للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


محاضرتي في جمعية الشبان المسلمين

أيها الإخوان:
كنت عازمًا على أن أسمع في اجتماع هذا العام ولا أتكلم، حتى إذا ما فرغ
الخطيب الأول صديقي الأستاذ المؤرخ الشيخ عبد الوهاب النجار من خطبته، بدا
لي أن أتعقبه أو أقفي عليه متطوعًا بكلمة تكون مقابلة لكلامه من ناحية غير الناحية
التي سلكها وهي لا مندوحة عنها فأقول:
مضت سنة الأمم أن يسلك مرشدوها في الكوارث التي تنزل بها طريقتين
(إحداهما) تهوين الخطب، وتصغير الكارثة، وتقوية الرجاء بزوالها وانكشافها عن
قريب؛ إشفاقًا عليها من اليأس، وقد سلك هذه الطريقة الأستاذ فصوَّر كارثة
اليهودية الصهيونية بسحابة صيف تنذر فلسطين بطوفان عظيم، ثم لا تلبث أن
تنقشع وتزول؛ ولكنه توقع أن يكون خذلان اليهود فيها، والقضاء على ملك
إسرائيل الذي يحاولون تأسيسه في مهد ملك داود وسليمان بظهور مسيحهم الدجال
الذي حذر منه الأنبياء عليهم السلام، وآخرها خاتمهم محمد رسول الله صلى الله
عليه وسلم الذي أمر أمته أن تستعيذ بالله من فتنته في الدعاء المأثور بعد التشهد
الأخير من الصلاة.
فإن كان المصاب بعدوان اليهود على فلسطين لا ينكشف إلا بظهور مسيحهم
الدجال فياللهول، وياللرزية، إنه لبلاء لا ينكشف إلا في آخر عمر الدنيا، ولا
تلبث بعده أن تقوم الساعة.
وقد أشار الأستاذ الخطيب إلى ما ورد في الأحاديث النبوية الصحيحة من
القتال بين اليهود والمسلمين، والبشارة بأن المسلمين يظهرون عليهم فيه، وذهب
علماؤنا إلى أن هذا سوف يقع في عهد المسيح الدجال.
وأما الطريقة التي أريد سلوكها في بيان ما يجب على الأمة العربية والشعوب
الإسلامية، من العبرة بالنكبة اليهودية الصهيونية، فهي طريقة الأسباب الدنيوية،
والسنن الاجتماعية، التي يسير عليها أهل البصيرة والعلم قبل وقوع ما أنبأ به
الأنبياء عليهم السلام من مقدمات خراب العالم وقيام الساعة، ومنها ظهور المسيح
الدجال الذي رجحت في تفسير المنار أن اليهود سيهيئون أسبابه ومعجزاته بالعلوم
الكونية.
وإنني - مع هذا - أعتقد أن العدوان الصهيوني الحالّ بمساعدة الإنكليز على
فلسطين لا ينتهي إلا بقتال بينهم وبين العرب، لا أقول هذا تحريضًا لكم أيها
الحاضرون عليه، فإنني لا أظن أن أحدًا منكم أهلاً ولا مستعدًّا له؛ وإنما هذه عاقبة
طبيعية لما هو واقع هنالك، فقد ثبت في الأخبار المتواترة أن اليهود في فلسطين
يقتنون السلاح ويستزيدون منه بالتهريب من أوربة، وقد عثرت الحكومة على
باخرة تحمل شيئًا ليس بالقليل منه لليهود من أيام قليلة، وأن أمة غنية تريد إخراج
قوم من ديارهم لجعلها ملكًا لها لا بد لها من الاستعداد للقتال، فاليهود يجلبون السلاح
العصري من أوربة، والدولة الإنكليزية قد نزعت سلاح عرب فلسطين من أيديهم،
وهي تريد نزع سلاح إخوانهم في شرقي الأردن عند سنوح الفرصة بمساعدة خونة
العرب وسواعدهم، ومتى تم هذا يسمح لليهود بنزع أرض شرقي الأردن، كما
ينزعون أرض فلسطين، هذا رأي لي قديم في عاقبة الحكومة المؤقتة في شرقي
الأردن طالما صرحت به لمن لقيت من أهل البلاد، وقل من كان يعقله؛ ولكنهم
سيرونه بأعينهم.
