عليه
وسلم وعصر الخلفاء رضي الله تعالى عنهم، وقد صار الآن متوقفًا على تعلم فنون
متعددة وتربية خاصة؟ أي الأمرين أفضل في نظر الإسلام؟ أتمريض المرأة
لزوجها إذا هو مرض أم اتخاذ ممرضة أجنبية تطلع على عورته، وتكتشف مخبآت
بيته؟ وهل يتيسر للمرأة أن تمرض زوجها أو ولدها إذا كانت جاهلة بقانون
الصحة وبأسماء الأدوية؟
نعم يتيسر لكثيرات قتل مرضاهن بزيادة مقادير الأدوية السامة، أو جعل
دواء مكان آخر.
(وقد ذكرنا في التفسير ههنا كلامًا للمحدثين والفقهاء في حقوق كل من
الزوجين على الآخر، كقول الأكثرين إن المرأة لا يجب عليها للرجل غير الطاعة
في نفسها دون خدمة الدار، ورده بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بنته فاطمة بخدمة
البيت، وبأمر علي بما كان في خارجه، وجزم بعض المحققين من الحنابلة أن ذلك
يرجع إلى عرف الناس، ثم قلنا) .
وما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم بين بنته وربيبه وصهره (عليهما
السلام) هو ما تقضي به فطرة الله تعالى، وهو توزيع الأعمال بين الزوجين:
على المرأة تدبير المنزل والقيام بالأعمال فيه، وعلى الرجل السعي والكسب
خارجه، وهذا هو المماثلة بين الزوجين في الجملة، وهو لا ينافي استعانة كل
منهما بالخدم والأُجراء عند الحاجة إلى ذلك مع القدرة عليه، ولا مساعدة كل منهما
للآخر في عمله أحيانًا إذا كانت هناك ضرورة، ورأوا ذلك هو الأصل والتقسيم
الفطري الذي تقوم به مصلحة الناس، وهم لا يستغنون في ذلك ولا في غيره عن
التعاون {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة: ٢٨٦) {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ
وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ} (المائدة: ٢) وما قاله
الشيخ تقي الدين وما بيَّنه في الإنصاف من الرجوع إلى العرف لا يعدو ما في الآية
الشريفة قيد شعرة.
وإذا أردت أن تعرف مسافة البعد بين ما يعمل أكثر المسلمين وما يعتقدون من
شريعتهم، فانظر في معاملتهم لنسائهم تجدهم يظلمونهن بقدر الاستطاعة لا يصد
أحدهم عن ظلم امرأته إلا العجز، ويحملونهن ما لا يحملنه إلا بالتكلف والجهد،
ويكثرون الشكوى من تقصيرهن، ولئن سألتهم عن اعتقادهم فيما يجب لهم عليهن
ليقولن كما يقول أكثر فقهائهم إنه لا يجب لنا عليهن خدمة ولا طبخ ولا غسل ولا
كنس ولا فرش ولا إرضاع طفل ولا تربية ولد ولا إشراف على الخدم الذين
نستأجرهم لذلك، إن يجب عليهن إلا المكث في البيت والتمكين من الاستمتاع،
وهذان الأمران عدميان، أي عدم الخروج من المنزل بغير إذن، وعدم المعارضة
بالاستمتاع، فالمعنى أنه لا يجب عليهن للرجال عمل قط، بل ولا للأولاد مع
وجود آبائهم.
وأما قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة: ٢٢٨) فهو يوجب
على المرأة شيئًا، وعلى الرجل أشياء، ذلك أن هذه الدرجة هي درجة الرياسة
والقيام على المصالح المفسَّرة بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ
اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (النساء: ٣٤) فالحياة الزوجية
حياة اجتماعية ولا بد لكل اجتماع من رئيس؛ لأن المجتمعين لا بد أن تختلف
آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس
يُرجع إلى رأيه في الخلاف، لئلا يعمل كل على ضد الآخر، فتنفصم عروة الوحدة
الجامعة ويختل النظام، والرجل أحق بالرياسة لأنه أعلم بالمصلحة وأقدر على
التنفيذ بقوته وماله، ومن ثم كان هو المطالب شرعًا بحماية المرأة والنفقة عليها،
وكانت هي مطالبة بطاعته في المعروف ... إلخ.
انتهى ما أردنا نقله من تفسيرنا للآية.
