للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


خاتمة تاريخ الأستاذ الإمام
فيما يجب له على الأمة

أنبتت تربة مصر ألوفًا كثيرة من العلماء والصلحاء والأدباء والقضاة والحكام
ولكننا لا نعرف في تاريخها ذكرًا لرجل جمع من فضائل العلم والعمل والصلاح
والإصلاح مثل الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في مواهبه الفطرية والكسبية
وكمالاته الشخصية، وفي صرف حياته العملية إلى إصلاح بلاده ووطنه، وترقية
أمته، وإعلاء شأن ملته، بدون عمل ما لنفسه وأسرته، فهو قد خرج من معاهد
العلم إلى ميدان الجهاد في هذه السبيل - سبيل الله تعالى - إلى أن قضى في المعارك
نحبه ولقي ربه، شهد له بذلك العلماء الأفذاذ على اختلاف علومهم الدينية والدنيوية
والعصرية، واختلاف أوطانهم ومللهم، وترى سيرته الشارحة لهذا مفصلة في هذا
الجزء من تاريخه، وترى الشواهد عليها من كلامه ماثلة في الجزء الثاني له،
والشهادات له فيها متواترة في الجزء الثالث منه.
مثل هذا الرجل العظيم يجب أن يكون مثلاً كاملاً يُقتدى به في علو الهمة،
وقوة الإرادة، وفي العلم الصحيح، والعمل الصالح المصلح، وفي الجهاد لإعلاء
شأن الأمة في دينها ودنياها، ومدنيتها وحكومتها، فالأمم لا ترقى إلا بأمثال هؤلاء
الرجال.
مثل هذا الرجل الكبير يجب أن تحيي الأمة ذكره، وتنشر حكمته، وتتخذه
حجة لها في رقيها واستحقاقها للوقوف مع الأمم الراقية، التي تُدل وتفاخر بعلمائها
النابغين وزعمائها المجاهدين وأئمتها المصلحين، كما قال غير واحد من كبار
المفكرين.
هذا الإمام المجدد المصلح يجب على هذه الأمة التي نبت من طينتها، ونبغ
في بيئتها، فأعلى ذكرها، ورفع قدرها، أن تعلي ذكره، وترفع قدره، وتربي
نابتتها على أصول حكمته في التجديد الديني والمدني، والإصلاح الملي والوطني،
ويجب على جميع شعوب الملة التي جاهد في سبيل إصلاحها، أن تساعد شعبه
على ما يعمل لإحياء ذكره، ودوام الاستفادة من علمه ورأيه.
ما كان هذا الشعب الكريم بالذي يرضى لنفسه أن يُوصف بالكنود للنعم، ولا
بالجحود لفضل المنعم، ولا كان تلاميذ الأستاذ الإمام ومريدوه بالأبناء العاقين، ولا
أصدقاؤه ومحبوه بالغافلين أو الخاملين. فأما الشعب فلا يجاهد بدون قائد، وأما
أصفياء الإمام فقد فكروا في القيام بهذا الواجب عقب المصاب، وعقدوا له الاجتماع
تلو الاجتماع، وأقروا شيئًا حالت دون تنفيذه الأقدار، وكان خصمهم أمير البلاد
ورقيبهم عميد الاحتلال، ولا زعامة يؤيدها الرأي العام.
توفي الإمام وكان أكبر كبراء مريديه القادرين على تنظيم هذا العمل غائبين
عن مصر أعني سعد باشا زغلول، وأحمد فتحي باشا زغلول، فلما عادا من
سفرهما عقدا في دار الأول اجتماعًا حضره من أصدقائه الشيخ عبد الكريم سلمان،
والشيخ عبد الرحيم الدمرداش، وحسن باشا عاصم، ومحمد بك راسم، وقاسم
بك أمين، ومحمد رشيد رضا - الكاتب لهذا - فقرروا أولاً أن يشتركوا معي في
الرأي ويساعدوني على ما أعلنته من عزمي على تأليف تاريخ له وعلى نشره كما
يراه القارئ في مقدمة هذا الكتاب، ثم اجتمعوا وتشاوروا فيما يجب أن يُعمل لإحياء
ذكره، فأجمعوا الرأي على إنشاء مدرسة كلية تنسب إليه وتكون التربية والتعليم
فيها على رأيه، وهو ما كان يسعى له بعد تركه للأزهر، ويكون المنفذ لخطته فيها
صاحب المنار.
