للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الشيخ محمد عبد القادر المليباري

تُوفي في هذا العام عالمان عاملان مصلحان، أحدهما: الشيخ محمد أمين
الشنقيطي في بلدة الزبير التابعة للبصرة، وقد كلَّفْنا أحد أصدقائه كتابة ترجمته،
والثاني صديقنا الأستاذ المصلح الشيخ محمد عبد القادر في مليبار وقد كتب لنا
ترجمته أحد تلاميذه ومريديه فننشرها باختصار قليل، وهي:
في غرة رجب من هذا العام ١٣٥١ توفي العالم العلامة محرر المجلة الغراء
ديبك (المنير) أستاذ الإصلاح الديني لمسلمي مليبار محمد عبد القادر المولوي ابن
العالم المرحوم محمد كنجي رحمهما الله تعالى، ففقد مسلمو مليبار أستاذهم ومحيي
أرواحهم بالإصلاح الإسلامي.
وكانت أعمال التجهيز لجنازته على غاية من اتباع السنة رغم أهواء
الخرافيين لأن أبناء الفقيد وأقرباءه وتلاميذه المصلحين قد بذلوا جهدهم لئلا يمزج
الناس تشييع هذا المصلح الأول فيهم بشيء من مبتدعات هذه البلاد من الجهر
بالتهليل أو غيره حين تشييع الجنازة حاملين لها أو ماشين معها، ومن جمع الناس
وضيافتهم بعد الدفن في ذلك اليوم أو في الثالث أو غيرهما، فبفضل الله وتوفيقه
كان تجهيز هذا المصلح الأكبر خاليًا من جميع البدع والمنكرات، والحمد لله الذي
هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وكان أهل مليبار كافة وأهل بيت الأستاذ الفقيد بل كان هو نفسه أيضًا
ممن يحافظون على المحدثات والبدع مقلدين لكتب المتأخرين المؤلفة في الفقه
والتصوف وغيرهما من الفنون الإسلامية، ولكن بعد ما شرع الأستاذ يقرأ مجلة
المنار الغراء هداه الله بها إلى التفكير في الإصلاح الديني، وصار أول أستاذ
إصلاح في هذه البلاد المليبارية، جزاه الله عنا خير الجزاء، ورضي الله عنه
وأسكنه في جنة الخلد، ومتعه بالنعيم المقيم، آمين، وهذه خلاصة ترجمته:
كان الفقيد من أعضاء قبيلة كريمة معروفة بالمجد والشرف في نواحي
تراونكور وفي الخارج أيضًا. ولد من أبوين كريمين سنة ١٨٧٣م ووالده رحمه الله
كان من التجار الكبار والعلماء الكرام أهل الغني والسخاء، وكان قد أحضر من
الخارج بعض علماء ذلك الوقت لتعليم الفقيد، فقرأ عليهم وعلى غيرهم كتب النحو
والبلاغة والفقه الشافعي والتصوف وحقائقه والمنطق، ثم لم يلبث أن وجه عقله
للبحث عن حقائق الدين وأسرار العبادات والأعمال المشروعة. ثم بعد ما توفي
والده وحصل على سهمه الخاص به من التراث أجمع أمره وعزم على وقف حياته
على خدمة الأمة بماله ونفسه. وكان محبًّا لقراءة الجرائد والمجلات فأسس أولاً
جريدته الأولى المشهورة باسم شوديشابهماني (الوطني) ومطبعة مسماة بذلك الاسم
أيضًا، وبعد عام عين في رياسة تحريرها أديبًا هندوسيًّا مشهورًا بتحريكه للأفكار
السياسية الاستقلالية في أهالي تروانكور، فمن ثَم شرعت الجريدة بقلمه السيال
تفضح الحكومة وتنقد أعمال موظفيها ولاسيما وزيرها الأعظم الذي كان شهوانيًّا
أكثر من أنه إداري، فاغتاظت الحكومة وصادرت الجريدة والمطبعة، ونفت
الناصح الصادق من أرضها ومات في غربته، جزاه الله بصدقه وخير أعماله
وأوصافه، فبهذه المصادرة خسر فقيدنا خسرانًا عظيمًا يقدر بخمسة آلاف روبية أو
أزيد، وكان فقيدنا عقيب تأسيس الجريدة المذكورة قد أسس لخدمة أمته الإسلامية
خاصة مجلته المشهورة باسم المسلم، ولكنه بعد هذه المصادرة التي خسر بها
مطبعته قد اضطر لتعطيلها أيضًا، ثم لم يتمكن من متابعة أعماله للأمة والملة التي
وقف حياته عليها إلا بعد ثلاث سنوات أو أربع.
