للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الدين والدولة
أو الخلافة والسلطنة

ارتأى بعض من كتب في (الجامعة الإسلامية) أن هذه الجامعة تتوقف على
الفصل بين الدين والدولة، وبين الخلافة والسلطنة، بأن يكون الخليفة رئيسًا روحيًّا،
والسلطان رئيسًا سياسيًّا لا علاقة له بالدين، واقترح أصحاب هذا الرأي من كتاب
النصارى على كتاب المسلمين أن يكتبوا مبينين رأيهم فيه، وها نحن أولاء قد
لبَّينا طلبهم، ونبدأ ببيان معاني هذه الألفاظ، فنقول:
(الدين)
عرَّفه علماء المسلمين بأنه وضع إلهي، سائق لذوي العقول
باختيارهم إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل، وإن شئت قلت: إلى سعادتهم
الدنيوية والأخروية. وقواعده عندهم ثلاث: تصحيح العقائد، وتهذيب الأخلاق،
وإحسان الأعمال، والأعمال قسمان: عبادات، ومعاملات، ومن الثاني: الأحكام
بأنواعها، قضائية ومدنية، وسياسية وحربية، ومن الناس من جعل الأحكام قسمًا
مستقلاًّ بنفسه، ولا مشاحة في الاصطلاح، والدين عند النصارى هو - كما في
دائرة المعارف - عبارة عن مجموع النواميس الضابطة لنسبة الإنسان إلى الله، أو
يبين صفات لتك النسبة، وهو كما ترى لا علاقة له بالأمور الدنيوية، ولا بالأحكام
والسلطة، ومن المشهور أن الديانة النصرانية مبنية على الخضوع لأية سلطة
حكمت أصحابها، لِما في الإنجيل من أن سلطة الملوك إنما هي على الأجسام الفانية،
وأن سلطة الدين على الأرواح فقط، فيجب على كل متبع لهذا الدين أن يدين لكل
سلطة، ويذعن لكل شريعة حكمته، بخلاف الدين الإسلامي؛ فإنه مبني على
السلطة والغلب، وأن يحكم العالم كله بشريعته، وإن لم يدينوا كلهم به، إذ لا سبيل
إلى اتحاد النوع الإنساني وجعله أمة واحدة إلا بإحدى الوحدتين: وحدة الاعتقاد،
ووحدة الحكم العادل الذي يساوي بين الجميع، وقد بيَّنا هذا في العدد الأسبق فلا
نعيده، فيجب على المسلمين أن لا يدينوا إلا لمن كان على دينهم، وإذا حاول أجنبي
العبث باستقلالهم، ودخل فاتح إلى بلادهم يتعين عليهم أن ينفروا خفافًا وثقالاً،
ويقاتلوا نساءً ورجالاً حتى يدفعوا العدو، أو يفنوا عن آخرهم، بل يجب عليهم أن
يسعوا في نشر دينهم، ورفع لواء سلطتهم حتى تزول الفتنة والشرك من الأرض،
ويكون الناس أمة واحدة، تجمعها رابطة الاعتقاد الحق والحكم العادل، أوالثاني فقط
كما قدمنا، وبهذا الأخير كان الإسلام لا إكراه فيه، ولا تنافي سلطته تقدم غير
متبعيه، فضلاً عن إيذائهم وهضم حقوقهم {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ
فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
المُقْسِطِينَ} (الممتحنة: ٨) .
(الدولة)
لهذه الكلمة إطلاقان، فتطلق على سلسلة من الملوك تجمعهم أسرة واحدة أو
جنس واحد، يحكمون مملكة من الممالك، يقال: دولة الأمويين، ودولة العباسيين
والعثمانيين، كما يقال: دولة الفرس، ودولة الرومانيين، وتطلق على الحكومة
والسلطة، فيقال: الدولة الفرنساوية، ويعني به حكومتها الحاضرة في مجموع
بلادها، والحكومة في أصل اللغة: مصدر حَكَمَ، واسمٌ مِن تَحَكَّم بمعنى فصل
الخصومة، وفي العرف عبارة عن السلطة ورجالها القائمين عليها.
