فصول الكتاب

الكاتب: محمد الغزالي


في محيط الدعوات
تحليل ومقارنة

العقل الباطن - حقيقة التدين الزائف - الصابئة قديمًا وحديثًا
في نفوس البشر ركام كثيف من الغرائز المرسلة والنزعات المشبوبة
والشهوات الجامحة، تأتلف جميعًا لتصوغ العمل الإنساني فيما تشاء له من قوالب،
ولتلونه بما تحب له من صبغة.
وليست النفس حين تتحرك لإدراك غاية قصدت إلى تحقيقها باذلة جهدًا يكلفها
العنت أو يشعرها ألم السعي، ما دامت حرارة الرغبة تمدها بالوقود فتدفعها،
وطلاب اللذة يحدوها مزخرفًا لها الغرض البعيد حتى تظفر به وتطمئن إلى مناله.
ذلك هدى العقل الباطن وحده - كما اصطلح علماء النفس - حيث لا جديد في
فطرة الإنسان العتيدة على ما ذرأها الله وقبلما تدركها قيود الدين فتكبح من جماحها،
وتعاليمه فتهذب من ميولها، وأنظمته فتمحق من فوضاها وتكفكف تأبيها على الخير.
ثم تسير بها وجهة أخرى، أو ذلك عمل الإنسان لذاته وتفانيه في عبادة هواه،
ونسيانه المطلق لله الكريم، وانبعاثه في الدنيا كائنًا طياشًا أحمق، صفرًا من كل
غاية يمجده الانتهاء إليها والاكتمال في جوارها {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ
اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ
اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} (الجاثية: 23) .
هذا النفاذ البالغ إلى كل شيء، والذي تضحمل أمامه الحواجز وتذوب
الأسيجة، وهذا الاندفاع العنيف الدائب يتعجل النهاية ويتجشم إدراكها، هو مرد
السلوك كله عند كثير من علماء النفس، حتى قال (فرويد) مكتشف العقل الباطن:
(إن العقل المفكر لا يقوم إلا بخدمة اللاشعور، ولا يمكن أن يستجيب لغير ندائه،
ولا أن يستمع لغير أوامره) .
قد يكون هذا القول صحيحًا على إطلاقه في كل نفس لم يزكها الإسلام، ولم
تسمُ بها رسالة محمد صلى الله عليه وسلم {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ
كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} (الرعد: 19) .
ولكنه قلما يصدق على النفس المسلمة التي يحرق إيمانها خبث العقل الباطن،
حتى إذا أتى عليه استقام مع طبيعة النفس في مظهر ديني بحت. ألم يكن عمر بن
الخطاب رضى الله عنه غضوبًا في جاهليته ثم في إسلامه؛ ولكن شتان ما بين
غضب تستخفه الحمية الطائشة لأوهى الأسباب، وبين غضب غالٍ يثور لحق الله
وإعلاء دينه وليلعن الكفر ويستذل أهله، والواقع أن جوهر النفس الأصيل يبقى كمًّا
ويبقى كذلك كيفًا إن لم نحسب تغير البواعث وتغير الأهداف، وهو ما يتناوله الدين
من أساسه وتجهد الرسالات كلها في تحقيقه.
وقبل أن نقرر نصيب النفس المسلمة من هذا التغيير المنشود، نقف لحظة
لنلمح خلالها النفس اليهودية والنفس المسيحية، ولنرى مقدار تأثر النفسين في
حياتيهما بالدين.
* * *
لأمر ما كانت (النفس اليهودية) مرتعًا للدعوات المشينة والدسائس الساقطة،
وكانت حياتهم بين الأمم التي رماها القدر بهم تشبه حياة الطفيليات التي تعيش على
حساب الجسم لتسرق منه غذاءه وتمنع عنه نماءه، ويبدو أن نقمة الله التي حاقت
بشعوب إسرائيل حرمتهم للأبد عناصر الحياة الإنسانية العالية رغم ما تزعمه هذه
النفوس وتدعيه من علائق وثيقة بالله.