***
مسألة المساواة في الميراث
- ٩ -
أول من ابتدع الدعوة إلى المساواة بين الذكران والإناث في الإرث وغيره
شاب قبطي اسمه سلامة موسى اشتهر عنه شدة البغض والشنآن للإسلام وللعرب؛
لأنهم فتحوا بلاده وجعلوها إسلامية عربية، وكان يفضل على ذلك أن تظل خاضعة
للرومان المسيحيين على ظلمهم لقومه القبط، وما هو معلوم بالتواتر من عدل العرب
فيهم الذي لولاه لم يدخلوا في الإسلام أفواجًا بمحض اختيارهم حتى كان هذا سببًا
لتبرم بعض عمال المسلمين بذلك وشكواه منه للخليفة الأموي العادل عمر بن عبد
العزيز رضي الله عنه بتقليله مال الجزية فأجابه عمر بتلك الكلمة المأثورة التي
تشبه كلمات جده لأمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي (أن محمدًا صلى الله
عليه وسلم بُعث هاديًا ولم يبعث جابيًا) فلهذا البغض والشنآن للعرب والإسلام -
ولسبب آخر يتعلق بالمبشرين كما يقال - أخذ سلامة موسى عهدًا على نفسه أن
يطعن فيهما، وينفر مسلمي مصر ويصدهم عنهما، بالدعوة إلى الإلحاد تارة وإلى
الاندغام في الإنكليز تارة، وآخر ما رأيناه له دعوتهم إلى دين البابية البهائية الذين
جعلوا أساس دينهم القول بألوهية بهاء الله المدفون في عكا، وعبادته، وغرضه من
هذا تحويل المسلمين عن الإسلام، ولو إلى عبادة الشيطان، وقد راجت دعايته
الإلحادية عند بعض الملاحدة من المسلمين بعنوان التجديد فشايعوه عليها عدة
سنين [٢] ؛ ولكننا نراهم في هذه الأيام قد شعروا أنهم مخطئون خاطئون، إلا قليلاً
منهم لا يزالون مخدوعين.
منذ سنتين ألقى سلامة أفندي موسى محاضرة في جمعية الشبان المسيحيين!
بدعوى وجوب مساواة المرأة للرجل في الإرث أينما كان مصدره بناءً على أن
الإسلام ظلمها بتفضيل الرجل عليها، ثم تمكَّن من نشر هذه الدعاية الباطلة في
مجلة الرابطة الشرقية في العام الماضي حتى اضطر رئيس الجمعية إلى الرد عليه
فيها، وكاد هو وأمثاله يُحْدِثون في الجمعية شقاقًا يقضي عليها، وقد ردَّ عليه
كثيرون في ذلك الوقت وأخلفت ظنه (جمعية الاتحاد النسوي المصري) إذ حاول
إغواءها بإغرائها بالمطالبة بهذه المساواة فكتبت هدى شعراوي هانم يومئذ ردًّا عليه
نشرته في الجرائد صرَّحتْ فيه بأنه ليس من موضوع هذه النهضة النسائية الخروج
عن الشريعة أو عليها بتغيير أحكام الإرث في الإسلام.
ثم إن محمود عزمي أفندي من زملائه أعاد هذه الدعاية في مناظرته لنا في
كلية الحقوق من الجامعة المصرية، واستند فيها إلى شبهات عاطلة، ودعاوى
باطلة، بيَّنا فسادها هنالك بالبرهان، وأيَّدنا فيها الرأي الإسلامي العام، وأنكر
الأمير عمر طوسون باشا الشهير على الحكومة السماح للملاحدة بمثل هذا الجهر في
الطعن على الإسلام والدعوة إلى ترك نصوصه القطعية في مدارسها الرسمية وهي
حكومة إسلامية، وكتب بذلك إلى سعادة وزير المعارف وهو وزير متدين ولله الحمد،
لا يسمح بما كان يسمح به غيره من قبل.
