للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: عن بعض المغاربة المسلمين


بيان إلى العالم الإسلامي
عن قضية البربر في المغرب الأقصى
(جاءنا بالبريد من بعض مدائن المغرب)
أيها المسلمون:
نحن إخوانكم المغاربة الذين اعتدي علينا، وسُلبنا - أو كدنا - نُسلب أقدس
حق يملكه الإنسان، نحن إخوانكم الذين أراد الفرنسيون أن يقضوا على ديننا
ويمزقوا وحدتنا، ويقتلوا لغتنا، لغة الكتاب المنزل من السماء، نحن إخوانكم الذين
أيسنا أن نقر الذل فينا، وأبينا أن نضام في أعز شيء علينا، (الدين، والوحدة،
واللغة) جاهدنا وضحينا في ذلك جهد المستطاع، فمنا من جُلد، ومنا من سُجن،
ومنا من نفي، ومنا آخرون يُضطهَدون ما بين عشية وضحاها، ولو بلغ الأمر بنا
إلى حد القتل ما كنا نبخل على ديننا بدمائنا الزكية، نحن الذين كنا ولا نزال من
أخلص الناس للعروبة والإسلام، ومن أشد الناس شكيمةً وأقواها تمسكًا بأحكام السنة
والكتاب، نحن الذين حلت بنا هذه المصيبة العظمى والرزية الكبرى، نريد أن
نبين لكم - أيها المسلمون - الحقائق وندلي لكم بالحجج والبراهين التي لا تُبقي شكًّا
لمرتاب، ولا يحتاج معها المتبصرون في فهم قضيتنا هذه إلى شيء آخر، ولئلا
تنطلي على بعض الناس خدع السياسة؛ لأنه أبعد عنا دارًا، وأنأى مزارًا:
* وما راءٍ كمَن سمعا *
نناشدكم الله والروح الإسلامي - يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم - أن
تتبصروا في هذه القضية المغربية. ولا تغتروا بما ينشره الفرنسيون من الأضاليل
والتمويهات الكاذبة؛ فإن هذه القضية لها ما بعدها، وإذا نجح الفرنسيون في
تجربتهم هذه فينا فسيحذو حذوهم جميع دول الاستعمار ويتقلص كل الإسلام من
الأرض (لا قدر الله) . واذكروا إذا خرج المغرب من حوزة الإسلام كما خرجت
الأندلس وصقلّية ماذا يكون عذرنا أمام الله، وموقفنا إزاء العالم أجمع؟
إن هذه القضية - يا أمة رسول الله - ليست إلا إعادة لتمثيل رواية الأندلس
الحزينة في المغرب الأقصى، أو ابتداء حرب صليبية من جديد.
يا أمة رسول الله: ها نحن أولاء ندلي لكم بالحجج والبراهين لتعلموا ما يتهدد
ديننا من الأخطار، وأنتم اليوم أقوياء إن اتحدتم وتناصرتم، والعاقبة لكم ما جادلتم
عن الإسلام وجاهدتم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد: ٧) {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى
عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة: ١٠٥) .
الحال في المغرب قبل الحماية
عندما ضعف نفوذ الملوك المتأخرين كان المغرب كله في ثورة [١] عامة،
سواء حواضره وبواديه، عربه وبربره، فما سكنت قبيلة أو مدينة إلا وتثور أخرى،
وكان أشد القبائل شقًّا للعصا القبائل النائية عن عاصمة الملك، حيث توجد القوات
والسلطات، ومن هذه القبائل العرب والبربر، وكانت القبيلة إذا ثارت إما أن
يساعدها قائدها وقاضيها على الثورة فتتركهما يحكمان فيها ويكونان معها من
الثائرين، وإما أن لا يساعداها فتقتل غير المساعد أو تجليه عن أرضها، وفي هذه
الحالة تضطر بحكم الضرورة إلى نصب محكمين من قبلها لفصل المنازعات
والمشاكل التي تقع بين الأفراد والجماعات، وكانت تختار لفصل القضايا الجنائية
والمنازعات التي تحدث بينها وبين مَن جاورها من القبائل على الحدود وغيرها
جماعة من كبرائها، ويجعلون على رأس هذه الجماعة مَن كان أكبرهم سنًّا
وأرشدهم رأيًا.