وإذ كانوا يعلمون أن سلطة الاحتلال تحسب لهذا العمل منهم كل حساب،
عهدوا إلى أحمد فتحي أن يقابل لورد كرومر ويذكر له هذا القرار، ويسأله عن
رأيه فيه، لكيلا يكون على ريبة منه، ويجيئهم بما يسمعه منه في جلسة أخرى
عيَّنوا موعدها، فلما وافوها لميقاتها قال لهم: إن اللورد أظهر الاستحسان لهذا
الرأي، ولكنه قال: إن من الحكمة أن يبدأ بهذا العمل صغيرًا، ثم يصعد فيه على
سلم التدريج، وأن يجري فيه على خطة مدرسة عليكره في الهند التي أسسها
المرحوم سيد أحمد خان الشهير، وساعدته عليه الحكومة الإنكليزية، حتى صارت
المدرسة كلية، قال: ووعد اللورد بأن يطلب لنا من حكومة الهند نظام هذه المدرسة
ومنهاج دروسها، لنأخذ منه ما نراه موافقًا للمدرسة التي نريدها.
فهمت اللجنة من فحوى رد اللورد أنه لا يرغب فيما ترغب هي فيه من إنشاء
مدرسة كلية راقية على مذهب الأستاذ الإمام، الذي اعترف هو بفضله ونبله،
ووطنيته الصادقة، وخدمته للمصلحة العامة، التي قال فيها: (إن الأوربيين ما
فضلوا المصريين إلا بكثرة رجالها) وباعتدال حزبه بين الأحزاب الإسلامية،
وجمعه بين أسباب الحضارة والمحافظة على أصول الدين الإسلامي، وفهمت منه
أيضًا أنه يبغي أن تكون المدرسة العبدية، كما يحب هو وترضى دولته أي كالمدرسة
الهندية.
استاءت اللجنة من هذا الرد ولم يثنها الاستياء عن عزمها، بل فكرت في
جمع المال لإنشاء المدرسة بصفة مصغرة، كما قال اللورد لأنه هو الممكن،
وانتظار مواتاة الزمان لتكبيرها، ورأت من الشيخ عبد الرحيم الدمرداش المثري
أريحية للبدء في التبرع للمشروع، فقويت العزيمة حتى أن اللجنة عهدت إليَّ
بالبحث عن دار صحية لتستأجرها للمدرسة، ففعلت.
ولكن حدث أثناء ذلك أن تبرع مصطفى كامل بك الغمراوي بخمسمائة جنيه
لمشروع ومدرسة جامعة مصرية، وعهد إلى سعد باشا زغلول بأن يتولى الدعوة
إلى التبرع والسعي لتنفيذه هو ومن يختاره من أصدقائه وغيرهم، فقبل وألَّف لجنة
لذلك سُمي هو وكيلها، وتركت الرياسة ليختار لها أحد الأمراء.
وتلا هذا أن وُلي سعد باشا وزارة المعارف العامة، فاضطر إلى ترك لجنة
الجامعة المصرية، واختير صديقه قاسم بك أمين وكيلاً للجنة وإدارتها مكانه، وكان
ذلك بعد سنة من التصدي لإنشاء المدرسة باسم الأستاذ الإمام، فلم يبق لهذا
المشروع من يشتغل به، وكاد هذا الرجل العظيم يُنسى هو وأستاذه السيد جمال
الدين، لولا تنويه المنار به في كل جزء من أجزائه، وتنويهه بالسيد أيضًا في
بعض الأجزاء ونشر بعض آثاره المطوية، وطبع الجزء الثاني والثالث من هذا
التاريخ، وقضى الله تعالى أن أرجئ إتمام الجزء الأول منه المفصل لترجمته، بما
يرى القارئ أسبابه في مقدمته.
ولولا أنني من أضعف خلق الله تعالى في السعي لجمع المال، وإن كان
المراد به شريفًا ونافعًا، لما تركت السعي لإنشاء المدرسة، وقد كان أقرب الوسائل
إليه في السنين الأخيرة توجه قلب محبه الشيخ عبد الرحيم الدمرداش رحمه الله
تعالى إلى البذل للمنافع العامة، فلو وجد في هذه الحالة أحد من كبراء حزب الأستاذ
الإمام المدني يزين له إنشاء المدرسة التي كان من أعضاء اللجنة التي قررتها،
ويرغبه في حبس عقار أو أطيان تفي بنفقتها - لفعل.
سكت أصحاب النفوذ والجاه من أصدقاء الأستاذ الإمام عن القيام بالواجب له
عليهم؛ ولكن الرجل حي لا يموت، ولا يُنسى فضله في أمة يعلو فيها قدر العلم
والحرية، ويزداد فيها السعي للحياة القومية والوطنية.
