للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


سؤالان عن الربا في دار الحرب
وعن كون الإسلام دين سياسة أم لا
(س ٣ و٤) من صاحب الإمضاء في بنجر نقارا (جاوه) :
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة الأستاذ القدير السيد محمد رشيد رضا المحترم، أطال الله عمره:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإن لمناركم الأغر مكانة في قلب كل
مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، وبما كان للإسلام من مجد لعبت به الأهواء، لا
زال مناركم يرسل أشعته إلى أقصى بلاد الشرق والغرب؛ ليستضيء بنوره من
أضله الله وأعماه عن الحق.
وبعد فأقدم لفضيلتكم سؤالين أيها البحر الزاخر علمًا مسترحم الجواب عليهما
على صفحات مجلتكم الغراء لتعم الفائدة، والله ولي التوفيق.
(١) إن الربا انتشر في أرض جاوا في هذه الأيام انتشارًا لا عهد لنا به،
حتى إن بعض الأساتذة الذين كانوا في مقدمة الآمرين بالمعروف والناهين عن
المنكر والمقاومين للربا - خرجوا من المدارس وأصبحوا اليوم في مقدمة المرابين،
فإذا سألناهم عن الدافع إلى هذا أجابونا بلسان واحد بأن صاحب المنار أفتى بجواز
الربا على الإفرنج، وإذا رأينا أحدًا يرابي على الوطنيين أجابنا بأن موظفي
الحكومة لا دينيين، وأننا في دار حرب. وقد أفتى صاحب المنار بجواز الربا في
دار الحرب؛ فهل لما أشيع عن مناركم من صحة؟ إذا قلتم نعم، فستقفل الحوانيت،
ويقف دولاب تجارة العرب بجاوا، ويتوجهون إلى الربا اعتمادًا على فتواكم؛ فما
رأي فضيلتكم؟ أرجو الجواب في أول عدد من مناركم ليحق الحق ويزهق الباطل
(إن الباطل كان زهوقًا) .
(٢) هل الدين الإسلامي دين سياسة أم لا؟
لأن في أرض جاوا حزبين كبيرين متشاجرين أحدهما حزب المحمديين،
والآخر شركة إسلام إندونسيا، وهذان الحزبان مع اتفاقهما في المبادئ السلفية
ما زالا مختلفين في هذا الأمر.
فالمحمديون يقولون بأن الدين الإسلامي ليس دين سياسة، ولا يمنعنا عن
الاشتراك مع الحكومة والتوظيف بدوائرها السياسية وغيرها، وحجتهم قوله تعالى:
{لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} (الممتحنة: ٨) إلى آخر الآية، ومدارسهم مرتبطة بوزارة
المعارف. أما حزب شركة إسلام فإنهم يقولون إن الدين الإسلامي دين سياسة، ولا
يسمح لنا بالتوظف في دائرة الحكومة والارتباط بدوائرها السياسية وغيرها،
وحجتهم قوله تعالى: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ
الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} (المجادلة: ٢٢) إلى الآخر الآية.
ويحتجون على حجج المحمديين بأن الله نهانا عن الذين قاتلونا في الدين،
والقتال يكون بالسيف أو بالضغط والإرهاق والاضطهاد ومنع نشر الإسلام وفضائله
لهذا أرجو أن تشرحوا لنا الحق في هذا الأمر لعل الله يهدي الفريقين والذي مال
عن الطريق السوي، فيتفق الفريقان على نشر الإسلام ومبادئ السلف الصالح بدلاً
عن النزاع الذي لا نتيجة من ورائه إلا الاضمحلال.
أرجو نشر الجواب في أول عدد من مناركم والسلام عليكم.
... ... ... ... ... ... ... من تلميذكم المخلص
... ... ... ... ... ... أبو بكر بن سعيد باسلامة
جواب المنار
(١) أخذ الربا من الإفرنج في دار الحرب:
إن ما تعنونه من إفتائي بحل أخذ الربا من الإفرنج في دار الحرب ليس كما
ذكرتم أو نقلتم، وإنما هو جواب عن سؤال ورد على المنار من مدير جريدة الوفاق
(هستنبرغ جاوه) ونشر في (ج ٨ مجلد ٢٧) ، الذي صدر في ربيع الآخر
سنة ١٣٤٦ (في فتوى بعض العلماء بحل أموال أهل الحرب فيما عدا السرقة
والخيانة ونحوها مما كان برضاهم وعقودهم، فهو حِلّ لنا مهما يكن أصله حتى
الربا الصريح) .
هذا موضوع الاستفتاء، والمستفتي فيه منكر له أشد الإنكار كما هو مبين
بنص كلامه في السؤال؛ إذ جعل هذه الفتوى خطرًا على التوحيد ومقتضية لتحليل
جميع المحرمات. وقد بينا في جوابه أصل الشريعة في إباحة أموال الحرب بإجماع
المسلمين وما قيد العلماء به عمومه. ولم يخالفنا أحد في ذلك فراجعوا فتوانا في
(ص ٥٧٥ من مجلد المنار ٢٧) ، فإن بقي في أنفسكم شبهة فيه فبينوه لنا. وقد
كتبنا في آخره (إن تلك الفتوى لا خطر فيها على التوحيد ولا تقتضي تحليل شيء
من المحرمات، ومن لا يطمئن قلبه للعمل بها فلا يعملن بها) ا. هـ.