ذكرت إحدى الصحف اليومية منذ شهور نبأ مظاهرة قام بها العمال اليهود في
القدس، كانوا يهتفون في أثنائها طالبين الخبز، ويهددون - إن لم تجب مطالبهم -
بترك اليهودية! ! قد يدعو إلى العجب أن يهون دين على أتباعه حتى يبيعوه
برغيف؛ ولكن الأمر لا يستدعي دهشة، فاليهودي لا يحس بأنه منقاد لعقيدة مقدسة
لها حرمتها ولها جلالها، وليس ثمة إلا لقب يورث يحمله وهو على أهبة تركه إن
عارض شيئًا من متاع الدنيا الذي يجتذبه كل حين، وإذا كان الدين قد هزمه انفعال
الجوع هنا، فقد انهزم من قبل أمام سورة الحقد المضطرم في نفوس آبائهم لما
سألهم الأميون من العرب عن دين محمد، فزعم الأحبار المؤمنون! أن الوثنية خير
منه {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ
لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} (النساء: 51) ولما جحدوا
الرسالة الكريمة وقد استيقنتها أنفسهم {حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ
الحَقُّ} (البقرة: 109)
كيف يستقيم سلطان الدين على نفوس من يعتنقونه إذا كانت هذه النفوس
صريعة لكل نزوات الهوى وأعراض الحياة ومفاتن الرياسات الفارغة؟ وأي شيء
مما يطلبه العقل الباطن قد منع عنه بل اقتصد في إجابته؟ وأين مكان التغير الذي
يفرضه الدين حتمًا على دوافع العمل وغاياته ليكون عملاً دينيًّا لا شيء قط؟
* * *
ولنهبط إلى أغوار النفس المسيحية لنسبرها، إنني في " شَبْرَا " أشهد كثيرًا من
حفلات الصلاة أيام الآحاد، وكيف يثير القسيس انفعال المصلين بالترنيمات الحزينة
والأنشدة الحنون، على حين ينعكس اللهب الخافت المسترسل من مئات الشموع
على صدور التماثيل الخرساء الجامدة، وتردد جدران الكنيس أصداء جرسه الثائر
الذي يطغى أحيانًا على هينمة الشمامسة وترجيع الجمهور المسحور.
هذا النوع من السيطرة على النفس غير جديد، ولم تزل الغابات منذ آلاف
السنين تدوي بطبول الكهنة وتعاويذ السحرة ممن يمثلون الديرة بين الزنوج الأغبياء،
ولا تزال معابد الهنود حافلة بهذه المظاهر الأخاذة التي نقلها المسيحيون بأمانة
بالغة إلى مذابحهم ومحاريبهم، ولكن ما جدوى هذا كله؟ ومتى كان الدين جوقة
موسيقى وبضعة ألحان يندس بينها قليل أو كثير من التعاليم والوصايا التافهة؟
لذلك كانت النفس المسيحية في ساعات الكنائس غيرها في مواجهة شئون
الحياة، عندما تبرز في حقيقتها المجردة وطبيعتها الأصيلة، وقد طاش سحر
النواقيس والشموع وارتدت إنسانًا ضعيفًا تستبد به نوازعه القاسية، وهل يظن أن
المرأة المسيحية جاهدت عواطفها كثيرًا عندما عرضت في مباريات الجمال،
وكانت تود ألا تُعرض؟ أو أن الرجل المسيحي جاهد شهواته كثيرًا قبل أن يحتضن
امرأة غيره في صالات الرقص، وكان يود أن يبتعد؟
إنما تحيا النفس المسيحية في جو طليق مما تريده من حرية تستبيح كل شيء،
لا ظل فيها لرهبة ولا سلطان، وليست شهادة (كارل ماركس) للإسلام إلا ضربًا
من التفكير الحر، ولا تخرصات (فولتير) إلا مثلاً للتقليد الأحمق، ولا كلمات
(جبران) عن نبي العرب إلا فنًّا من الخيال السمج، ولا عدد (الشرق والإسلام)
الذي أصدرته إدارة الهلال إلا مظهرًا للثقافة التي يتاجر بها الأدباء، وهؤلاء
المسيحيون أبعد ما يكونون عن التقيد بغير حاجات نفوسهم، ورغائبها المادية
والمعنوية، وقد رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وغفلوا عما بعد ذلك من حقائق
لو أنهم التفتوا إلى شيء منها لأثار في نفوسهم على الأقل ميلاً إلى التطلع
والاكتشاف.
فماذا يقول الإنسان مثلاً في بابا روما الذي زعموا أنه يعرف تقريبًا سبع لغات
ليس بينها العربية؟ ! ما هذا النكوص عن البحث وراء الحقيقة، وأي معنى تردد
في نفس الرجل فقعد به عن تعلم دين كان له مع دينه تاريخ رائع وهو الذي لم
يكسل عن تعلم أدنى اللغات، ولكن لله سرًّا في تكوين بعض النفوس.