وفي سنة ١٩١٣م استأنف إصدار مجلة المسلم الغراء فوجد أمته الإسلامية
على شيء من الاستعداد لقبول الإصلاح والتجديد، فعزم على الصدع بأهم قواعد
الإصلاح الديني متوسلاً إليه بإصدار مجلة في لسان قومه بأحرف عربية؛ لأن
غالب المسلمين من قومه رجالاً ونساء لا يقرءون لغتهم المليبارية بأحرفها الأصلية
وإنما يقرءونها بالأحرف العربية، فأسس تلك المجلة باسم الإسلام ومطبعتها سنة
١٩١٧م وأصدر عددها الأول في غرة رجب سنة ١٣٣٦ هـ منبهًا للمسلمين
إلى أحوالهم الحاضرة من حيث دينهم وتعليمهم واجتماعهم واقتصادهم، وصادعًا
بالإصلاح الديني المبني على الاعتصام بالكتاب والسنة وسيرة السلف الصالحين.
وتلك المجلة (الإسلام) وإن لم يتمكن أن يصدر منها إلا خمسة أعداد فإنها
نورت وجه أرض البلاد المليبارية، ووجهت وجوه عقلاء المسلمين المفكرين علماء
كانوا أو عوام، شبانًا أو شيوخًا إلى مبادئها الإصلاحية من تعميم التعليمين الديني
والعصري بين الذكور والإناث، مع المحافظة على التربية الدينية الصحيحة ونبذ
الخرافات والبدع وجميع أنواع الأعمال الشركية، وتجديد توحيد الألوهية والربوبية،
والاعتصام بالكتاب والسنة وسيرة السلف الصالحين في جميع نواحي الحياة، وعلاوة
على ذلك جعل مجلة (المسلم) جريدة أسبوعية، وولي رياسة تحريرها أحد تلاميذه
المصلحين حفظه الله آمين.
ثم وجه همته إلى تأسيس الجمعيات بين أهل وطنه وخصوصًا المسلمين،
فأسست جمعيات ومجالس في مختلف البلاد المليبارية: تراونكور وكوسن ومليبار،
البعض بسعيه والباقي على وفق إرشاداته في الإصلاح الديني، وإن كان بعضها قد
غاب من أفق الوجود فالبعض الآخر لا يزال حيًّا ظاهرًا عاملاً بتوفيق الله.
وفي النهاية وجه عزمه إلى تأسيس دار النشر الإسلامية وإلى الصحافة، فشرع
في إصدار مجلته الأخيرة ديبك (المنير) منها موجهًا عالي همته وأكبر عنايته إلى
الرد على الملحدين والماديين الذين ظهرت قرونهم في أهالي هذه البلاد ولاسيما
الهندوس والنصارى في هذه الأعوام الأخيرة، وإلى نشر محاسن الإسلام وفضائله
وسائر المواضيع النافعة المهمة. فهاتان المؤسستان لا تزالان جاريتين، أدامهما الله
تعالى آمين.
كان قد شرع في تفسير القرآن الكريم بلغة قومه في مجلتيه الأخيرتين
(الإسلام) و (المنير) وكان عضوًا من أعضاء الهيئة المؤلفة لامتحان معلمي
العربية في مدارس الحكومة، وله مقالات في مختلف المواضيع الإصلاحية في
جرائد شتى مليبارية، وترجم من الفارسية كيمياء السعادة للغزالي رحمه الله، ومن
الأوردية رسالة أهل السنة والجماعة، ورسالة السنة والوحي، وكلتاهما للعلامة السيد
سليمان الندوي حفظه الله. وترجم أيضًا رسالة السيد جمال الدين الأفغاني في الرد
على الدهريين وله أيضًا رسالة (إسلام مت سدهانتهاسنكرهم) (خلاصة مبادئ دين
الإسلام) .
كان رحمه الله حليمًا، محبًّا للسلم والسكون، شجاعًا لا يخاف في الله لومة
لائم، ولكنه على كونه لا يحب الثورة ولا الثوار في شيء، يحب ويكرم مبادئ
الجمعية الوطنية الهندية، وكان ذا عزم وثبات لا يتزلزل للأهوال والبلايا مهما تكن
عظيمة، وتقيًّا ورعًا لا يوصف، وكان إيمانه وتوحيده وتوكله وتفويضه جميع
أموره إلى الله مثار تعجب عند جميع من يعرفون أحواله، وكانت أُخوته شاملة
لجميع البشر، وكذلك كان صبره وصفحه وعفوه وتسامحه واحترامه للمخالفين تبعثه
على الإحسان إليهم والرحمة بهم وكذا بأعدائه في جميع الأحوال، وكان على حظ
عظيم من التواضع: يتواضع ويخفض جناحه لجميع الأصحاب بل لخَدَمِه أيضًا،
وفي الجملة كان مثالاً عظيمًا لمكارم الأخلاق.