بيد أننا رأينا بعد هذا كله قبطيًّا آخر كاثوليكيًّا يقدِّس نصوص الكتب السماوية
سواء أكانت معقولة أم غير معقولة، وهو لم يشتهر بالإلحاد، ولم نعرف عنه قبل
اليوم طعنًا في الإسلام، قام يعزز سلامة موسى ومحمود عزمي في الغلو في مسألة
مساواة النساء للرجل، فجهر بمسألة وجوب مساواة الميراث في محاضرة ألقاها في
الجامعة الأميركانية التبشيرية محتميًا بما لها من الامتيازات الأجنبية، فكان أشد
قذعًا وفحشًا في الطعن على الإسلام وعلى المتدينين به، واستهزاء بمن أنكر حق
النساء في هذه المساواة منهم من أمير ووزير وعالم نحرير (وهو الدكتور فرج
ميخائيل) .
ولم يكتف بالجهر بهذا السوء باللسان، بل طبعه لتعميم الدعاية في البلاد، قد
بدهه بعض الشبان المسلمين بالإنكار في وجهه عند التصريح بهذه المسألة، ثم ذهب
أفراد منهم إلى مكاتب جميع الجرائد اليومية فأخبروها بما كان، ومنهم من كتب
إليها بالرد والإنكار، فأجمعت على استقباح ذلك واستفظاعه، ثم دعته النيابة العامة
للتحقيق معه تمهيدًا للحكم عليه بما يستحقه جرمه، وكانت فعلته داعية لسؤال بعض
نواب الأمة حكومتها في المجلس: ماذا فعلت في مقاومة هذا الهجوم على دين الأمة
وحكومتها، الذي يخشى أن يكون موقدًا لنار الشقاق الديني فيها؟
إننا ندع هذا المتهور وشأنه مع الحكومة، فلا نتصدى للبحث في العقاب
القانوني الذي يستحقه، ونختص بكلامنا ما يجب علينا شرعًا من الدفاع عن ديننا
في جملته، وتحذير المسلمين من دسائس الطاعنين به، ومن تفنيد شبهاتهم على ما
يدعون من ظلم الإسلام للنساء في هذه المسألة وغيرها.
أول ما أقوله في الواجب الأول: إن أمر الدين ليس كأمر القوانين والعرف
القومي في جواز وضع نصوصه موضع البحث والنظر لنترك ما لا نستحسنه منها
ونُبقي ما نستحسنه، بل مقتضى الدين عند جميع الأمم أن يخضعوا ويدينوا لله
تعالى بقبول كل ما هو قطعي منه كما هو، سواء أدركوا وجه حسنه ومنفعته أم لا،
فشأنهم فيه كشأن المريض مع الطبيب النطاسي الماهر يقبل قوله في مرضه وما
يصف له من الدواء من غير أن يقيم له الدلائل والبراهين على فائدة الطب وعلى
وجوب جعل الدواء مركبًا من أجزاء معدودة، على نسب بينها محدودة، هذا مع
القطع بأن الأطباء كثيرًا ما يجهلون حقيقة المرض، وكثيرًا ما يُخطئون في وصف
الدواء له، وأن طبيب الأرواح والاجتماع بهداية الدين وأصول الشرع هو الله
المنزَّه عن الجهل والخطأ، وإنما يجوز للناس أن ينظروا في أدلة الأحكام الدينية
للتمييز بين القطعي منها وغير القطعي وعن حكمة التشريع والمصلحة التي أناط بها
الشارع الحكم.
حضرت منذ ثلاثين سنة ونيف مجلسًا من أرقى مجالس أركان النابغين من
هذه الأمة في دار المرحوم سعد باشا زغلول في حي الظاهر كان منهم أحمد فتحي
زغلول وقاسم أمين، وكان واسطة عقدهم الأستاذ الإمام رحمهم الله أجمعين، وبقي
من الأحياء الذين حضروا تلك الجلسة الشيخ محمد زيد بك الفقيه المشهور، دارت
المذاكرة بينهم كعادتهم في الأحكام الفقهية والقانونية والمقابلة بينها وما ينتقد منها،
فجرى على لسان أحدهم التمثيل بمسألة الربا، فقال المرحوم قاسم أمين: هذه
المسألة منصوصة في القرآن الكريم، فيجب علينا أن نأخذها قضية مسلَّمة بدون
بحث وإلا كنا غير مسلمين؛ وإنما نبحث في الأحكام الشرعية الراجعة إلى اجتهاد
المجتهدين، فوافق الجميع على قوله هذا.
