للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: حسن البنا


بيان الحكومة المصرية
عن سياستها الداخلية والخارجية بدار النيابة
ووفاة رئيس مجلس الوزراء المصري حسن صبري باشا

كان يوم الخميس الرابع عشر من شهر شوال موعدًا لافتتاح دار النيابة،
فاجتمع النواب والشيوخ، وأخذ رئيس الحكومة يلقي بيانه عن سياستها الداخلية
والخارجية أمامهم وبين يدي (الملك) وفجأة أغمي عليه، وأسلم الروح بعد قليل،
وتوفي مأسوفًا عليه من جميع عارفيه.
ولقد كان (حسن صبري باشا) معروفًا بالتمسك بأهداب الدين الحنيف،
حريصًا على أداء فرائضه، لم يتهاون بأمر الصلاة، ولم يتذوق طعم الخمر، ولم
يصرف أوقاته فيما يصرفها فيه كثير من المترفين في هذا العصر، وكان معروفًا
بالصراحة وصفاء النفس، لا يضمر لأحد كيدًا، ولا يحقد على أحد، فنسأل الله
تعالى له الرحمة والمغفرة. وفيما يلي بيان الحكومة المصرية المعروف بخطبة
العرش، وقد أتم إلقاءه رئيس مجلس الشيوخ.
* * *
خطاب العرش
حضرات الشيوخ، حضرات النواب:
أحييكم أجمل تحية، ونسأل الله لكم في مهمتكم توفيقًا تزداد به الأمة قوة،
وتعتز به اتحادًا يكفل خير الوطن واستقلاله وأمنه وسلامته.
حضرات الشيوخ، حضرات النواب:
لقد وقفت مصر من الحرب التي تستعر نارها، ويمتد لهبها الآن غربًا وشرقًا
موقفًا أرادته الأناة، واقتضه الحكمة، وأدى إليه الحرص الأكيد على سلامة البلاد
والوفاء بالعهد، فنفذت معاهدة الصداقة والتحالف مع بريطانيا العظمى بنصها
وروحها تنفيذ إخلاص وصدق، وعملت على أن تكون علاقاتها مع سائر الدول في
غير ما أثرت فيه الحرب علاقات مودة وصفاء، وأقامت تنظر إلى تطورات
الحوادث بعين اليقظة، واثقة بنفسها، مطمئنة إلى حليفتها، حريصة على سيادتها
واستقلالها، محتاطة لدرء كل ما يمسها، عاملة على أن تظل - رغم تقلب الأحوال
الدولية - آمنة محتفظة بكيانها.
ولا تزال هذه السياسة التي أقررتموها خلال الدورة البرلمانية السابقة، والتي
اتجهت إليها إرادة الأمة سياسة حكومتي، وهي عظيمة الرجاء في أن تؤتي هذه
السياسة خير ثمراتها، وأن يتم لمصر بفضلها كل ما ترجوه، وتصبو إليه.
وقد رأت حكومتي أن معالجة ما نشأ عن الحرب من اضطراب في شؤون
البلاد الاقتصادية خير كفيل بنجاح هذه السياسة، فواجهت الحالة بكل ما استطاعت
من وسائل، وأَلْفَتْ في حليفة مصر العظمى العون الصادق على ما أرادت، واتفقت
معها على شراء محصول القطن الجديد، ونظمت معها السوق المالية، وبذلك
استقرت المعاملات، فلم يكن للتقلبات - التي حدثت في الخارج - كبير الأثر في
مصر.
واتجهت حكومتي إلى صيانة الاقتصاد الأهلي، وتشجيع الإنتاج الداخلي في
شتى نواحيه، فكان من أثر ذلك كله أن عادت دورة التعامل في أنحاء البلاد على
نحو اطمأن الجميع إليه، وزاد في طمأنينتهم ما أبدته حكومتي من حرص على
تموين البلاد بكل ما هو ضروري لها في الظروف الاستثنائية الحاضرة.