وإذا نظرنا إلى أن المغرب أكثره كان قد انهدَّ ركنه الأخلاقي والعلمي - نعلم
أن هذه الجماعة التي كانت تحكمها بعض القبائل إنما كانت تحكم بأهوائها غير مقيدة
بدين ولا قانون؛ لأنها كانت تجهل ذلك، هذا في القضايا الجنائية كما ذكرنا، وأما
القضايا المدنية والأحوال الشخصية فكانت تختار لها عالمًا من العلماء الذين كانت لا
تخلو منهم قبيلة، ويكون هذا العالِم بمنزلة القاضي غير أنه ولي من طرف القبيلة،
ولا ننكر أنه كان يوجد بإزاء هذا بعض اللصوص المتشردين فيعملون على وفق
أهوائهم، معتمدين على بأسهم وقوتهم.
أما الملوك فلم يقروا أحدًا من هذه القبائل الثائرة على حالته، بل كان كل ملك
يعمل جهده كله ليردهم إلى طاعته، والتحاكم إلى القضاة والقواد الذين يوليهم عليهم
هو بصفة رسمية.
هذه هي الحالة الحق التي كان عليها المغرب في أعوامه الأخيرة سواء من
جانب الملوك أو من جانب القبائل، وقد ظهر من ذلك أن القبائل البربرية لم تنبذ
الشرع الإسلامي أو التحاكم إليه يومًا ما، وأن نصبها للجماعة وتحكيمها إنما كان
لضرورة الثورة، وأن أحدًا من الملوك لم يقرهم على شيء من ذلك، وإنما كان إذا
أعجزه كبح جماحهم وخضد شوكتهم سكت عنهم اضطرارًا وإن هذه الحالة كانت
عند العرب والبربر على السواء.
الحال بعد الحماية
عندما بسط الفرنسيون الحماية على المغرب فكروا في شيء يضمن لهم
بقاءهم فيه واستيلاءهم عليه نهائيًّا حتى يصير قطعة من الجمهورية كالجزائر
والسنغال، فرأوا أن ذلك يمكنهم بمصادرة ثلاثة أشياء: الأحكام الشرعية، والقرآن
واللغة العربية؛ لأنها ثلاثتها كحلقة مفرغة يرتبط طرفاها بعضها ببعض وتجمعها
كلمة واحدة (الإسلام) والإسلام هو العقبة الكأداء عندهم في طريق استعباد
الشعوب، ووجدوا أن الأمر يواتيهم في البربر أكثر مما يواتيهم في العرب،
فرسموا لتنفيذ ذلك فيهم خطة ابتدأوا العمل بها عام ١٩١٤م. وصاروا يقطعون
مراحلها في طي الخفاء إلى أن ظنوا أن الوقت قد حان للعمل النهائي وأنه لم يبقَ
في المغرب مَن يرفع رأسه أو ينبس بكلمة، فاستصدروا ظهير ١٧ الحجة عام
١٣٤٨ هـ وفيه القضاء الأخير على الإسلام والمسلمين بالمغرب الأقصى.
