للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


التربية الإسلامية والتعليم الإسلامي

كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، تلوكهما الألسنة والأقلام
ويجولان في جميع الأذهان، ويتحدث بهما الرجال والنساء والولدان، وقد أجمع
الناس في هذا الزمان على أنهما مصدر السعادة للبيوت (العائلات) والشعوب
أفرادهما وجملتهما، ولو سألت كل فرد من أفراد هؤلاء الناس عن هذا الإجماع
لأجاب أنه حق لا ريب فيه، وأنه من القضايا الضرورية التي لا يتوقف الحكم فيها
على برهان ولا دليل.
ثم إنك لو سألت كل واحد من هؤلاء عن تفسير هاتين الكلمتين وتفسير كلمة
السعادة، وعن الرابط بينها وبينهما الذي كانا بها علة أو سببًا، وكانت هي معلومة
ومسببًا أو سألته عما هو معروف الآن لكل مطلع على أحوال البيوت (العائلات) في
بلده وأحوال الشعوب التي تشرحها جرائدها، وتنشرها في العالم، وعن تطبيق تلك
القاعدة الاجتماعية عليها في جملتها أو في تفصيل ما تشكو منه وتصفه من أنواع
الشقاء في مصالحها الأدبية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل لو سألته عن
أفظع وقائع المظالم والجنايات والخيانات فيها، هل وقع بفعل الناس من الأميين
ومن على مقربة منهم ممن لم يتح لهم إلا التعليم الابتدائي أو الثانوي لأجابك كل
واحد عن السؤال الأخير بأن كل ما ذكرت من أنواع الجرائم الكبرى لم يقترفه إلا
النابغون في التعليم العالي وما يليه، يجيبك بهذا؛ لأنه هو القطعي المعلوم بالمشاهدة
المنقول بالتواتر؛ ولكنه يعجز عن الجواب عما قبله من فائدة التربية والتعليم، ومن
معنى السعادة، ومن الوسط الرابط بينهما؛ لأن هذه كلها قضايا نظرية كان يقلد
غيره فيها، ويُعِدّ المسلَّمات من الضروريات.
معنى كل من هاتين الكلمتين يختلف باختلاف متعلقه والغرض منه، وكونه
على منهاج يؤدي إلى الغرض، أو يقرطس في الهدف التربية تنشئة قوى الإنسان
الجسدية والعقلية والروحية بما تربو به وتَنْمِي وتترعرع حتى تبلغ كمالها الشخصي
في محيط الملة والأمة، فمن أعمالها ما هو مفيد لكل أفراد الناس؛ لأنه لا يختلف
باختلاف الأقوام في مقوماتها الملية، ومشخصاتها الوطنية، كتربية الأبدان المبني
على قواعد الصحة في الغذاء والنظافة والرياضة، ومنها ما يختلف اختلافًا واسع
المسافة بعيد الشقة، فما يعده بعض زعماء الأقوام والأمم مصلحة يعده غيرهم من
أكبر المفاسد، وتفصيل ذلك يطول وليس من موضوعنا الآن.
والتعليم تلقين العلم الذي يساعد التربية على تكميل الإنسان، وهو كالتربية
منه ما لا بد منه لجميع الناس في كل زمان ومكان، ومنه ما تختلف الحاجة إليه
باختلاف الأطوار والأحوال، وحاجة الأقوام والأوطان، والأصل فيه أن يعلم
النشء ما يرشده إلى العمل الذي لا بد له منه في حياته الشخصية والمنزلية
والوطنية ... إلخ.