فهذه مدرسة الجامعة المصرية، التي عارض وجودها وجود المدرسة العبدية
الإمامية، قد أعادت منذ بضع سنين الاحتفال بذكراه، فقام به فيها لجنة مؤلفة من
نابغي علماء الأزهر وبعض الوجهاء ومدرسي الجامعة، فحرك عملهم الجرائد
لإعادة التنويه بذكره، وتعطير الآفاق بذكي نشره، وتبرع الشيخ عبد الرحيم باشا
الدمرداش في أثناء ذلك بما يؤتي الجامعة غلة سنوية كافية لنفقة إنشاء كرسي لعلم
الأخلاق تخليدًا لذكرى الأستاذ الإمام فيها، وتلا ذلك اقتراح كثير من فضلاء الأمة
لإحياء ذكره، فأشار بعضهم بترميم داره في عين شمس وجعلها من معاهد العلم
والأعمال الخيرية العامة، وبعضهم غير ذلك.
ولما أسندت مشيخة الأزهر ورياسة المعاهد الدينية إلى صاحب الفضيلة
الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي وهو من خواص تلاميذ الأستاذ
ومريديه في العلم والعقل والأخلاق، ألف في دار الإدارة العامة للمعاهد لجنة خاصة
لأجل البحث في أمثل الطرق لإحياء ذكره في الأزهر وغيره، وجعل أعضاءه من
تلاميذه الأزهريين وسواهم، ومنهم مؤلف هذا الكتاب، فاجتمعت اللجنة مرارًا،
وكان من سوء الحظ - كما يقال - أن استقال هذا الأستاذ من المشيخة ورياسة المعاهد
الدينية قبل أن تفرغ من المساعي التمهيدية وتقرر ما يجب تنفيذه وينظم في سلك
الأعمال الرسمية.
وأخيرًا قرر مجلس مديرية دمنهور إرسال بعثة علمية إلى ألمانية باسم الأستاذ
الإمام لأجل الإخصاء في علوم فلسفة الأخلاق والتربية والاجتماع، وجددت إدارة
المعاهد الدينية تقرير قراءة رسالة التوحيد درسًا في الأزهر وملحقاته؛ وإنما كان
هذا لكثرة فوائدها، لا لإحياء ذكر مؤلفها.
لكن هذا شيء قليل على الأمة المصرية، وقد صارت أمة ذات رأي ووحدة،
وبذل في سبيل المصلحة العامة، وكان قطب رحى وحدتها، والعامل الأكبر في
جمع كلمتها، والزعيم الأكبر لها فيها، هو تلميذه وربيبه الأول سعد باشا زغلول،
فمنه تلقى هذه الأفكار، ومن زنده استورى هذه النار، إذ تربى في حجره بالدرس
والتفكير والقول والعمل، وكان أوفى مريديه وأصدقائه له في زمن محنته، وأشدهم
حنينًا إليه في مدة غيبته، وأشوقهم إلى اتباعه واللحاق به، وقد نشرنا بعض
مكتوباته إليه في منفاه ببيروت وفيها التصريح بهذه المعاني، وإننا نثبت هنا صورة
شمسية من خطه للكتاب الذي تقدم نشره في صفحة (٢٧٥) فمن لم يستطع قراءته
هنا لتصغير كلمه فليقرأه هنالك، وننشر صورًا لمكتوبات أخرى له بخطها الأصلي
في آخر الكتاب.
كلمات من مكتوبات
سعد باشا لأستاذه الإمام
كان الإمام كلَّف سعدًا بعض الأعمال، ومنها إرسال أثاث من بيته بمصر إلى
بيروت فقام بذلك خير قيام، فأثنى عليه بكتاب فقال سعد في جوابه:
(إني وما أعمل من خير مما صنعت أيدي مكارمكم، فلا أستحق شكرًا ولا
حمدًا، بل إن كان هناك ما يدعو إلى المديح فالحمد راجع إليكم، والشكر عائد
عليكم، وإني أعد الفخار كل الفخار في خدمة جنابكم العالي، وأجد تنبيهي إلى
القيام بأي خدمة نعمة سامية من حضرتكم لا أقدر على الوفاء بواجب شكرها،
وعلى هذا فمولاي يرى في إسناد التفضل والتكرم والإحسان إليَّ زيادة تنازل منه لا
أرى نفسي جديرة بها، وعهدي بالمولى الجليل أن يتحرى بكراماته موقع الاستحقاق.