الوثائق الرسمية
في محاولة فرنسة إخراج البربر من الإسلام
وها هي أقوال ساستهم الرسمية وغيرها ندلي بها حجة على ما نقول، فمن
ذلك:
١- منشور أصدره المرشال ليوتي عندما كان مقيمًا عامًّا بالمغرب إلى رؤساء
الاستعلامات، ونقله الكمندان مارتي في كتابه (مغرب الغد) صحيفة ٢٢٨ هذا
تعريبه ملخصًا:
(إن رئيس مكتب الاستعلامات (ج) لما تخابر مع ءايت مسروح الذين لا
يفهمون إلا البربرية أمر رؤساء هذه الجماعات بتعيين طالب معهم ليحرر لهم
رسائلهم الإدارية مع مكتبة باللغة العربية، لقد غلط هذا الضابط غلطًا فاحشًا، ولكن
لا يستحق توبيخًا على تفكيره - وإن كان هذا التفكير يشتمل على شيء لا أردأ منه -
لأنه لما لم يجد موظفين يحسنون البربرية اقتضى نظره ذلك حتى لا تنقطع
الصلة بينه وبين ءايت مسروح. وإني لا أجد أفظع من هذه الكلمات التي أدرجها
هذا الضابط في تقريره وهي (إن هؤلاء الطلبة الذين سيكلفون بتحرير الرسائل
سيتكفلون بتعليم الصبيان إقامة الصلاة التي أصبحت متروكة عند الرجال منهم
بسبب جهلهم) إن في هذه السياسة البربرية لعكسًا. لا حاجة لنا في تعليم العربية
إلى المستغنين عنها، والعربية رائد الإسلام، ومصلحتنا تأمرنا بأن نمدن البربر
خارج سور الإسلام. ويجب علينا أن نمر من البربرية إلى الفرنسية بدون واسطة.
ولابد لنا من فتح مدارس فرنسية بربرية تتعلم فيها الشبيبة البربرية الفرنسية.
ويجب علينا أن نأخذ الاحتياط من الذاكرة معهم في شأن الدين؛ لأن الإسلام ما
وَضَعَ على البرابر - أعني البرابر الذين ظلوا مستقلين - إلا صبغة سطحية..
اهـ) .
٢- ما قاله الكمندان مارتي [٢] في كتابه المشار إليه (مغرب الغد) صفحة
٢٤١ وهذه ترجمته بالعربية:
(.. وهذه المدرسة الفرنسية البربرية هي فرنسية باعتبار ما يقرأ فيها،
وبربرية باعتبار تلاميذها، وإذًا فلا حاجة بنا إلى واسطة أجنبي حيث إن التعليم
العربي وتدخل الفقهاء وكل المظاهر الإسلامية ستبعد عنها إبعادًا، وإننا سنجذب
إلينا بواسطة هذا التعليم الصبيان الشلوح، وبذلك نبعدهم قسرًا عن كل ما يطلق
عليه لفظ الإسلام) .
٣- ما جاء في خاتمة الكتاب (الشعب [٣] المغربي أو العنصر البربري)
لفكتور بيكيه، من ص ٢٨٧-٣٠١ وتلخيصه:
(لما دخل العرب إفريقية الشمالية عرَّبوا السهول وانتشرت لغتهم فيها وحلت
محل البربرية ولم يبقَ من البربر محافظًا على لغته إلا الجبليون، فهل يبقون
كذلك؟ ! الجواب نعم؛ لأننا لما حفظنا للقبائليين في الجزائر حالهم اتخذوا اللغة
الفرنسية بدلاً من العرب، ولا بد لبربر المغرب أن تتبع تلك الخطة، ومن الواجب
علينا إعانتهم على ذلك.. إلى أن قال: وقانونهم الخاص (يزور) لا علاقة له
بالقرآن، فيجب أن نثبته ونتممه ونرقيه بكيفية بربرية إن لم تكن فرنسية، ولا
نترك القرآن يثبت في أذهانهم ولقد ساعدنا على نشر اللغة العربية من غير قصد
حيث استعملنا ضباطًا وموظفين مدنيين عسكريين لا يحسنون العربية، فاحتجنا إلى
مَن يعرف العربية، وعليه فلنتجنب الفقهاء الذين تحتاج إليهم الجماعة. والكتاب
والمدرسون يجب أن يكونوا برابر؛ لأن من استعملناه من الجزائريين العرب في
التدريس نشروا العربية والقرآن، لكنا في عام ١٩٢٣ جعلنا برنامجًا للتعليم
البربري في فكرة إفرنسية وجل المدرسين من القبائليين وهي أحسن وسيلة لمصادرة
اللغة العربية) .