التعليم إفادة العلم، والعلم بيان للعمل صفته وإتقانه، وأما الباعث للعامل على
العمل بعلمه فهو ثمرة تربية النفس على ما يوجهها إلى طلب منافعها ومصالحها
الحسية والمعنوية، أو المادية والأدبية - كما يقول كتاب عصرنا - أو إلى ما في
الخير لها في المعاش وفي المعاد كما يقول علماء الدين، فمنفعة التعلم رهينة
بحسن التربية، وهذه المباحث كلها طويلة الذيول، متدفقة السيول؛ وإنما أشرت
تمهيدًا للسائلة عن التربية الإسلامية والتعليم الإسلامي ما هما، وأين يوجدان في
هذا القطر؟ أيوجدان في بيوت المسلمين كافة، أو بيوت بعض الطبقات منهم؟
أيوجدان في مدارس وزارة المعارف، أو مدارس الأوقاف الملكية، أو مدارس
الجمعية الخيرية الإسلامية، أو المدارس الحرة؟ أيوجدان في مدارس المعاهد
الدينية الأزهر وملحقاته؟ الذي أعلمه أنا لا يوجد في بيوت المسلمين، ولا في
المدارس الرسمية، ولا غير الرسمية، ولا في المعاهد الدينية تربية إسلامية مدونة
أو متبعة بالعمل في تنشئة أطفالهم في بالبيوت، ثم تلاميذهم في المدارس والمعاهد
على أخلاق الإسلام وآدابه وعباداته كالصدق، والحرية، والحياء، والأمانة،
وعزة النفس، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والتعاون، والاقتصاد، والتراحم،
واجتناب البذاء والفحش في القول ... إلخ حتى يترعرع ويشب معتقدًا أن المسلم
بإسلامه أعز الناس نفسًا، وأجدرهم بالكرامة واتباع الحق، واحتقار الباطل، وحب
الخير للناس كافة، وأنه يجب بذلك أن يكون قدوة لهم في كل فضيلة وعادة وعمل،
ولا يليق به أن يكون تابعًا ومقلدًا لقوم آخرين فيما يعد تفضيلاً لهم على قومه، مع
اعترافه لكل ذي حق بحقه، وكل ذي فضل بفضله، وبراءته من كل ما فشا في
قومه من البدع والخرافات والعادات الضارة والسعي لإزالتها عندما يكون أهلاً لذلك؛
ولكن يوجد في بعض البيوت بقايا متبعة ذلك.
وأما تربية المدارس فروحها تفرنج يقتل الإسلام قتلاً بتفضيل كل ما هو
إفرنجي على كل ما يخالفه من عقائد الإسلام وشعائره وعباداته وأخلاقه وآدابه
ومشخصاته، وحسبك أن الصلاة التي هي عمود الإسلام وعنوانه، ومغذية الإيمان،
غير واجبة على أساتذة هذه المدارس، ولا على تلاميذها، فلا يطالب بها أحد،
كما أنها غير محرمة عليهم فلا يمنع من أرادها في غير وقت الدرس، وقد أجمع
المسلمون سلفهم وخلفهم على أن من استحل ترك الصلاة يكون مرتدًّا عن الإسلام لا
يشارك المسلمين في شيء من أحكامهم من إرث وزواج، ولا يدفن في مقابرهم،
وإن كان متزوجًا انفسخ عقد زواجه، بل يجب على الحكومة استتابته، فإن لم يتب
قتل كفرًا، وأما من ترك الصلاة وهو مؤمن غير مستحل فأهون ما قاله الفقهاء أن
يحبس حتى يتوب، كذلك الصيام اختياري في مدارس الحكومة المصرية، وهو من
أركان الإسلام من استحل تركه كَفَرَ.
هذه المدارس قد وضع الإنكليز نظمها، وعينوا لها وجهتها، وغايتها كما
شاؤوا، ومن مقاصدهم فيها ألا يكون لم يتعلم فيها أدنى شعور بأن لقومه ملة إسلامية
لها من المزايا في دينها وتشريعها وحضارتها وتاريخها ما تعلو به على جميع الملل،
بل ما لا تشاركها فيه ملة أخرى، وقد اتفق أن جيء لمدرسة البنات السنية على
عهد القس الشهير المستر دنلوب المسيطر على وزارة المعارف بناظرة إنكليزية
ممن تربين تربية حرة عالية، فلما كتبت تقريرها المعتاد في آخر السنة المدرسية
اقترحت على وزارة المعارف إلزام جميع من يتعلم فيها من البنات أن يتعلمن عقائد
الدين الإسلامي وأحكامه ويؤدين عبادته من صلاة وصيام وعللت ذلك بأن عاقبة
هؤلاء البنات أن يكن أمهات مربيات لنشء الأمة، ولا يصلح للتربية إلا الأم
المتدينة الصالحة لأن تكون قدوة، ولذلك أجمعت الأمم كلها على تربية البنات تربية
دينية علمية عملية (قالت) ولما كان في هذه البلاد ثلاثة أديان كلها تأمر بعبادة الله،
وبالتحلي بالفضائل واجتناب الرذائل، وهي الإسلام والنصرانية واليهودية، ولما
كان اختلاف التعليم الديني مضرًّا بالتربية، ومخلاً بوحدة الأمة، وكان الإسلام هو
دين الأكثرية الغالبة وجب جعله هو الدين الذي يُبنى على أساسه نظام التعليم
والتربية في هذه المدرسة، فأنا أقترح جعله رسميًّا إلزاميًّا فيها.