هذه مقدمة سنحت قبل الكلمة المقصودة من وقفتي هذه، وهاؤم اسمعوها
بالاختصار: إن خطر ما يسمونه (المسألة اليهودية الصهيونية) كبير هائل جدًّا،
هو أكبر من كل ما قيل وما كتب في تكبيره وتهويله، ولو ظل اليهود على اعتقادهم
القديم وانتظار المسيح الذي بُشِّروا به، وفسروه بملك دنيوي يعيد لهم ما فقدوا من
ملك سليمان عليه السلام بتأييد الله تعالى له بالآيات والمعجزات، لما كان خطب
الصهيونية هو الخطر الذي أعنيه، بل لما وجدت هذه الصهيونية التي نخشاها
وننذر الأمة خطرها.
تلك عقيدة دينية مرت القرون، ولم يستعد اليهود لظهورها وإظهارها بقوة
اجتماع ولا سلاح ولا مال، ولا عمل من الأعمال، بل كانت مانعة لهم من
الاستعداد لإعادة ملكهم من طريق الأسباب؛ لاعتقادهم أنه سيكون بآيات إلهية هي
فوق الأسباب، فمثلهم فيه كمثل جماهير المسلمين - ولاسيما الشيعة - في عقيدة
المهدي المنتظر بظهوره بعد أن تملأ الأرض ظلمًا وجورًا، فيملؤها عدلاً.
كانت هذه العقيدة من أسباب خنوع المسلمين وسكونهم وسكوتهم على ما
أصابهم من جور الظالمين المخربين منهم، ثم من سلب الإفرنج لأكثر ملكهم: كلما
ظهر فيهم عاقل يدعوهم إلى الدفاع عن أنفسهم يصدونه بقولهم: إن الأرض ملئت
جورًا وظلمًا، وقد قرب زمن ظهور المهدي، ولن ينقذها غيره، ولم يخطر في بال
أحد من زعمائهم أن يدعوهم إلى الاستعداد لظهوره ليكونوا معه كما كان المهاجرون
والأنصار مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لاعتقادهم أن ظهوره وعمله وسيكون
بالكرامات وخوارق العادات؛ ولذلك خُدِعَ ألوف منهم بظهور الدجالين المدعين لهذه
المهدوية، ولما هو فوقها ومتمم لها من ظهور المسيح، كما فعل الباب والبهاء
وغلام أحمد القادياني، فكانت عقيدة المهدي المنتظر، والمسيح المنتظر مثار فتن
وحروب مبيرة، سُفِكَتْ فيها دماء غزيرة.
رأى بعض اليهود - الذين درسوا العلوم الكونية والاجتماعية والتاريخ في
أروبة - أن قومهم يعللون أنفسهم بأمنية ظهور مسيح يجدد لهم ملكهم، وأن القرون
تتلو القرون على هذا الاعتقاد، وهم لا يزدادون إلا تفرقًا وذلاً بفقد الملك، ورأوا
من عبر التاريخ أن أفرادًا من أصحاب الهمة والعزيمة قد أسسوا ممالك قوية،
فتوجهت عزائمهم إلى تأسيس ملك لقومهم بالأسباب الاجتماعية دون الاعتماد على
الأوهام الاعتقادية النافية لسنن الاجتماع، فأسسوا هذه الدعوة الصهيونية على قواعد
العلم والمال، وتوحيد قوة الأمة وجمع كلمتها.
وضعوا لعملهم رأس مال كبير فكان بنكًا للصهيونية، وضعوا له دائرة
معارف يهودية صهيونية، ووضعوا نظامًا اجتماعيًّا لجمع كلمة الأمة يعقدون له
المؤتمرات تلو المؤتمرات، في أمصار أوربة وأمريكة، ولقد كان اليهود -
المتكلون على ظهور (مسيا) مؤيدًا بالعجائب والخوارق السماوية - ينفرون من
هذا النظام ويعدونه كفرًا وإلحادًا، أو هرطقة وزندقة؛ ولكن الحقائق العلمية
والمساعي العملية، ما زالت تدحض الآراء الوهمية، حتى صار يهود العالم كلهم
أنصارًا للجمعية الصهيونية، حتى إن فقراء يهود اليمن والمغرب الجاهلين
يهاجرون إلى فلسطين؛ ليشهدوا تأسيس ملك إسرائيل.