وللفيلسوف ابن رشد حكيم الإسلام في الأندلس الذي كانت فلسفته من أعظم
أسباب نهضة أوربا العلمية كلمة في هذا الموضوع، وهي أن الفيلسوف لا يستبيح
لنفسه جعل الدين موضع بحث ونظر في قبوله، والحاجة إلى الاهتداء به أم لا؟
(أو قال كلمة بهذا المعنى) وعلل ذلك بقوله: لأن هذا بمعنى التشكيك في الفضيلة
هل هي حاجة من حاج البشر أم لا؟
وسأبين تفنيد ما زعمه عزمي من جواز ترك جميع أحكام الإسلام الدنيوية
ومنها الإرث واستبدال غيرها إذا ظهر بمقتضى تغير أحوال الزمان والمكانة عدم
صلاحيتها، وأفصِّل ما أجملته في الجامعة من انقسام نصوص الدين إلى قطعي
الرواية والدلالة لا مجال للاجتهاد فيه، وما هو غير قطعي فيجوز الاجتهاد فيه،
وما يبيح ترك كل منهما بإذن الشارع من اضطرار وغيره وحكمة هذا التقسيم
ومصلحة المكلفين فيه.
وإنما أقول هنا بالاختصار: إن مثل هؤلاء الثلاثة الجاهلين بنصوص الإسلام
ومعانيها وأصولها وحكمها، والكافرين بكتابه ورسوله، ليسوا أهلاً لأن يأخذ
المسلمون بآرائهم وأقوالهم في شيء مما ذكر، حتى أن ما يتعلق من ذلك برأي
الأطباء كالمرض المبيح للفطر في رمضان، وترك استعمال الماء في الوضوء
والغسل، والاضطرار المبيح لأكل المحرَّم أو شربه - لا يجوز الأخذ فيه بقول مثل
الطبيب فخري ميخائيل في تعصبه وظهور تحامله على الإسلام وإهانته للمسلمين.
وما جرَّأ هؤلاء على هذا العدوان واحتقار المسلمين وحكومتهم معًا إلا
الإسراف في حرية الإلحاد والفسق في هذه العاصمة الذي لا نظير له في أوربا ولا
أمريكة حتى صاروا يعتقدون أن المسلمين لم يبق عندهم مسكة من الغيرة الدينية
والحمية الملية، وهو يعلمون أنه لا يستطيع أحد في مدرسة من مدارس أوربا أن
يجاهر بالطعن في الإنجيل ولا في التوراة من الجهة التي يؤمن النصارى بها، وقد
بلغ من تعصب طلبة العلم في الولايات المتحدة أن أقاموا النكير على أستاذ مدرسة
قرر فيها نظرية دارون المشهورة المخالفة للتوراة حتى اضطرت حكومة تلك الولاية
إلى إخراج الأستاذ من المدرسة، وتحريم تقرير هذه النظرية في مدارسها كلها.
إنني لا أعقل أن تكون هذه المسألة التي اضطرب المسلمون كلهم لها (مسألة
الإرث) هي المقصودة بالذات من هذه الدعاية، ولا أن المقصود بالذات إعطاء
النساء ما يعتقد هؤلاء الدعاة أنه حق لهن حبًّا بالعدل وكراهة للظلم، ولا أعقل أنهم
يعتقدون أن استحسانهم لهذه المساواة واستقباحهم لما هي مخالفة له من حكم الله يقنع
المسلمين أمة وحكومة برفع هذا الظلم المزعوم، وتقرير ذلك العدل الموهوم، كيف
وهم يَدُعُّون النساء دعًّا إلى مهاوي الهلكة لهن ولبيوتهن (عائلاتهن) .
وإنما المقصود بالذات صدهم للمسلمين عن الإسلام نفسه وتحويلهم عنه
بإبطال ثقتهم به وغيرتهم عليه، وتقطيع الروابط التي تربطهم بالأمة العربية
العظيمة، وفصم عروة الجامعة التي تضم إليهم ٣٥٠ مليونًا من البشر لا يرون
لملتهم زعيمًا بعد الدولة العثمانية أولى من مصر، ولا يخفى ما وراء ذلك وما
يلزمه من الفوائد لهم ولمن يستخدمهم.