٤- ما ذكره السوردون [٤] في محاضراته (محاولة وضع القانون البربري)
التي كان يلقيها في معهد الدروس العليا بالرباط سنة ١٩٢٨ - المقدمة ص٢٢:
(.. سيتم فتح أرض البربر عما قريب، وقد آن الوقت لنفي بوعدنا الذي
وعدنا به كل قبيلة.. ص٢٣ ولتتم مهمتنا يلزم السلطان أن يكلف الفرنسيين بإدارة
شئون البلاد البربرية؛ لأنه يظهر من الصعب أن نطلب من السلطان الديني
الشريف أن يضع للبربر قانونًا ... وقد آن الوقت أيضا لجمع العوائد؛ لا بالعربية بل بالبربرية، فنحن الذين بنينا الدار، ولنا الحق في ترتيبها بالاستعمار..) .
وفي الخاتمة (ص٢٠٩) يتعين علينا معرفة الشرع البربري لا للمحافظة
عليه لأنه محكوم عليه بالاندثار أمام شرع أعلى منه.. (وفي ص٢١٣) توجد
بالمغرب اليوم شريعتان مدونتان، الشرع الإسلامي والشرع الفرنسي، ويلوح أن
الأولى لنا هو أن تندمج العوائد البربرية تحت الفرنسي (أولاً) لأن بيننا وبين
الشرع الإسلامي هوة (ثانيًا) لأن أسلحتنا هي التي أدخلت الأمن إلى بلاد البربر،
وهذا يعطينا الحق لأن نختار الشريعة التي يجب أن تطبق فيهم - ص٢٢٤.. ولنا
الحظ السعيد بوجودنا مع مسلمين لا يطالبوننا بإقامة الشرع فيهم، فلماذا نوجده نحن
بيدنا ويكون حائلاً بيننا وبينهم؟ ، طاعة البربر كلفتنا مجهودات كبيرة، والسلطان
يعترف لنا بأننا وحدنا فتحناهم. وعليه فيظهر أنه لا يرى بأسًا في أن نتحكم فيهم
كيف نشاء - (وفي ص ٢٢٩) .. إن البربر مسلمون ولكن الإسلام عندهم مجرد
اعتقاد، فلماذا لا نفكر في أنه يمكنهم يومًا ما أن يختاروا قوانينها؟ وعلى كل حال
يكفي أن تفتح لنا هذه النظرة الهائلة الباب لنبدأ في العمل بلا تأخر) .
تنفيذ سياستهم في البربر
وقد أتبعوا هذه الأقوال بالأعمال فأنشأوا المدارس الفرنسية البربرية ولا عربية
فيها، وجعلوا اللهجة البربرية لغة رسمية تُكتب بها التقارير والأحكام، وأخرجوا
الفقهاء، وأقفلوا كتاتيب التعليم، وصادروا الشرع بهذا الظهير الذي سننشر المهم
منه في هذا البيان، وصاروا ينشرون المسيحية بمختلف الوسائل وهنا نشير إلى
بعض القبائل البربرية التي جاء عهد الحماية وقضاتها فيها حتى ألغى الفرنسيون
وظائفهم وجُلّهم لا يزال حيًّا يرزق، ففي قبيلة زيان حوالي عام ١٣٣٢ و١٣٣٣
كان متوليًا القضاء فيها مولاي بو عزة بن محمد الإدريسي، وفي قبيلة تالشوت
السيد عبد الله ولد الحاج السوسي وولي بعده السيد حمودة المباركي طرد من وظيفته
ولا يزال حيًّا، وفي آيت هودي سيدي مبارك السرغيني، وفي قصبة ممع وسعيد
البراوي سيدي محمد الغرواوي، وفي آيت يعقوب وعيسى وآيت أحمد وعيسى
وآيت إسحاق وبعض آيت شخمان سيدي محمد بن الكليب الهواري، وفي بقية آيت
شخمان وآيت يحيى وما جاورهما سيدي علي بن المكي المهاوشي، وفي آيت بو
زيد سيدي الحنصالي، وفي آيت عباس وآيت حماد السيد أحمد ولعباس التنغمالتي،
وفي آيت أجناد سيدي أحمد بن كواه، وفي قصبة أشفيرة الفقيه ابن الغازي، وفي
خنيفرة مولاي علي الإدريسي، وفي أحوازها سيدي أحمد النوخي الزياتي وفي آيت
سكوكو السيد عبد الكريم بن العربي، وفي آيت مغي سيدي محمد العتابي، وفي
بني مكيلد مولاي الصالح بابران (وكذلك غير هذه القبائل المذكورة كان لها القضاة
الشرعيون، فطرد الجميع وألغيت وظيفة القضاء الشرعي من قبائل البربر كلها.