(الخلافة)
هي في الشرع الإسلامي النيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حراسة
الدين وسياسة الدنيا، فهي جامعة للرئاستين معًا، ويجب تفويض الأمور العامة إلى
الخليفة، ولا تصح الأحكام في السعة إلا إذا كانت صادرة عنه مباشرة، أو بواسطة
نوابه، قال في الأحكام السلطانية: والذي يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء:
(أحدها) حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة؛ فإن نجم
مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما
يلزم من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسًا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل.
(الثاني) تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم
النصفة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم. (الثالث) حماية البيضة والذب
عن الحريم؛ ليتصرف الناس في المعايش، وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير
بنفس أو مال، و (الرابع) إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك،
وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.
و (الخامس) تحصين الثغور بالعُدَّة المانعة والقوة الدافعة، حتى لا تظهر
الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرمًا أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دمًا، و (السادس)
جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يُسلم، أو يدخل في الذمة؛ ليقام بحق الله تعالى
في إظهاره على الدين كله، و (السابع) جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه
الشرع نصًّا واجتهادًا من غير خوف ولا عسف، و (الثامن) تقدير العطايا،
وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا
تأخير، و (التاسع) استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من
الأعمال، ويكله إليهم من الأموال لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال
بالأمناء محفوظة، و (العاشر) أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال؛
لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعوّل على التفويض تشاغلاً بلذة أو
عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح، وقد قال الله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا
جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ} (ص: ٢٦) فلم يقتصر الله سبحانه على التفويض دون المباشرة، ولا عَذَره في اتباع الهوى، حتى وصفه بالضلال، وهذا وإن كان مستحقًّا عليه
بحكم الدين ومنصب الخلافة، فهو من حقوق السياسة لكل مسترعٍ (لعله مسترعى)
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته) . اهـ،
فهذه وظائف الخلافة بالإجمال.
(السلطنة)
كلمة أخذها المولدون من لفظ (سلطان) ويعنون بها الدولة أو الحكومة،
يسمى حاكمها الأكبر سلطانًا، ولم يطلق لقب السلطان على أحد من خلفاء الأمويين
والفاطميين والعباسيين، وإنما حدث هذا اللقب في طور ضعف الخلافة
العباسية الذي كان من أثره افتئات العمال في الأقاليم على الخلفاء، واستبدادهم
بالأمر من دونهم، واختراع الألقاب الضخمة وتحليهم بها، ثم جعل الخلافة اسمًا
مهملاً، ليس لأربابها من الأمر شيء، إلا نحو ذكر أسمائهم في الخطب، وما هو
بالأمر المهم في الدين ولا في الدنيا، وكان من تلك الألقاب الضخمة التي تلقب بها
العمال والأمراء الذين استبدوا على الخلفاء لقب (سلطان) وأول من تلقب به
الأمراء المستقلين في عهد الخلافة العباسية محمود بن سبكتكين الغزنوي الفاتح
الشهير في القرن الرابع للهجرة الشريفة.
مَن تدبر ما شرحناه من معاني هذه الكلمات الأربع يتجلى له أن الدين
الإسلامي جامع لمصالح المعاش والمعاد، ومبني على أساس السلطتين الزمنية
والروحية، وأن الديانة النصرانية على خلاف ذلك، وأن الخليفة هو رئيس
المسلمين القائم على مصالحهم الدينية والدنيوية، وأن كل حكومة تخرج عن طاعته
الشرعية فهي منحرفة عن صراط الإسلام، وأن القول بفصل الحكومة والدولة عن
الدين هو قول بوجوب محو السلطة الإسلامية من الكون، ونسخ الشريعة الإسلامية
من الوجود، وخضوع المسلمين إلى من ليس على صراط دينهم ممن يسمونهم
فاسقين وظالمين وكافرين؛ فإن القرآن العزيز الذي هو أساس الدين يقرع دائمًا
آذانهم، بل يناديهم من أعماق قلوبهم قائلاً بلسان عربي مبين {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا
أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} (المائدة: ٤٤) {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الظَّالِمُونَ} (المائدة: ٤٥) {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} (المائدة: ٤٧) .