وما أطمعهم في هذه الأمنية إلا إخوانهم من ملاحدة المسلمين الذين كانوا أجرأ
منهم وأسبق إلى الجهر العريان بالطعن في الثقافة الإسلامية والحضارة العربية
والآداب العربية كما تقدم في مقال سابق، وإلا ما علموا من حرمان النشء
الإسلامي الحديث من التعليم الإسلامي والتربية الإسلامية في البيوت والمدارس معًا،
وما يشاهدون من ثورة النساء وخروجهن إلى الإباحة لا إلى التبرج فقط، فأرادوا
أن يجعلوا جندهم في تجديد الإلحاد من الشبان والنساء، ولذلك يكثرون اللهج بالثقة
بهما.
والدليل على أن هذا غرضهم ما صرحوا به في الاستدلال على وجوب قبول
المساواة بين المرأة والرجل في الميراث، وهو أن المسلمين قبلوا ورضوا بترك
حكومتهم لإقامة حدود القرآن على السارقين والزناة، وبحكم المحاكم الأهلية في
الدماء والأموال وترك حكم الشريعة، فلماذا لا يرضون إذًا بترك أحكام الإسلام في
الأمور الشخصية؟ وأما أحكام العبادات فهم يشاهدون درجة التهاون بها، ولا
يشكون بقرب زوالها.
وقد فنَّدت هذا القياس الشيطاني الفاسد في محاضرتي الأخيرة في الجمعية
الجغرافية الملكية من بضعة وجوه، وضربت له مَثَلَ مَن قصَّر في حفظ ماله
وصيانته لغصب بعضه ولم يسع لرده، فقيل له إنك عرضت بعض مالك للزوال
فيجب عليك أن تعرض الباقي حتى تبقى معدمًا! !
وسأذكر في الفصل الآتي تلك الأدلة، بل الشبهات التي أوردها كل من عزمي
وفخري مع تفنيدها وأحذف ذلك من المحاضرة.
***
تفنيد شبهات المساواة في الميراث
- ١٠ -
إن لنا في الكلام في هذه المسألة مسلكين (أحدهما) ما هوَّن به دعاة الإلحاد
على المسلمين ترك حكم الله في المسألة (وثانيهما) ما يرجحون به حكمهم على
حكم الله عز وجل، ويحتجون به على تفضيله عليه، مع علمهم بأن أعظم شعوب
أوربة وأعدلها في نظرهم وعرفهم - كالدولة البريطانية - لا تورث النساء ألبتة،
ومن هؤلاء الملاحدة من دعا أهل هذه البلاد إلى تسليم أمرهم إليها، وترك قوميتهم
إلى قوميتها، ووطنيتهم إلى وطنيتها.
أما المسلك الأول فإننا نبدأ القول فيه بتفنيد ما زعمه عزمي أفندي من أن
بعض علماء المسلمين قال إنه يجوز لهم ترك جميع أحكام الشريعة الدنيوية حتى
الثابت منها بالنصوص القطعية إلى ما يرونه خيرًا منها؛ لأنها أحكام تختلف
المصلحة فيها باختلاف الزمان [٣] ومنها الأحكام المالية كالميراث وغيره؛ وإنما
الذي يجب المحافظة عليه أحكام العبادات فقط، ثم نفنِّد ما اشترك فيه معه غيره
كالدكتور فخري ميخائيل فرج، فنقول:
تفنيد دعوى كون الأحكام الدنيوية في الإسلام اختيارية
إن هذا الزعم الذي جهر به عزمي في مجلس المناظرة لم يقل به عالم من
علماء المسلمين المتقدمين ولا المتأخرين، ولا يتجرأ عليه إلا بعض الزنادقة الذين
لا يبالون ما يقولون، فإنه مخالف لنصوص الكتاب والسنة وللإجماع والقياس،
فالقول به كفر صريح يعد صاحبه به مرتدًّا عن الإسلام بالإجماع.