لعل فيما سبق ما يفسر حكم القرآن الصارم على أهل الكتاب؛ حيث لم
يعترف بهذه المراسيم التي تنسب النفس إلى الإيمان وهي منه خواء، فتحت أردية
الكهنوت الفضفاضة وما تشعر به من زهد وعزوف تتوارى نفوس خطرة {إِنَّ
كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} (التوبة: 34) ولمَّا كان لزامًا على المسلمين أن لا يتركوا دين الله يلتبس بأهواء
الناس؛ حتى لا يختلط كذب الأرض بوحي السماء وفي هذا ما لا يخفى من الإساءة
إلى الدعوة الحقة وما يوقف انتشارها - أمر المسلمين بإعلان الحرب عليها حتى
يكشفوا زيفها {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن
يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة: 29) وكذلك طرحت الفوارق الشكلية التي تميز
الكتابيين عن الوثنيين، وأطلق أسم الكفر الصريح عليهم ليشمل الجميع على السواء
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ
شَرُّ البَرِيَّةِ} (البينة: 6) .
على أنها قلة من الناس تلك التي لا تزال تخلص للكنائس المسيحية على
تفاوت مذاهبها، وليس بين مئات الملايين من سكان أوروبا وأمريكا إلا عدد يسير
من المسيحيين الأقحاح يتعارفون على دينهم كما يتعارف اللصوص على كلمة السر،
أما الكثرة العظمى منهم فقد ثارت على هذا (النفاق الديني) وآثرت أن تبقى
بعيدة عنه، ولم تر أي حرج في أن تعيش مجاهرة بإلحادها، معلنة حقيقة طواياها.
والحياة التي تجاهر بعداوتها للأديان - صحيحها وزائفها - ليست وليدة هذا
العصر، بل هي متغلغلة في القدم {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا
يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ} (الجاثية: 24) ولكنا لا نظن هذا النوع السافل من الحياة
صادف الشيوع الذي وجده في القارتين المسيحيتين، وجدير بنا أن نطلق اسم
(الصابئة) على هؤلاء الذين ارتضوا الحياة الدنيا فَحَسْب أقصى نهايات آلامهم
وآمالهم، ونظموا شؤونهم وصِلاتهم ومشروعاتهم على ذلك الأساس، وفي الوضع
اللغوي والاستعمال العرفي ما يبرر هذا الإطلاق.
ولقد شهدت أوربا معركة عنيفة بين المسيحيين والصابئة منذ قرون تحت
ستار النزاع بين العلم والدين، وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة للمسيحية كانت بدء
تقوض النظام الكنسي وانهيار سلطانه، ومن يومئذ لبس الصابئون ثياب العلماء
وتقدموا في ميادين العلوم الطبيعية تقدمًا مشهودًا، وقبع القساوسة في الأديار لا
يستطيعون مطلقًا المساهمة في الحياة العامة بنصيب طائل؛ ذلك أن العالم أنكر
عليهم أكثر من معيشة الانزواء والوحدة والاعتزال، ولا ريب أن الصابئة هم رسل
الحضارة الحديثة ومناصروها، وقادة العالم بها إلى سوء المصير، تلك الحضارة
الغربية التي لم تعرف الدنيا شرًّا منها؛ فلقد كان خيرًا للناس أن يعيشوا في أكواخ
تضاء بمشاعل الزيت وهم أطهار أبرار، من أن تفرقهم أضواء الكهرباء بين
المسارح الضخمة والمراقص الفخمة، ولكان خيرًا للناس أن يسيروا على الأرض
وهم أشراف من أن يطيروا في الهواء وهم لصوص، ولكان خيرًا للناس أن
تستغرق أسفارهم الشهور الطويلة يقطعون مراحلها على أرجلهم أو على دوابهم وهم
قانعون راضون، من أن يستخدموا هذه السيارات وغيرها من وسائل النقل وهم
على اتصالهم الميسور تقطعهم المطامع وتباعد بينهم شر بعد.
تلك لمحة عن حال الصابئة، وهم - كما ينبغي أن نعتقد - أخطر أعداء
الإسلام وأشدهم شكيمة، وليس بنافع في تطهير الأرض منهم إلا جهاد تتمثل فيه
عظمة الثورة الإسلامية الأولى وبطولتها وجراءتها، وإذا كانت النفوس غير
المسلمة كما وصفنا مهما تقطع أمرها شيعًا ومهما تفرقت سبلها شرودًا، لا تزال
آصرة تربط بين شيعها وسمة تجمع بين طرائقها، هي آصرة الضلال المشترك
وسمة البطلان البعيد، أو هي كما قدمنا أول البحث هذا الركام الكثيف من الغرائز
المرسلة والنزعات المشبوبة والشهوات الجامحة، فإن في هذا خير تفسير
للاضطراب الاجتماعي والسياسي الذي نشهد انقلاباته في أوربا دائمًا، والثورات
البيضاء والسوداء والحمراء التي تهز كيانها حينًا بعد حين.
... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد الغزالي
... ... ... ... ... ... ... ... ... كلية أصول الدين