أهم نصوص الظهير السلطاني
أما الظهير السلطاني فهذا نص المهم منه ونترك الحكم فيه إليكم - أيها
المسلمون -:
(الفصل الأول) إن المخالفات التي يرتكبها المغربيون في القبائل ذات
العوائد البربرية والتي ينظر فيها القواد في بقية نواحي مملكتنا السعيدة يقع زجرها
هناك من طرف رؤساء القبائل، وأما بقية المخالفات فينظر فيها ويقع زجرها طبق
ما هو مقرر في الفصلين الرابع والسادس.
(الفصل الثاني) إنه مع مراعاة القواعد المتعلقة باختصاصات المحاكم
الفرنسوية بإيالتنا الشريفة فإن الدعاوي المدنية أو التجارية والدعاوي المختصة
بالعقارات أو المنقولات تنظر فيها محاكم خصوصية تعرف (بالمحاكم العرفية)
ابتدائيًّا أو نهائيًّا بحسب الحدود (المقدار) التي يجري تعيينها بقرار وزيري، كما
تنظر المحاكم المذكورة في جميع القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية أو بأمور
الإرث وتطبق في كل الأحوال العوائد المحلية.
(الفصل الرابع) إن المحاكم الاستئنافية المشار إليها (يعني في الفصل
الثالث) تنظر أيضًا في الأمور الجنائية ابتدائيًّا ونهائيًّا بفصل زجر المخالفات
المشار إليها في الفقرة الثانية من الفصل الأول أعلاه وكذلك زجر جميع المخالفات
التي يرتكبها أعضاء المحاكم العرفية التي يطوق باختصاصاتها الاعتيادية رئيس
القبيلة.
(الفصل الخامس) يجعل لدى كل محكمة عرفية ابتدائية أو استئنافية مندوب
مخزني مفوض من طرف حكومة المراقبة للناحية التي يرجع إليها أمره ويجعل
أيضًا لدى كل واحدة من المحاكم المذكورة كاتب مسجل يكون مكلفًا أيضًا بوظيفة
موثق.
(الفصل السادس) إن المحاكم الفرنسوية التي تحكم في الأمور الجنائية
حسب القواعد الخاصة بها لها النظر في زجر الجنايات التي يقع ارتكابها في
النواحي البربرية مهما كانت حالة مرتكب الجناية ويجري العمل في هذه الأحوال
بالظهير الشريف المؤرخ سنة ١٢ أغست سنة ١٩١٣ المتعلق بالمرافعات الجنائية.
(الفصل السابع) إن الدعاوي المتعلقة بالعقارات إذا كان الطالب أو
المطلوب فيها من الأشخاص الراجع أمرهم للمحاكم الفرنسوية فتكون من اختصاص
المحاكم الفرنسوية المذكورة..) .