لا فرق عند علماء المسلمين بين أحكام العبادات وأحكام المعاملات في أدلة
ثبوتها ووجوب العمل بها، إلا ما يقوله بعض أئمتهم من أن مدار ثبوت العبادات
كالتحريم الديني على نصوص الكتاب والسنة دون الرأي والاجتهاد؛ وإنما يختص
الاجتهاد بصفة العمل بها كالاجتهاد في القبلة مثلاً - ومن أن المعاملات المالية
والسياسية وغيرها هي التي فوَّض الشارع إلى الأمة الاجتهاد فيها واستنباط الأحكام
للمصالح التي لا نص له فيها، ومن القواعد المسلَّمة عند جميع الفقهاء أنه لا اجتهاد
في مورد النص، وعلماء القوانين الوضعية يوافقون علماء الشرع على أن الاجتهاد
المخالف لنص القانون باطل؛ وإنما محله تفسير القانون وتطبيقه على القضايا،
وفي هذه المسائل تفصيل يتوقف بيانه على ذكر مذهب الظاهرية، ومذهب أهل
الرأي، ومذهب فقهاء الحديث، وليس هذا المقام بالذي يتسع لهذا كله ولا بالذي
يقتضيه، وحسبنا أن نفنِّد ذلك الزعم الإلحادي بإثبات الإجماع الذي لا نزاع فيه
على أن نصوص الشارع القطعية الرواية والدلالة تجب المحافظة عليها، ولا يجوز
رد شيء منها، ولا تركه بدون عذر شرعي. وإن من جحد شيئًا منها عالمًا به فهو
مرتد عن الإسلام خارج من الملة.
وأما ما كان غير قطعي الرواية أو غير قطعي الدلالة فهو محل للاجتهاد عند
من كان أهلاً له من العلماء، وقد ضربت له المثل في مجلس المناظرة بآية البقرة
في تحريم الخمر والميسر وهي قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ
فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} (البقرة: ٢١٩) فإنها تدل
على التحريم دلالة ظنية راجحة؛ ولكنها غير قطعية، والحكم في مثلها أن من فهم
منها الدلالة على التحريم وجب عليه العمل بمقتضى فهمه كما وقع من بعض
الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنهم تركوا الخمر والميسر عقب نزولها، وبقي بعضهم
يشرب الخمر ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك؛ لأنه اجتهاد في
موضعه، حتى إذا ما نزل النص القطعي الدلالة على التحريم في آيات سورة
المائدة أهرق الصحابة كلهم ما كان عندهم من الخمر حتى صارت تجري كالسيل
في شوارع المدينة، وصار النبي صلى الله عليه وسلم يعاقب من ثبت عليه شربها.
هذا حكم المسائل الظنية التي يجوز فيها الاجتهاد، أعني حكمها في حق
الأفراد من الناس، وأما ما كان منها متعلقًا بالمصالح العامة والحقوق، فإذا ثبت
منها شيء عند أولي الأمر وأمر به الإمام وجبت طاعته فيه، فلا يجوز لأحد أن
يخالف الحكومة في أمور المصالح العامة ولا في الحقوق عملاً باجتهاده.
ومسألة الميراث التي هي موضوع مناظرتنا مع الملاحدة وبعض النصارى
المعتدين على ديننا من المسائل القطعية الرواية والدلالة، أما الرواية فهي آيات
القرآن وكلها متواترة قطعية بغير خلاف، وأما دلالتها على ما ذكر فهي قطعية
أيضًا لأنها لا تحتمل في لغة القرآن معنى غير المعنى المتبادر منها، ولا يشتبه في
هذا أحد له أدنى إلمام بهذه اللغة، وأولها قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} (النساء: ١١) ويلي هذا النصوص في الإخوة
والأخوات والأزواج وكلها صريحة قطعية؛ وإنما يوجد في مسائل الإرث قليل من
الأحكام الاجتهادية الأخرى.
والدليل من نص القرآن على أن أحكام الإرث محكمة لا اختيار لأحد في
تركها، وأن الله تعالى يعاقب من عصى أمره فيها يوم القيامة ويثيب من أطاعه
قوله عز وجل عقبها: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي
مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ
حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} (النساء: ١٣-١٤) .
فأي مسلم يؤمن بالله وكتابه وبرسوله يرضى بأن يعرِّض نفسه للحرمان من
ذلك الفوز العظيم بمثوبة الله بتلك الجنات الخالدة الدائمة، ولصلي تلك النار الخالدة
والعذاب المهين فيها، بإيثاره للنظريات الفاسدة التي يدعوه إليها أفراد من الملاحدة
والقبط المساعدين لدعاة النصرانية (المبشرين) على إفساد عقائد المسلمين
وتحويلهم عن شريعتهم، ليسهل عليهم استعباد الأجانب لهم؟ .