ما ينبغي لنا ولا لعاقل أن يستصغر عمل هؤلاء القوم، أو يستكبر نهوضهم به
مهما يكن كبيرًا في نفسه، فاليهود شعب قوي العزيمة، شديد الشكيمة، عظيم الكيد
والحيلة، قد أحدثوا أعظم انقلاب في الدول والأمم، وكان آخر ما أحدثوا انقلاب
دولة الخلافة التركية الحميدية، ودولة القيصرية الروسية، ثم كانوا هم السبب في
انكسار الدولة الألمانية القاهرة في حرب المدنية العامة، وإن دولة بريطانية العظمى
لترى نفسها مسخرة لهم في مساعدتهم على تأسيس ما سمته (الوطن القومي في
فلسطين) بمقتضى وعدها لهم بما يسمى (عهد بلفور) وهو الذي اجتمعنا
للاحتجاج عليه اليوم كما نفعل في كل عام، وقد سبقونا هم للاحتفال بهذه الذكرى
في مصر وفي كل قطر، وشتان بين اجتماعنا واجتماعهم، نحن نجتمع للندب
والاحتجاج بالكلام، وهم يجتمعون للتهاني والتعاون بالأموال والأعمال.
فالذي أبغيه بكلمتي هو أن نعتبر بأعمالهم ونقتدي بهم فيها، بل نقتدي بما
أمرنا به كتاب ربنا من المحافظة على ملتنا وأمتنا بالجهاد في سبيله بأموالنا
وأنفسنا.
إن عدد اليهود في العام كله بضعة عشر مليونًا على أكثر تقدير - ١٥ أو ١٧
مليونًا - وإن عدد المسلمين ليبلغ أربعمائة مليون، وإن عدد العرب الذين يريدون
نزع فلسطين من أيديهم لا يقل عن مائة مليون، وإن اليهود خصوم للمسلمين
والنصارى منهم على سواء، إنهم خصوم لهم في وطنهم المشترك ومعاهدهم
المقدسة فيه، بل خصوم لهم في دينهم أي في دين الإسلام ودين النصرانية - كيف
هذا؟
إن عقيدة اليهود في إعادة ملك إسرائيل بالمسيح المنتظر تكذيب لدين الإسلام
وتكذيب أصرح للمسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام؛ فإنه هو المسيح الذي
بشرهم به أنبياؤهم فكذبوه، وهو الذي أنذرهم خراب هيكلهم السليماني حتى لا يبقى
فيه حجر على حجر، وهم يريدون إعادته إتمامًا لتكذيبه، ومن عجائب همتهم
وكيدهم أنهم يسخرون الدول المسيحية كلها لمساعدتهم الأدبية، وسخروا بريطانية
المسيحية لتأسيس هذا الملك لهم بقوتها السياسة والعسكرية، ومخالفة تقاليدها
النصرانية والأدبية، فانظروا إلى مبلغ كيدهم وقوتهم.
وماذا عسى أن يفعل العرب في إيقاف الدول البريطانية عند هذا الحد الذي
بلغته من تسخيرهم لها وليس عندهم إلا الكلام؟
إن في بلاد الإنكليز خصومًا لليهود كخصومهم في سائر بلاد أوربة؛ ولكنهم
أعظم نفوذًا في هذه الدولة من خصومهم من أهلها، فماذا عسى أن يبلغ تأثيرنا فيها؟
إن نفوذهم قائم على أساس المال والصحف السياسية؛ لأنهم يملكون القسم العظيم
من سهام شركاتها.
وإن للعرب لقوة أعظم من قوتهم بكثرة عددهم، وسعة بلادهم ونفوذهم
المعنوي الديني في الهند وغيرها من الإمبراطورية البريطانية؛ ولكنهم يجهلون
وسائل الانتفاع بهذا النفوذ في جمع المال، وفي تهديد الدولة الإنكليزية وإلجائها إلى
ترجيح مصلحتهم على مصلحة اليهود الصهيونيين.
وقد قلت لكم في هذا المكان من قبل: إن الانتفاع بهذه القوة العربية، من
إسلامية ومسيحية، وبالقوة الإسلامية التي تؤيدها، يتوقف على نظام لا يجوز
شرحه في هذه المحافل، وإني أعيد هذه النصيحة وأكرر التذكير بها عملاً بقوله
تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى} (الأعلى: ٩-١٠)
انتهت المحاضرة.