وجملة القول: أنني ما أفتيت في شيء انفردت به في هذا الموضوع، وإن
الذين ذكرتم أنهم يستحلون أخذ الربا من المسلمين بدعوى أنهم (لا دينيين) أي
كفار تعطيل وإباحة - لا يمكنهم أن يدَّعوا أن صاحب المنار أفتى بتكفيرهم ولا بأخذ
الربا منهم، ولا بجعله حرفة للمسلمين، وإنما يتبعون أهواءهم، على أننا سنصدر
إن شاء الله تعالى في هذا العام كتابنا في مباحث الربا والمعاملات المالية
العصرية، التي نشرناها في مجلدات المنار بعد تلك الفتوى، فانتظروا فالمسألة
ليس من البداهة بحيث يحررها المرابون والتجار، وخطر الاستدانة من الإفرنج
بالربا أضعف مما تتصورون من عكسه، بل هو الذي جعل المسلمين أفقر الشعوب.
* * *
(٢) الدين الإسلامي دين سياسة أم لا؟
إن قول حزب المحمديين إن الإسلام ليس دين سياسة خطأ، وإن استنباطهم
من هذا القول أن الإسلام لا يمنعهم من الاشتراك مع الحكومة في وظائفها وأعمالها
غريب، فهو مبني على أصل فاسد، ولو لم يكن الإٍسلام دين سياسة لكان منعه من
الاشتراك مع غير المسلمين في أعمال حكومة غير إسلامية أشد وأقوى.
وأما احتجاجهم بآيات سورة الممتحنة {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ} (الممتحنة: ٨) إلخ،
فهو في غير محله، فإن موضوعها أن الإسلام لا ينهى أهله في داره عن البر
والعدل في معاملة الكفار غير المحاربين لهم في دينهم ووطنهم، وإنما ينهاهم عن
تولي المحاربين المنازعين لهم في دينهم ووطنهم، والمراد بتوليهم مساعدتهم على
أعمالهم الحربية وكل ما فيه جعل السلطان والقوة لهم على المسلمين. فإذا كان جعل
مدارسهم تابعة لمدارس الحكومة غير الإسلامية يضر الذين يتعلمون فيها بإفساد
عقائدهم وأخلاقهم ودينهم أو يؤيد سلطانهم عليهم - تكون تابعيتها لها مما نهى الله
عنه من توليهم؛ سواء سمي الإسلام سياسيًّا أم لا، فإن الحكم منوط بنص القرآن
لا بتسمية الدين سياسة أو عدمه، وإذا كان ذلك نافعًا للمسلمين بحفظ حقوقهم ويمنع
أو يخفف الأذى الذي يقع عليهم، فإنه لا يكون محرمًا، وقد يكون بمقتضى السياسة
الإسلامية مستحبًّا أو واجبًا، فهؤلاء أحوج إلى إثبات كون الإسلام دينًا سياسيًّا فيما
يعملونه ويطلبونه.
وأما قول (حزب شركة إسلام) إن دين الإسلام دين سياسي، فهو لا يبيح لهم
التوظف في مصالح حكومة بلادهم غير الإسلامية فأصله هو الصحيح، وما بني
عليه من الحُكم ففيه نظر ظاهر، فإن سياسة الملة والأمة ليست منصوصة في
الكتاب والسنة بعبارات جلية يفهمها كل أحد أو يقدر كل أحد على استنباطها
من النص، وإنما أساسها المصلحة العامة وهي تختلف باختلاف الزمان والمكان
والأحوال، وأقوم وسائلها التشاور بين أهل الحل والعقد من عقلاء علماء الأمة
بمصالحها لا علماء الاصطلاحات الفقهية وحدها؛ ألم تر كيف كان سياسي الخلفاء
الراشدين بل إمام سياسة الإسلام الأعظم عمر بن الخطاب يختار أمراءه من دهاة
الأذكياء، لا من عباد الفقهاء.
وأظهر قواعد أئمة الفقه فيها قاعدة الإمام مالك بن أنس - رحمه الله تعالى -
المأخوذة من سياسة السنة وسيرة الخلفاء الراشدين، وهي أن أحكام العبادات تُبنى
على العمل بظواهر نصوص الكتاب والسنة، وأحكام السياسة والمعاملات الدنيوية
تبنى على جلب المصالح ودرء المفاسد دون ظواهر النصوص، فإن تعارضا يؤول
النص لمراعاة المصلحة.
وعندنا من مجربات الشعوب الإسلامية في ذلك ما وقع لمسلمي الهند مع
الدولة الإنكليزية، فقد كان المسلمون هم حكام الهند، فسلبت هذه الدولة منهم الحكم
بجهلهم، فظنوا أن دينهم يوجب عليهم عدوانها عداوة سلبية بأن يجتنبوا مشاركتها
في شيء من أعمال الحكومة الإدارية والقضائية وأن يجتنبوا تعلم لغتها وعلومها
فكانت عاقبة ذلك أن أضاعوا ثروتهم وقوتهم فصاروا أفقر من الوثنيين والبرس
(أي الفرس) وأضعف؛ فهل هذا مقتضى السياسة الإسلامية التي تحفظ بها مصالح
الإسلام والمسلمين؟ كلا إن المسألة أكبر مما فهمه هؤلاء وأولئك فيجب درسها
وتمحيصها على الجامعين بين معرفة نصوص الشرع وحكمه ومعرفة شؤون العصر
على الأساس الذي وضعناه لهم.