حسبنا في المسلك الأول هذا التفنيد الموجز لزعم عزمي أنه يوجد في علماء
المسلمين من يبيح لهم ترك ما شرعه الله تعالى من أحكام المعاملات الدنيوية المالية
والشخصية والسياسية، وهو ما صرَّح به إلا لأن هؤلاء الملاحدة يبغون غش
الصحيحي العقيدة من المسلمين وخداعهم لهدم الإسلام كله؛ فإنهم إذا تركوا قسم
الأحكام المذكورة من شريعتهم يسهل عليهم أن يكون جميع حكامهم من الملاحدة
والإفرنج، فلا يبقى للإسلام حكومة في هذه الأرض، فيكونون كاليهود بل أذل؛
فإن اليهود استعاضوا عن عزة الملك بعزة الثروة التي لها الشأن الأكبر في إدارة
أمور الدنيا، على أنهم على قلتهم وتفرقهم لا يزالون يسعون لإعادة ملكهم، فإن كان
أكثر الناس يجهلون سعيهم فقد ذكرتهم به ثورة فلسطين الأخيرة، وهم يعتقدون أن
إقامة دينهم لا تتم بدون ملك؛ لأنه دين تشريع وحكم، والمسلمون أحق منهم بهذا
الاعتقاد. وإن أكبر الجهاد الذي يجاهدهم به أعداء دينهم موجه إلى هدم سيادته
الحكمية التشريعية، وهم يعلمون أن القسم التعبدي الروحي لا يلبث بعد ذلك أن
يزول معظمه، ويبقى قاصرًا على عدد قليل في كل بلد أو قطر.
هذا ما انفرد به عزمي بوحي شيطاني من أحد أركان حزبه، وأما ما اتفق
عليه عزمي وفخري فهو محاولة إقناع المسلمين بترك أحكام دينهم في الميراث وكذا
في الطلاق وغيره من أحكام الزوجية بقياسه على ترك الحكومة المصرية لإقامة
الحدود الشرعية وغيرها من أحكام العقوبات والمعاملات المدنية.
والفرق بين هذا وما قبله في إيذاء المسلمين واحتقارهم أن هذا دعوة لهم إلى
ترك ما يؤمنون بأنه من أحكام الله التي وعد من أطاعه فيها بسعادة الدنيا والآخرة،
وأوعد من عصاه فيها بالعذاب المهين، أي إلى نبذ عقيدتهم، وتوطين أنفسهم على
سخط ربهم وغضبه وعقابه بدعوى أنه لا مندوحة لهم في هذا العصر عن ذلك،
فهذا احتقار لهم وسخرية منهم ما بعدها غاية في الإيذاء المعنوي؛ وإننا قد اطلعنا
على كثير مما كتبه أعداء الإسلام والمسلمين في الدين والسياسة فلم نرهم على
تعصبهم وتشويههم لمحاسن الإسلام يدعون أن تفضيل الذكور على الإناث في
شريعته كان سببًا من أسباب ضعفهم المدني أو الاجتماعي، بل هذا مما انفرد به
هذان القبطيان وأعوانهما من ملاحدة مصر.
وأما ما قبله فهو خداع يتضمن رمي مسلمي مصر بالجهل بدينهم، وأنهم بلغوا
من ذلك ما يؤهل مثل عزمي في مجاهرته بالإلحاد بل التعطيل التام، لأن يقبل قوله
في الصد عن أكمل هذه الأديان، وأقواها حجة وأعظمها أثرًا في الحضارة
والعمران، ويصدق بأن بعض علماء المسلمين قال بجواز ترك أحكام القرآن
الدنيوية؛ لأنها بزعمه اختيارية.
وقد بدا لهم من هذا التهور ما لم يكونوا يحتسبون، فصاح شبان المسلمين
المتعلمين في وجوههم الصيحة بعد الصيحة في الجامعة المصرية، ثم في الجامعة
الأميركية، وكانوا يظنون أنهم جندهم الذي يدين لهم بالطاعة العمياء والتقليد لخدعة
التجديد، وتبارت أقلام الكتاب المرهفة في حلبة الصحف في تفنيدهم والإزراء بهم.