إخواننا المسلمين، هذه هي الحالة قبل الحماية وبعدها، وهذه هي أقوالهم
وأفعالهم ونياتهم نحونا، وهذا هو الظهير الذي يؤيد لهم خطتهم بصفة رسمية، فهل
بعد هذا يقال: إن الفرنسيين يحترمون الدين؟ ! وهل بعد هذا نطالب على ما نقول
بدليل؟
إننا - أيها المسلمون - بسطنا حالتنا إليكم، ورجاؤنا في الله ثم فيكم فانصرونا
ينصركم الله، وأعينونا بقلوبكم الطاهرة وأدعيتكم الصالحة، واحتجاجاتكم التي
تزيدنا قوةً ورجاءً.
أيها المسلمون: هل ترضون أن يُمحى دينكم من أرض المغرب، الأرض
التي أنجبت رجالاً عظامًا، وعلماءَ وقوادًا، وملوكًا مخلصين، الأرض التي سار
أبناؤها مع طارق بن زياد وعبد الرحمن الغافقي وأسد بن الفرات فافتتحوا الأمصار
ونشروا دعوة الإسلام، والأرض التي انتصر أبناؤها للأندلس في أبلغ محنتها،
وأزمان بلائها.
أيها المسلمون، يقول الله تعالى: {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ
يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} (الكهف: ٢٠) ويقول: {وَلاَ يَزَالُونَ
يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (البقرة: ٢١٧) وإذا نجح
الفرنسيون في هذه التجربة فسيفتح العالم الإسلامي فتحًا دينيًا لهم، وهو أقبح وأنكى
من فتحهم الاقتصادي والسياسي، وإذا سدوا علينا طريق الدنيا بهذا الفتح فسيسدون
علينا طريق الآخرة بذلك، وماذا بقي للمسلمين في هذه الحياة غير إيمانهم بالله
ورجائهم.
فخذوا حذركم - أيها المسلمون - وتبصروا، واغضبوا لله ولدينكم وانصروا
الله ينصركم ويثبت أقدامكم. والسلام عليكم أجمعين.
... ... ... ... ... ... ... من إخوانكم المغاربة المسلمين
تلبية المنار للدعوة
وكشفه لما عليها من الشبهة
لبيكم - أيها الإخوة - لبيكم لبيكم، ولعنة الله على كل مَن يدعي الإسلام ولا
يهتم بأمركم، وقد ورد الحديث: (مَن لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) [٥]
فكيف يقال فيمن لا يهتم بدينهم - وهو دينه - إنه منهم إذا كان لا يهمه إخراج
الملايين منهم عن الإسلام؟ وقد بلغنا أن بعض أدعياء الفقه المنافقين قال: إن البربر
أعرق في الكفر من الإفرنج يعني أنهم يجهلون ما كتبه السنوسي في عقائده الثلاث،
ويفعل بعضهم من المعاصي ما يخل بالإسلام، وقد يقول بمثل هذا بعض
المغرورين بدينهم. ونقول: إن البربر كلهم يؤمنون بأن الله واحد، وأن محمدًا
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن كتابه، وأن كل ما قاله الله وبلغه
رسوله عنه حق. وما خالف بعضهم فيه من الأصل والفروع فهو عن جهل هم فيه
معذورون لا عن جحود ولا عن عناد، وإنما ذنب جهلهم بدينهم على حكامهم
وعلمائهم؛ فهم إذا تعلموه وقبلوه، وفرنسة تقطع طريق العلم عليهم، وتتخذ ذلك
وسيلة لمحو الإسلام من تلك البلاد كلها، وفيها ما لا يُحصى من العارفين بدينهم
على مذهب السلف والخلف، ممن رضي بعملها فقد رضي ملايين من المسلمين
المؤمنين العارفين ومن الجاهلين المعذورين.
وسنفصل هذا في مقال آخر إن شاء الله تعالى.
((يتبع بمقال تالٍ))