إذا تمهد هذا، فنقول للذين يدعوننا إلى فصل الدين عن الدولة، والتفريق بين
السلطة والخلافة لأجل تأييد (الجامعة الإسلامية) إن كنتم تدعوننا هذه الدعوة
جاهلين بمعنى هذه الألفاظ عندنا، فها نحن أولاء قد بيناها لكم فارجعوا عن دعوتكم،
فقد علمتم أن قياس الإسلام على النصرانية قياس مع الفارق؛ فإن فصل السلطة
الروحية عن السلطة الزمنية هو أصل النصرانية، وقد كان رؤساء الدين تعدوا
الحدود، وتسلقوا عروش السلاطين والملوك، مخالفين لصاحب الدين الذي:
قد جاء لا سيف ولا رمح ولا ... فرس ولا شيء يباع بدرهم
يأوي المغارة مثل راعي الضأن لا ... راعي الممالك في السرير الأعظم
فلا بدع إذا ترقّى الدين بانصراف رؤسائه إلى خدمته، وتركهم الاشتغال بما
ليس منه في شيء.
ونحن والنصارى في هذا الأمر على طرفي نقيض؛ فإننا إذا تَلَوْنَا تِلْوَهُم فيه
نكون قد تركنا نصف ديننا الذي هو السياج الحافظ للنصف الباقي، كلا إن الدين كله
يكون بهذا العمل عرضة للاضمحلال، ومهددًا بالزوال، لا جرم أن ما تدعوننا
إليه هو أقرب طريق لإعدام (الجامعة الإسلامية) فكيف جعلتموه طريق إيجادها
وهو أقوى علل شقائها، فأني يقنعوننا بأنه علة إسعادها؟
وإن كنتم تدعوننا إليه عن بينة وعلم، ووقوف على حقيقة الحكم، خدمة لمن
فُتِنْتم بمدنيتهم، واتصلتم بهم بجاذبية تعليمهم وتربيتهم - فاعلموا أن العلة لم تهبط بنا
إلى هذا الحضيض الذي يقال فيه: (حال الجريض دون القريض) وأن الجهالة ما
امتلخت أحلامنا وأزاغت أبصارنا، ولا رمتنا بالأفن وضيق العطن، بحيث
صِرنا نختبل بهذه الوساوس، ونختلب بتلك الهواجس، أو ننخدع لذي (خواطر
خواطر) ونغتر بكلام مارق غادريصف نفسه بأنه (مسلم حر الأفكار) وما
جاءت حريته إلا من رق الكفار، فإن كان اتخذ لقب المسلم ذريعة لهدم منار الشريعة
فكأين من منتسب مثله للإسلام ينتهك حرماته بالفعل لا بالكلام، ويساعد الأجانب
على نقض أساسه وإطفاء نبراسه متبجحًا، بأنه من الأحرار المتمدنين، البرآء من
لوث التعصب للدين.