نعم غرَّ فخري ميخائيل قول راوية الأهرام في مناظرة الجامعة (أن الشباب
صفَّق لمحامي الشباب) إذ لم يقرأ أو لم يصدِّق مما كُتِبَ في الصحف عن تلك
المناظرة إلا شهادة الزور التي رواها للأهرام (أحمد الصاوي) من أنصار التجديد
الإلحادي، غرَّه هذا وصدَّقه فصرَّح في محاضرته المنكرة بأنه يعتمد على الشباب
المسلمين في مناقشة الذين يتحككون بالشريعة الإسلامية في هذه المسألة دفاعًا عن
حق المرأة - فجبهه من حضر من أولئك الشبان الأباة الضيم في وجهه، ودمغوه
بالإنكار في أثناء إلقائه لسخفه؛ ولكن كان قد طبعه ووزَّعه على الناس، وإننا ننقل
نص عبارته لأنها أوسع وأوضح من عبارة عزمي في مناظرته، ثم نقضي عليها
بتفنيدها من الوجوه التي أجملناها في محاضرتنا في قاعة الجمعية الجغرافية الملكية
كما وعدنا، وهذا نص عبارته الركيكة المعسلطة:
عبارة الدكتور فخري في المساواة في الإرث:
وإذا تحكك المدافعون عن نظرية حق البنت في الميراث؛ فإننا نتركهم
يتحككون بأحكام الشريعة في هذه المسألة، ونتركهم يصرخون ويستصرخون وزير
المعارف وغيره لحماية الإسلام كما يدَّعون، نترك عليهم المفكرين الحديثين من
شبان المسلمين يناقشونهم الحساب دفاعًا عن حق المرأة، ولكن قبل تركهم نسألهم
سؤالاً واحدًا في خشوع واحترام لأشخاصهم بغض النظر عن ادعاءاتهم:
أيها السادة: لماذا لا تطالبون بتطبيق أحكم الشريعة الإسلامية في مسائل
السرقة والزنا والقتل؟ ولماذا تُجيزون للقاضي الأهلي أن يحكم على أي واحد منا
بالإعدام ولا يحكم في مسألة نفقة شهرية؟
ولما تجيزون للقاضي الأهلي أن يحكم على أي واحد منا بتجريده من ثروته
وإعلان إفلاسه، ولا يحكم في مسألة طلاق بسيطة؟ لا تتذمرون من أن القاضي
الأهلي أصبح مختصًّا في الحكم على كل ما يتعلق بكرامتنا وبشرفنا وبأعراضنا
وبثروتنا وبحريتنا وبإعدامنا أو تخليصنا من الإعدام، وتعرضون لمجرد مناقشتنا
في مسألة بسيطة وهي حظ الأنثى في الميراث ... حقًّا ما أكثركم غيرة على الشريعة،
وما أحركم هيامًا بالدين.
(أيها السادة إن كنتم غيورين على الشريعة فنادوا - إن كنتم شجعانًا - بتطبيق
أحكام الشرع الشريف في كل شيء) .
(وأما كنتم لا تغارون على الشرع أو الدين، بل إنكم تغارون على (ميراث
العمارات والأفدنة والطين) ، فسيروا في طريقكم، ودعوا المفكرين الحديثين في
طريقهم كل يعمل بعقيدته وإيمانه، والله ولي التوفيق) اهـ.
وهذا الكلام يتضمن الطعن على جميع المسلمين بجعلهم أحدهما منافق وهو
الذي يدَّعي الغيرة على الدين والمحافظة على أحكامه، وهو فريق الشيوخ والكهول،
وغير المفكرين الحديثين من الشبان، وفريق مارق ملحد وهو فريق الشبان
المفكرين الذين هم محل أمله وأمل أمثاله في القضاء على البقية الباقية من الإسلام
اتباعًا لأهوائهم وشهواتهم، وانخداعًا بأوهامهم التجديدية، ولولا سوء اعتقاده
بغرارة هؤلاء الشبان، وانسلاخهم من كل وجدان وغيرة على شرف دينهم، لما
تجرأ على التهكم باستصراخ أمير من أكبر أمراء هذا الشعب [٤] لوزير المعارف
بأن يمنع مثل هذه التصريحات المنكرة في الإسلام على مسمع من طلاب العلم في
مدارس هذه الحكومة الإسلامية.
وما كررنا هذا المعنى في كشف عوار هذه الدعاية الإلحادية إلا لتستقر في
أذهان الشبان وغيرهم، وليعرفوا قيمتهم عند هؤلاء الناس وما يريدون.
وموعدنا المقال الحادي عشر في الرد العلمي العقلي عليهم.
((يتبع بمقال تالٍ))