للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الملك فيصل الحسيني الهاشمي

في اليوم السابع عشر من شهر جمادى الأولى وهو السابع من أيلول (سبتمبر)
فُجِعَتْ المملكة العراقية الطريفة العتيدة، والأمة العربية العريقة التليدة، بوفاة
الشريف فيصل ملك سورية الأول المؤسس بالأمس القريب، فملك العراق الأول
المؤسس إلى هذا اليوم العصيب، ابن المرحوم الشريف حسين ملك الحجاز الأول
المؤسس من قبله، ووالد الملك غازي الأول الوارث من بعده، فاهتزت لموته
البلاد العربية وزلزلت الأمة زلزالاً شديدًا، وكان لنعيه رنة عالية في الغرب رجَّع
صداها الشرق كله بما لم يتفق مثله لملك من كبار الملوك ولا لعظيم من عظماء
الفاتحين.
توفي فجأة في مدينة (برن) عاصمة (سويسرة) من أوربة بسكتة عرضت
لذلك القلب الخفاق بحب قومه ووطنه، فما سكن بالموت خفقانه، وسكت جيشانه،
إلا وخفقت أسلاك البروق الكاتبة والناطقة في الخافقين معلنة نعيه، مكبرة خطبه،
معددة مناقبة، مثنية على سياسته، وتلتها صحف العالم تتلو آيات التأبين والرثاء،
وتردد شهادات الحمد والثناء، ولا سيما الصحف العربية في مصر والشام والعراق
فسائر الآفاق، ولا تزال أنهارها تفيض بذلك إلى الآن.
وقد حنط حيث توفي وحمل في تابوت إلى إيطالية فاحتفلت به حكومتها
احتفالاً عظيمًا، ثم حمل منها ومن كان معه من الآل والوزراء والبطانة والحاشية
على طرَّادة حربية إنكليزية إلى حيفا حيث كانت تنتظر الوفود من فلسطين وشرق
الأردن وسورية ولبنان، فكان يومًا يُذَكِّر بيوم الحشر، في ازدحام الأقدام،
واشتراك الجميع في الكرب، وإكبار الخَطْب، ووَجِيف القلوب، وفيض الدموع،
وهنالك صُلِّيَ على جنازته، ثم حمل على طيارة مع بعض من حضر من أهله
وخاصته وتبعها طيارات أخرى تقل سائر من كان معه وبعض المشيعين له إلى
بغداد، ولا تسل عما جرى هنالك من استقبال الشعب العراقي لمؤسس ملكه،
وواضع بناء مجده، وقد عاد إليه جسدًا محنطًا بغير روح، على مثل الطيارات
التي حملته من بينهم في هذا الصيف مرتين غادية رائحة وهو يكاد يكون روحًا
بغير جسد، ولو لم يعرف الشعب من جهاده في سبيله إلا عمله في هذا الصيف
لكفى. فإن ما فعلته حكومته وشعبه، رجاله ونساؤه حَضَره وبدوه ليجل ويكبر عن
الوصف والإحاطة.
شهدت بمشهده بغداد ما لم يشهده بلد من البلاد، كانت كلها مأتمًا ممثلا لمناحة
شعب كامل، كأنه أم رءوم ثاكل، رنات نواح وعويل، في كل دار وكل سبيل،
وحداد عام شامل لشعب كبير، لعله لم يعرف له في الدنيا من نظير. لا في حشر
الخلائق له، ولا في الحزن عليه، ولا في تشييعه ودفنه، فإن قارئ وصفه في
الصحف ليكاد يستصغر ما رثى به بلغاء الشعراء المتقدمين أعظم عظماء
الممدوحين، وكنا نعده من الغلو الخيالي والتصوير الشعري.
فارقهم أول مرة بقصد الاستشفاء في سويسرة مما عرى ذلك الجسم الضاوي
الهزيل من الضعف وتصلب الشرايين، فكانت طيارته كأنها تحمل روحًا من علو
الهمة وحب القومية، أو كأن هذا الروح هو الذي يحملها فحط رحاله في عمان من
شرق الأردن فالقدس فمصر، وكان يَلْقَى في كل مكان من حفاوة المستقبلين
والمودعين، ما لم يعهد مثله فيما سلف من السنين، إلا عند دخوله الشام فاتحًا، ثم
عند تتويجه فيها ملكًا، وصرَّح له كل من استقبله من العرب الفلسطينيين
والسوريين أنه مناط آمالهم في الدفاع عنهم، والسعي لكشف ما حل من الظلم
والهضم والقهر الاستعماري ببلادهم، فوعدهم خيرًا، بل قدمت إليه عشرات من
وثائق التوكيل الرسمي عليها توقيع الجم الغفير من السوريين في ذلك.
وما كاد يستريح من وعثاء السفر في سويسرة حتى حدثت في العراق فتنة
خروج الأشوريين على حكومته، وإيقاد نيران الثورة عليها بمساعدة السلطة
العسكرية الفرنسية في مصر لها، وإظهار الجرائد الإنكليزية في بلاده لمظاهرتهم
والدفاع عنهم، والطعن على حكومة العراق وإنذارها سوء العاقبة على ما تصدت له
من تأديبهم.
فَكَرَّ راجعًا من سويسرة إلى العراق طائرًا بذلك الروح القوي القادر،
المتواري في ذلك الشخص الشخت الضامر، الذي يصارع الخطوب، ولا يشكو
الأين واللغوب، حتى كأنه لا يشعر بالكلال والإعياء، فتولى تلافي ثورة
الأشوريين بتدبيره الحكيم، ورأيه الحازم السديد، وعاد أدراجه على طيارته من
بغداد إلى أوربة، فأقنع أولي الأمر في إنكلترة بما لحكومة العراق من الحق في
تأديب هؤلاء الثوار، وبما لها هي من المصلحة في تأييدها لها، وفي كف تحامل
الجرائد الإنكليزية عليها، وخطلها في تهديد حكومتها، ثم في نصرها عند عرض
المسألة على جمعية الأمم.