أترى أيها القارئ ما فعلت وزارة المعارف بهذا التقرير؟ لعلك تعلم أن
القسيس دنلوب كان هو الوزارة، وكان الوزير ومن دونه مستخدمين له، أو آلات
بيده، وقد عزل جنابه هذه الناظرة عزلاً، وحفظ تقريرها أو مزقه تمزيقًا.
جميع المدارس التي تسمى إسلامية في مصر تسير وراء وزارة المعارف في
تربيتها وتعليمها سير القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، حتى مدارس الأوقاف
الملكية، وكذا مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية التي كان غرضها الوحيد على
عهد رئيسها الأستاذ الإمام ومديرها حسن باشا عاصم (تغمدهما الله برحمته) تربية
أولاد الفقراء من المسلمين تربية إسلامية خالصة، وتعليمهم ما لا بد منه لكل مسلم
من عقائد دينه وأحكامه وآدابه مع مبادئ لغته وسائر ما يلقن في المدارس الابتدائية
من حساب وغيره، وغاية ذلك كله أن يكون أولاد الطبقات الفقيرة من المسلمين كما
يجب أن يكون المسلم في أدبه وصدقه وكرامته وأمانته وموضع الثقة في عمله أيًّا
كان.
أتدري أيها القارئ المسلم ما أصاب هذه المدارس من الانتكاس والارتكاس بعد
ذينك الرجلين المصلحين اللذين لم تُنْبِتْ طينة مصر مثلهما منذ قرون؟ حسبك أن
تعلم أن الجمعية أنشأت مدرسة للبنات لتمرينهن على الرقص دون تمرينهن على
الصلاة؟ وأما الثمرة العامة لتربية البنات وتعليمهن؛ فإنك ترى النساء بعينك في
الأسواق والشوارع والمحافل والمجامع، والملاعب والمراقص، والمراسح، وفي
الحمامات البحرية والجمعيات النسائية، فقد بلغن من الخلاعة والرقاعة، بل الإباحة
دركًا، صار يستقذره الكُتاب الإباحيون الذين دعوا إليه من قبل.
ألفت كتابًا (في حقوق النساء في الإسلام) أبنت فيه أن الإسلام كرمهن
وأعطاهن من الحقوق الدينية والمدنية والسياسية ما لم يسبق إلى مثله، أو ما يقرب
منه دين من الأديان، ولم يبلغ شأوه فيه قانون ولا نظام، وسميته (نداء للجنس
اللطيف ... إلخ) فقرَّظته الصحف، وصرحت بأنه لم يكتب مثله في موضوعه،
فلم يبلغني أن جمعية نسائية، ولا امرأة مسلمة طلبت الاطلاع على هذا الكتاب، بل
أهديته إلى كاتبة أديبة مسلمة ينشر لها المقطم رسالات كثيرة في الآداب والعادات
وغيرها، فقرَّظته تقريظًا حسنًا، ورغبت المعلمات في قراءته بقولها: إن مؤلفه
يبذله لكل من تطلبه منهن بدون ثمن، فلم يطلبه منهن أحد، فأين الإسلام وأين
التربية الإسلامية في مصر؟
وإذا كان هذا شأن من يتعلمن ويتربين في المدارس التي تسمى إسلامية، فما
رأيك فيمن يتعلمن في مدارس جمعيات التنصير وراهبات الكاثوليك؟ إن هؤلاء
يحتقرن الإسلام وكل من ينتمي إليه ويحتقرن لغته أيضًا، روت طالبة سورية في
مدرسة أمريكانية أن زميلتين لها من بنات باشاوات مصر قالتا لها، وقد كلمتهن
باللغة العربية: كيف ترضين أن تتكلمي بهذه اللغة القذرة؟ فلعنة الله عليهما
وعلى والديهما ووالدتيهما في الدنيا والآخرة. اهـ المقالة.
(المنار)
كنت كتبت هذه المقالة لمجلة التعليم الإلزامي استجابة لطلبها،
وأردت أن أتم موضوعها بمقالة ثانية، فحال دونها زحام شواغل دار المنار، وقيل
(شغل الحلي أهله أن يعار) والصحف قلما ينقل بعضها مقالات بعض؛ ولكن قد
يسرق بعضها من بعض، وقد يكلف بعض محرريها أن يكتبوا لغيرهم صحفهم حتى
يتفق أن يطلب منا مقالات وفتاوى لتنشر في صحف مصرية وغير مصرية في
وقت واحد! ! !