وأظن أن حضرته يذكر أني في يوم من الأيام التي نزلت بها في بيته ذاكرته
في هذا المعنى، ورجوت من مكارمه أن يجعل طلبه أي أمر مني بصيغة الأمر
لا بلفظ الرجاء، فإني أرى في الأمر الأول فوائد ترتاح نفسي إليها لا أراها في
الثاني) .
وكتب إليه الإمام كتابًا يذكر فيه استبشاره بما رآه في جريدة البرهان دالاًّ على
فوزه ببعض الأعمال، فأجابه سعد عن هذا بقوله:
(إن ظنكم فيما رأيتموه في جريدة البرهان هو الموافق للصواب، ويحق
لحضرتكم السرور بما نال ولدكم، فهو المتربي في نعمتكم، المغترف من بحار
حكمتكم، المحفوف بعنايتكم، المشمول بعين رعايتكم، البالغ ما بلغ ويبلغ من
مراتب الكمال بحسن توجهاتكم، وكريم تعطفاتكم، أدامكم الله لكل خير مبدأ) .
فإذا كان الزعيم السياسي الأكبر يُعد نفسه أثرًا من آثاره، وشعلة من ناره،
وقبسة من أنواره، وكان يعتقد أن ما بلغه وما يبلغه في المستقبل من المراتب فهو
أثر تربيته، وثمر نعمته، ويمضي كتبه إليه بكلمة (ولدكم أو: صنيعكم) وإذا كانت
الحكومة المصرية قد قررت زهاء مائة ألف جنيه لبناء قبره! ووضع تمثالين
للتذكير بشخصه - أفيكثر منها أو يكبر عليها، أو على الوفد الممثل لسياسته،
والعامل باسم زعامته، أن يقوم بإنشاء مدرسة تنسب إلى اسم أستاذه ومربيه،
وبإعادة تعليمه وتربيته، ونشر رسائله وكتبه؟
كلا، إنه قد آن للأمة وقد صار لها زعماء تنقاد لهم، ومجلس نواب يسيطر
على حكومتهم، وكُتَّاب بُلغاء يدعون إلى المصلحة العامة، وخطباء مصاقع يهزون
قلوب الخاصة والعامة - أن تراجع مناقب هذا الإمام التي فصلناها في هذا التاريخ
وتقرر ما يجب عليها من إحياء ذكره والاهتداء بإرشاده، وبناء مدارس التربية
والتعليم الديني والمدني على أسس قواعده، وتتعاون أحزابها وحكومتها على تنفيذ
ما قررته، في الوقت القريب المناسب له؛ فإنها لهي القواعد الحكيمة التي تحفظ
لها عقائدها وأخلاقها، وتكوين بيوتها (عائلاتها) ونماء ثروتها، وترسخ دعائم
استقلالها، وتجعلها قدوة للبلاد العربية والشعوب الإسلامية، التي اعترف عقلاؤها
لهذا الأستاذ العليم وأستاذه الفيلسوف الحكيم، بالزعامة المدنية والسياسية، والإمامة
الدينية، والتوفيق بين الجامعتين الملية والوطنية.
فلو لم يكن لهذه الأمة الفخر على غيرها بظهور هذا الإمام المجدد منها،
لكانت جديرة بأن تتتبع تعاليمه الحكيمة لعظم فوائدها، ولما تعطيها من الزعامة
التي لا تنحصر منافعها منها، وأعيد التذكير بما هي مستهدفة له من خطر الانحلال،
المهدِّد لما نالته من مبادئ الاستقلال، بانتشار المفاسد المادية، والفوضى الأدبية،
والانغماس في الشهوات، والإسراف في اللذات، المفني لثروة البلاد، المضني
لصحة الأجساد، المزهد في الزواج، المضعف للإنتاج.
بل أذكرهم بما لا يعزب عن علمهم من اضطراب العالم كله بهذه الفوضى
التي ثلت أكثر عروش الممالك، وأشعلت نار الفتن الداخلية في كثير من الأمم،
وغاضت ينابيع ثروة غالب الدول، وأنذرت الروابط الاجتماعية بالانحلال،
وعرى الشعوب الموثقة بالانفصام، وثروة الأقوام الغنية بالزوال، ثم أذكرهم بأنهم
لا يثبت في مهب هذه العواصف إلا الراسخون في الإيمان، ولا يصبر على هذه
القواصف إلا المعتصمون بمتانة الأخلاق، وهو ما مهَّد مسالكه الأستاذ الإمام، وجعل
تناوله على طرف التمام.