ولم تصرف ظروف الحرب حكومتي عن العمل لاستكمال استقلال البلاد،
ولا عن اضطلاعها بأعباء الاصطلاح فيها، فلقد أقر البرلمان في الدورة الماضية
الاتفاق الذي ألغى صندوق الدين، كما عاون الحكومة بتأييده لها فيما نهضت به من
أعباء الإصلاح في حدود طاقة الخزينة التي تأثرت تأثرًا محسوسًا بالأحوال العالمية
الحاضرة.
تجري الحكومة في المستقبل على الخطة العملية التي جرت عليها حتى الآن،
وهي واثقة من معاونتكم وتأييدكم؛ كي يتصل الإصلاح بمرافق الدولة كلها، وتظل
البلاد آمنة مطمئنة في هذا الدور الدقيق من تاريخ العالم.
حضرات الشيوخ، حضرات النواب:
لقد كانت الحكمة رائد الأمة المصرية في جميع أحوالها، وكان حرصها على
استقلال الوطن واستمساكها به واتحادها في سبيله أمنع سياج له وأعز ذائد عنه،
وأنتم ممثلو الأمة، أولتكم ثقتها، وحملتكم أمانتها، فانهضوا بالأمانة، وحققوا الثقة؛
عاملين بحكمة الأمة وحرصها؛ حتى يستقيم ميزان العدل والأمن والطمأنينة في
البلاد.
لقد وفت مصر بعهودها، وحافظت على طيب العلاقات مع سائر الدول في
الخارج، فتخطت البلاد خلال الشهور التي انقضت منذ كانت الحرب الحاضرة أدق
الظروف وأعصب الأوقات.
ولي عظيم الرجاء في أن تظل الحكمة رائدنا، وأن يصبح العزم الصادق
عدتنا.
حفظ الله وطننا العزيز بعنايته، وشمله برعايته، ووفقنا جميعًا في خدمته؛
ليعز جانبه، وتعلو كلمته، إنه سميع مجيب.
وقد أسندت مقاليد الحكومة المصرية إلى صاحب الدولة حسين سري باشا،
فشكل الوزارة، وقد ألقت في دار النيابة بيانًا لم يخرج عن سابقه، وفيما يلي نصه:
بيان الوزارة في البرلمان
ألقى صاحب الدولة حسين سري باشا رئيس الوزراء في مجلس الشيوخ
والنواب مساء الإثنين ٢٥ نوفمبر البيان الخاص بسياسة الوزارة، وهذا نصه:
حضرات النواب المحترمين:
استطاعت الوزارة السابقة أن تتغلب على دقة الأحوال التي تحيط بنا، وعلى
الظروف العصيبة التي يجتازها العالم وتجتازها بلادنا؛ لأنها اعتمدت في رسم
السياسة التي أدت إلى هذه الغاية، والتي حازت إقراركم وتأييدكم، على ما اختص
به شعب مصر المجيد من أناة ووفاء وصدق عزم، وعلى ما أخذتم به حضراتكم
في هذا المجلس من حكمة وبعد نظر وحسن تقدير.
ثم كانت الوطنية المصرية - التي أثبتت على الأيام سموها وقوتها - خير
كفيل بتعاون أبناء الأمة وأحزابها جميعًا (خارج البرلمان وداخله) تعاونًا صادقًا في
توجيه البلاد إلى ما يحقق مصلحتها ويحمي سلامتها واستقلالها. وإني لأرجو أن
توافق الوزارة التي أتشرف برياستها في تنفيذ سياسة الوزارة السابقة، كما رسمت
في خطاب العرش الذي تُلي على حضراتكم، فهذا الخطاب برنامجنا، وهو البيان
الذي نقدمه إليكم، آملين معاونتكم لنا على تنفيذه، فلا تزال دقة الأحوال الدولية
تقتضينا اليقظة والحزم، ولا تزال سلامة الوطن بحاجة إلى وحدة الأمة واجتماع
كلمتها.
سدد الله خطانا، وألهمنا جميعًا الحكمة والرشاد.
ونحن نسأل الله أن يلهم حكومات الشعوب الإسلامية في هذه الظروف الدقيقة
رشدها، وأن يوفقها لخير البلاد والعباد.