بعد هذا الجهاد العنيف والكفاح في كارثة العراق التي تصدت فرنسة لإثارتها
وإثارة تعصب أوربة الديني بها على استقلاله، لإحباط السعي لاتحاد سورية به،
تضاءل جسد فيصل وانحطت قواه البدنية عن حمل قواه الروحية والعقلية، فأراد
أن يستريح ويستسلم لمعالجة الأطباء، وأراد القدر المحتوم أن يخطئ في استراحته
ومعالجته، بقدر ما وفق وأصاب في سياسته، فكان توقله في الحبل للرياضة خطأ
مضنيًا، وتداويه بالحقن غير الموافق لمرضه خطأ مرديًا، فقضيا عليه في يوم
وليلة قضاء مبرمًا، فسبحان الحي الذي لا يموت {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً
وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (لقمان: ٣٤) إنا لله وإنا
إليه راجعون.
هذه خاتمة جهاد فيصل وخاتمة عمره، قد أظهرت للعالم كله ما لم يكن يعلمه
إلا الأفراد من علو همته، وتفانيه في توطيد استقلال دولته، وتمهيد السبيل لتوحيد
أمته، هذا ما تجلى لقومه ووطنه فيه من عمل، وما تجدد لهم به من أمل، عرفه
من كان ينكره، وأكبره من كان يستصغره.
وليس من موضوع المنار تلخيص أمثال هذه الأخبار الطولى من الصحف
اليومية، فليس المنار بمجلة تاريخ وأخبار، وإنما هي صحيفة ذكرى واعتبار،
وعلم وإصلاح ديني واجتماعي، وسيجمع الناس بعض ما نشر في الصحف العربية
من تأبين فيصل ورثائه، ووصف مآتمه وعزائه، وتفصيل تاريخه في أسفار لا في
سفر واحد.
وستقام له حفلات تأبين ورثاء لذكرى يوم الأربعين وغيره في بغداد وعمان
والقدس والشام ومصر وغيرهن من الأمصار، على أن السابقين إلى ذلك لم يتركوا
لأنفسهم ولا لغيرهم مقالاً جديدًا، فقد غلوا في الشعريات غلوًّا كبيرًا، فماذا عسى
أن يقول المقتصد خلقًا ودينًا، وأي تأثير يكون لقوله في أمثال هذه المجامع في هذه
الكارثة؟ ألا إنني قد دعيت إلى حضور ما ذكرت من الأمصار وإلى غيرها، أو
إرسال شيء يقال فيها، وإني لمعتذر لما عدا حفلة القاهرة منها، ولمعترف بعجزي
عن وصف هذه الفجيعة بفيصل بالوصف المحيط بها، ولمرجئ ما أراه من الواجب
عليَّ من الاعتبار الإصلاحي بها إلى جزء آخر.
بيد أني أشهد في هذا التأبين الوجيز أن الأمة العربية خسرت بفقد الملك
فيصل سياسيًّا محنكًا لا يناظره فيها نظير، ولا يقارعه قريع ولا يلز به قرين، بل
تباري به دهاة ساسة الأوربيين وقرومهم المقرمين، وفقدت زعيمًا عصريًّا، وملكًا
مدنيًّا حازمًا غير مستبد، كبيرًا غير متكبر، متواضعًا عن غير ضعة، حليمًا في
غير ضعف، قد مارس الأيام، وعجم عود الزمان.
وأختم القول الآن بالواجب أداؤه، الممتنع إرجاؤه، وهو تعزية إخوة الفقيد
وأسرته الهاشمية عامة وجلالة نجله الذي خلفه على عرش العراق الملك غازي
الأول، خاصة فأسأل الله تعالى أن يحسن عزاءه وسلوته عن والده البر الرحيم،
بحسن القيام بما أورثه من الملك والمجد العظيم، وأن يوفقه فيه للنهوض بأعبائه،
ويجعله خير أهل لما ترجوه بلاده وأمته من سياسته، بالاعتماد على المجربين من
رجال حكومته، بعد تحري مرضاة الله عز وجل وشكره على نعمته، وبناء دعائم
الإصلاح على أساس شريعته، فإن الشعب العراقي قد دخل في طور جديد من
الحياة الدولية، ولبلاده سلف عظيم من الدولة العباسية، التي كانت مؤسسة لأرقى
دولة مدنية في عصرها علمًا وفنًّا، وتشريعًا وقوة وفتحًا، وثروة ونعمة وعمرانًا،
والأمة العربية التي بتوحيدها ووحدتها أوجدتها، ثم فقدتها بتفرقها وغفلتها، قد
استيقظت بعد رقاد لبثت فيه عدة قرون، ووجهت عنايتها لتجديد المجد الذي ابتدأه
سلفها فأخرجوه من ظلمات العدم إلى نور الوجود، ولكنها متفرقة في المذاهب
الدينية، مختلفة في الآراء والأفكار العصرية، متفاوتة في أسبابها من التربية
والتعليم، مبتلاة بما ينافي تأسيس القوة من الترف وحب الزينة والتمتع بالشهوات،
وحولها خصوم لُدّ وأعداء ما من صداقتهم بُدّ، وإن في هذا القرآن والسنة المحمدية
التي شرَّف الله بها العرب على جميع الأمم لعلاجًا لكل تلك الأدواء، وإن نجاح
العرب في هذه العصر بدون هذا العلاج ضرب من المُحَال.