وكان يعرف من اللغات سوى لغته المليبارية وآدابها: العربية والفارسية
والأوردية والتاملية معرفة جيدة، والإنكليزية والسانسكريتية معرفة دون ذلك، وكان
في العربية وعلومها الأدبية فردًا فذًّا في مليبار بل في جنوب الهند أجمع وفي العلوم
الإسلامية وأسرارها ودقائقها من الأفراد النادرين الممتازين بالاستقلال في التفكير
والبحث في بلاد الهند جمعاء.
وكان بمنزلة الأب العطوف لجميع مسلمي مليبار (كيرله) في جميع سعيهم
للتجديد والإصلاح غيَّر حركة الأحمدية، قاديانيين كانوا أو لاهوريين؛ إذ لم يشارك
أي فريق منهم فيها، بل كان مخالفًا لها وإن لم يصوب سهامه إليها.
وأما مذهبه في التجديد والاصلاح فقد كان فيه سلفيًّا لا يقول بالتقيد بأي مذهب
كان غير مذهب أهل السنة والجماعة، داعيًا إلى نبذ جميع العادات والأعمال
الشركية والخرافات والبدع الدينية، والاعتصام بالكتاب والسنة، وسيرة السلف
الصالحين رضي الله عنهم، ومع كونه مستقلاًّ في البحث والتفكير كان في مبادئ
التجديد والإصلاح موافقًا لإرشاد مجلة المنار الغراء، محبًّا لها ولصاحبها السيد
محمد رشيد رضا حفظه الله، وكان يحب حكيمي الإسلام والشرق السيد جمال الدين
الأفغاني والشيخ محمد عبده المصري رحمهما الله، وشيخ الاسلام ابن تيمية
وتلاميذه، وشيخ الإسلام مرشد أهل نجد محمد بن عبد الوهاب، وللفقيد في الذب عن
ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب والثناء عليهما رسالة (ضوء الصباح) في اللغة
المليبارية، وكان أيضا يحب إمام المملكة العربية السعودية عبد العزيز بن عبد
الرحمن الفيصل آل السعود، أصلحه الله وهداه ووفقه لما يحب ويرضى آمين، وقد
أعقب رحمه الله ذرية مباركة: بنتًا واحدة وتسعة أبناء، أكبرهم عبد السلام نال شهادة
البكالورية من الجامعة الوطنية الملية في دهلي، فنسأله تعالى أن يجعل منهم خير
خلف لوالدهم الكريم المجدد الحكيم، ويوفق سائر أهل مليبار للاستقامة على ما هداهم
إليه من الصراط المستقيم، وأن يثيبه عنا جنات النعيم. آمين.
(المنار)
إننا نشارك أنجال هذا الصديق الكريم والمصلح الحكيم ومريديه وسائر أهل
وطنه في مصابهم العظيم بفقده، ونعزيهم أصدق التعزية، وندعو لهم بالثبات على ما
أرشدهم، ونعدهم بأن نكون لهم كما كنا له فيما يرجعون إلينا، ونسأله تعالى أن يتولى
توفيقهم وتوفيقنا.
***
الشيخ محمد الكستي
والشيخ عبد اللطيف نشابة
وقد توفي هذا العام من رجال العلم والأدب في سورية الشيخ محمد الكستي
قاضي الشرع الأكبر في بيروت، والشيخ عبد اللطيف نشابة في طرابلس، وكان كل
منهما شاعرًا أديبًا، فالأول قد اشتهر بمنصبه فوق شهرته بأدبه وهو نجل المرحوم
الشيخ أبو الحسن الكستي شاعر بيروت االمشهور، ولوالده ديوان كبير مطبوع،
والثاني نجل أستاذنا الأكبر شيخ الشيوخ محمود نشابة الذي سبق لي التنويه بعلمه
وفضله في المنار، وما تلقيته عنه من الحديث والفقه، وكان الشيخ عبد اللطيف
ذكيًّا لوذعيًّا، لكن ضرورة المعيشة اضطرته إلى الاشتغال بالتجارة عن العلم، ولو
انقطع لملازمة والده والتَّلَقِي عنه لكان تحصيله عظيمًا لذكائه. ولمَّا كنتُ أتردد على
دار والده لقراءة الحديث والفقه عليه في الدروس الخاصة بي كان يُرَغِّبُنِي في دعوة
الشيخ عبد اللطيف لحضورها معي على سبقه إياي في الطلب بضع سنين. رحمهم
الله أجمعين.