ربما كان الحامل لبعض الكتاب المسيحيين على اقتراح ما ذُكِرَ هو اعتقادهم
بأن زوال السلطة الشرعية الإسلامية هو الذي يساوي بين طائفتهم وبين المسلمين،
ويخمد نيران الغلو في التعصب، فيتفقون على إعلاء شأن الوطن، ويخدم كل دينه
من الوجهة الروحية التي لا مثار فيها للتنافر ولا مبعث للتنافس والتفاخر. ويسهل
علينا أن نبين لهم خطأهم في اعتقادهم هذا فنقول:
(١) إن بناء الشريعة الإسلامية قام على قاعدة العدالة والمساواة بين
المسلمين وغيرهم في الأحكام والحقوق المعبر عنها بهذه الجملة التي يتناقلها الإسلام
خلفًا عن سلف، وهي (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) وقد دلنا التاريخ على أن
الحكومات الإسلامية كانت تراعي هذه القاعدة بحسب تمسكها بالدين قوة وضعفًا
ومن قابل بين مساواة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الإمام عليًّا صهر النبي وربيبه،
وابن عمه، برجل من آحاد اليهود في المحاكمة، وانتقاد علي عليه بقوله له: (يا
أبا الحسن) وعده التكنية إخلالاً بالمساواة لما فيها من التعظيم، وبين ما هو جارٍ
اليوم في فرنسا من التحامل على دريفوس وهو من أكابر عظماء اليهود، حتى إنهم
حاولوا قتل وكيله الذي يحامي عنه، وهم أصحاب العلم الذي ينطق بالحرية والعدالة
والمساواة - يظهر له الفرق بين المسلمين في بدايتهم والأوروبيين في نهاية مدنيتهم.
فالشريعة في نفسها عادلة، ولا يضر المسيحيين أن مواطنيهم المسلمين يعتقدون أنها
سماوية، بل هو ينفعهم كما يأتي، وهم لا فرق عندهم بين الشرائع، إذ دينهم
يوجب عليهم اتباع أي شريعة حكموا بها.
(٢) إن الترقي الديني والمدني الذي نقصده من إحياء (الجامعة الإسلامية)
يتوقف على التهذيب وقيام الأفراد بما عليهم من الحقوق والواجبات لمن يعيشون
معهم، وهذا القول لا يخالف فيه أحد، ومعلوم أن المسلمين لا يعتقدون بحق ولا
واجب إلا إذا كان مبينًا في شريعتهم ومأخوذًا من أصول دينهم، فإذا فصل بين
الدين والدولة كان جميع ما تكلفهم به الدولة من الحقوق والواجبات غير واجب
الاتباع في اعتقادهم، فإذا أخذوا به في العلانية لا يأخذون به في السر، ولا يتم
تهذيب الأمة ما لم يكن الوازع لها عن الشر والحامل لها على الخير ثابتًا في نفسها
مقررًا في اعتقادها، فخير للمسيحيين أن يحكم المسلمون بشريعة ودولة توجب
عليهم احترامهم، والقيام بحقوقهم سرًا وجهرًا، وبدون هذا يتضرر المسيحيون،
ولا يرتقي المسلمون، بل يتدلون ويهبطون كما علم بالاختبار والمشاهدة، فقد أنبأ
التاريخ أن مبدأ الخلل والضعف الذي ألمّ بنا كان إهمال وظائف الخلافة والخروج
بها عن معناها الذي هو حراسة الدين وسياسة الدنيا، ولما ضعف الخلفاء عن القيام
بالوظيفتين لجهلهم وانغماسهم في الترف والرفاهية استبد العمال بسياسة الدنيا،
فكانوا ملوكًا وسلاطين، وأهملت حراسة الدين فلم يكن لها زعيم يقيم السنن ويميت
البدع، غير ما كان يأتيه بعض صلحاء الملوك أحيانًا، فتمزق بهذا نسيج الوحدة،
وتفرق شمل (الجامعة الإسلامية) حتى وصلت إلى ما نحن فيه الآن، وكان هذا
أمرًا اقتضته طبيعة العمران، ولن يعود للإسلام مجده إلا بإحياء منصب الخلافة
واتفاق المسلمين على إمام واحد يعتقدون وجوب الخضوع له سرًّا وجهرًا، ولا إمام
اليوم للمسلمين بهذا المعنى إلا القرآن الكريم، فيجب على من يهمه ترقية شؤونهم
أن يدعوهم به إلى العلم والعمل، ونفض غبار الجهل والكسل، والقيام بمصالح
المعاش والمعاد على ما تقتضيه سنن الترقي والإسعاد، فهو إمام كل إمام، وكما كان
المبدأ في ترقيهم كذلك يكون الختام.