بل حدث في هذه الأعوام بوادر انقلاب عام، يرقبه الحكماء ويشعر به
البصراء، وقد فطن له بعض أذكيائنا في سياحته في أوربة، وهو الشعور بشدة
الحاجة إلى هداية الدين، وكونه العلاج الوحيد لهذه الأدواء الاجتماعية الوبائية من
إباحة الأعراض، وفوضى الآداب، وعبادة المادة والشهوات، والتنازع السياسي،
والنظام البلشفي، التي تنذر الشعوب زوال الحكم الديمقراطي، وانهيار النظام
المالي والرأسمالي، بل تهددها بحرب شر مما قبلها، كالريح المقيم تدمر كل شيء
بأمر ربها، وقد وصف هذا الذكي ما رأى وروى عن أوربة من درء هذا الخطر
بالدين، وتمنى لو يظهر الدين الواقي للحضارة الحاضرة من مصر؛ لكن فضلاء
العقلاء في مصر يرون أن بلادهم أشد حاجة إلى هذا العلاج من أوربة؛ فإن هذا
الوباء يفتك بها وهي أقل مناعة وحصانة ممن سرت إليها العدوى منهم، وإنما
تفضلهم بأن العلاج موجود فيها وهي في غفلة عنه، بل لما تشعر بالحاجة إليه،
وهو القرآن، وما بينه من سنة محمد عليه الصلاة والسلام.
تنبأ حكيمنا هو وأستاذه منذ نصف قرن بأن شعوب أوربة ستشعر بالحاجة إلى
الدين المصلح المعقول، فتطلبه فلا تجده إلا في القرآن فتأخذه بقوة كعادتها، حتى
لا يبعد أن يضطر المنسوبون إليه منا أن يعودوا إلى طلبه منها (راجع ص٩٣٩)
فإن كانت مصر تريد أن تكون أهلاً لإنقاذ أوربة من فوضى الإباحة والمادية التي
تتردى هي فيها من ورائها؛ فإنها تجد الوسيلة إليها في تعاليم إمامها، فلتسبق إليها
وتجربها في إنقاذ نفسها.
وها هو ذا أكبر رجال الدين فيها عقلاً، وأسدهم رأيًا، وهو الشيخ محمد
مصطفى المراغي الذي ظهر نبوغه في أرقى المناصب الدينية، فكان قاضي قضاة
السودان فرئيس المحكمة الشرعية العليا بمصر، فشيخ الأزهر ورئيس المعاهد
الدينية، فقام به خير قيام، ها هو ذا يفتيها بترسم خطوات الأستاذ الإمام وهذا نص
ما كتبه في ذلك:
(أعتقد أننا إذا جاوزنا عصر السلف الصالح لا نجد رجلاً رُزق فهمًا في
هداية القرآن، ووسع صدره أدق معانيه الاجتماعية والعمرانية مثل الإمام محمد
عبده، ولقد وهبه الله شروط الإمامة الدينية جميعها، كما منحه البصر في أمور
الدنيا، ومن الحق على المسلمين أن يترسموا خطواته بالإصلاح الديني والدنيوي،
إذا أرادوا إعزاز دينهم، ورفعة أتباعه في دنياهم) .
وإنني أختم هذا الكتاب الذي قضيت به دَينًا أدبيًّا كبيرًا كان على مصر بتدوين
تاريخ الإمامين المجددين اللذين يرجع إليها فضل نهضتها المعنوية، كما يرجع إلى
محمد علي الكبير فضل نهضتها المادية، باقتراحي عليها قضاء الدين الآخر الذي لا
قِبَل لي به، وهو العمل بما أرشد إليه الحكيمان بالتربية والتعليم، وإحياء ذكرهما
بتعميم تاريخهما وآثارهما، وإنشاء مدرسة لذلك باسم الأستاذ الإمام، وترميم داره
وجعلها من المنافع العامة، فهذا دَين يجب على مصر أداؤه على اختلاف أحزابها
ومذاهبها ومشاربها؛ لأن الإمام كان للجميع باتفاق الجميع.
أحمد الله عز وجل أن أديت الأمانة، وبلَّغت الوصية، ووفيت حق أستاذي
وصديقي، ونصحت لأمتي ووطني، وهو كل ما أملك مما فرضه عليَّ ربي لملتي
{إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود: ٨٨) وسلام على المرسلين، وعلى من اصطفى من عباده المصلحين،
والحمد لله رب العالمين.