للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الترك والعرب
(٢)

بينا في المقالة السابقة أن المزية التي امتازت بها دولة الترك العثمانية على
كل دولة عربية هى بقاء دولتهم وثباتها زمنًا يناهز زمن دول العرب كلها أو يزيد ,
وأوضحنا الأسباب في ذلك ملمين بأسباب تنازع الدول العربية في السلطة , وأنهم
على تنازعهم وتخاذلهم كانوا أوسع فتوحًا وأكثر نشرًا للإسلام ونصرًا للدين من
الترك , ووعدنا بأن نقابل بين الفريقين ونفاضل بينهما في العلوم والمعارف
والمدنية والعمران , وها نحن أولاء منجزو موعدنا فتدبر ما نكتبه تدبرًا.
من أحاط خبرًا بحال الشعبين في هذه الأيام , ولم يكن عارفًا بتاريخهما
الماضي , ولا واقفًا على علل الأحوال الحاضرة وأسبابها؛ يحكم بأن الترك أقرب
إلى المدنية من العرب لأنهم أرقى منهم في الفنون والعلوم العصرية , وما ينشأ عنها
من الصناعات , وما يتبع ذلك من مظاهر الجمال والجلال والبهاء والكمال , فإذا مدَّ
عينيه بعد هذا إلى مناشئ الأمور وعللها رأى أن المال المخصص للمعارف
في الدولة ينفق في الأستانة العلية وما يليها من بلاد الترك إلا نزرًا يسيرًا يصرف
إلى ما يتصل بها كسوريا فهو كالرشاش يصيب الأرض المجاورة لمكان مرهوم أو
ذي صيّب لا يروي غليلاً ولا يغني فتيلاً , وإذا رأى هذا وعرفه يرجع عن حكمه
لا محالة , وإذا هو رجع القهقرى في التاريخ إلى أيام دول العرب , وشاهد ما كان
منهم من العلم أيام لاعلم إلا علمهم , والصناعة حيث لا صناعة تعلو صناعتهم
والزراعة أزمان لا زراعة كرزاعتهم , والتجارة حيث لا أحد يجاريهم في تجارتهم؛
يتجلى له أن قابليتهم للكمال أقوى , واستعدادهم للمدنية أعلى , وعقولهم في العلم
أرقى , وهمتهم في العمل أعلى فإنهم أوجدوا مدنية لم تكن , وأحيوا علومًا كانت
مدفونة في مقابر مكاتب الرومان وغيرهم , ونفخوا في العالم الإنسانى روحًا جديدًا
كان مبدأ الانقلاب الأعظم في تاريخه وأفاضوا على أرضه الميتة صيب الحكمة
والجد والعمل؛ فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج , وأما الترك فلم يظهر
فيهم أيام عزهم وقوتهم شيء من ذلك مع أن لهم سلفًا فيه , وقد غمرتهم في هذه
الأيام المدنية الأوربية , وجاءتهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن
شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين؛ لا تكاد تجد منهم مكتشفًا ولا مخترعًا ولا تكاد
تجد فيهم صاحب مذهب في الأصول العلمية , ولا صاحب رأى في المذاهب
الفلسفية , ولا تكاد تجد فيهم شركات صناعية أو تجارية تضرب في الأرض ابتغاء
الثروة والكسب.
إلا أنني أعيد القول بأنهم أرقى من العرب في هذه الأيام لما ذكرت من
الأسباب لا لأن استعدادهم أقوى , وأعيد القول بأن الغرض من المقابلة والمفاضلة
بينهم وبين العرب بيان الحقيقة وخدمة التاريخ , وحث الشعبين على أن يكونوا
شعبًا واحدًا يخدم الوحدة الاسلامية التي يجب أن تكون فوق كل جنسية , بل أن
تتلاشى فيها كل جنسية , وأن يسعى عقلاء الفريقين في التأليف والتوحيد فإن الترك
يظهرون احتقار العرب حتى إن لفظ (عرب) من ألفاظ الشتم في لغتهم , والعرب
يعتقدون أن الترك تحرّوا محو آثار المدنية العربية من بغداد وغيرها متعمدين , وقد
انتهى بهم سوء الظن إلى الاعتقاد بأن الجامع الأموي ما أحرقه إلا الأتراك؛ لأنه
من الآثار العربية التي يفتخر بها.
ولو أردنا أن نفيض في هذا الموضوع ونشرح بعض ما يتحدث به الناس من
ذلك في سوريا وغيرها لقضى المصريون منه عجبًا. ومن ذلك أن قاضيًا تركيًّا
جاء الشام فمكث فيها عدة سنين معظمًا مبجلاً محترمًا مكرمًا , وعندما نقل منها قال
لأخص أصدقائه عند الوداع: أدعو الله أن ينزع بغض العرب من قلبي فإننى ما
رأيت منكم إلا كل لطف وكمال.
ومما هو مستفيض عن جهلائهم أنهم ينكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم
عربي , ويزعم بعضهم أنه قال: (أنا عربي وليس العرب مني) ولم يعرف أنه
كان مثل هذا بين العرب وبين غير الترك من الأعاجم الذين استووا على عروش
السلطة في البلاد الإسلامية , وهذه دولة الفرس الحاضرة لم ينقل عن أهلها أنهم
يبغضون العرب أو يحتقرونهم لأنهم عرب , وإن من الأعاجم من يعتقد أن العرب
أفضل من جميع الأجناس لأن النبي الأعظم منهم , والقرآن بلسانهم , وهم الذين
نشروا الدين وأيدوه , ومن هؤلاء الأفغان الذين يتعصبون لجنسهم أشد التعصب ,
ويرون أن الأفغانى هو أفضل الناس لأنه أفغاني , ولكنهم يستثنون العرب.
يا قوم إن ربكم يقول لكم: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} (الأنبياء: ٩٢)
ويقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ
أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ
فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (آل عمران: ١٠٣)
ويقول: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ
اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال: ٤٦) وجاء في السنة الصحيحة: (لا تنازعوا
ولا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا , وكونوا عباد الله إخوانًا , المسلم أخو المسلم
لا يظلمه ولا يحقره) .
يا قوم إن في تاريخ مَن قبلكم أعظم عبرة لكم. ألم يقص عليكم ما أصاب
الأمة من تنازعهم على الخلافة والملك ومن اختلافهم وتفرقهم في الدين؟ أصابهم
شر عظيم قذف بهم من القمة إلى الهاوية , وخزيت الأمة كلها بخزي رؤسائها في
الدين والدنيا.
ولما تجددت لها دولة قوية وهي (الدولة العلية) أعزها الله تعالى لم تسْعَ في
إبان قوتها في رتق الفتق , ولم تعمل لاستئصال جراثيم الفتن السابقة واصطلامها؛
لأنها كانت دولة قوة وبأس لا دولة علم وحكمة , وما كان بين المسلمين وما هو كائن
لا يمحوه إلا العلم الاجتماعى , وهو ما كان ضعيفًا أو معدومًا في دولهم العلمية فما
بالك بغيرها؟ ما محا الترك سطور التعصبات الماضية , ولكنهم زادوا في الطنبور
نغمة: وهى التعصب للجنس الذي محاه الإسلام من أعرق الأمم وأشدها فيه وهي
الأمة العربية. ثم قام في هذه السنين فى مصر من زاد في الطين بلة فأحدث في
الإسلام بدعة التعصب للوطن والافتخار بلفظ الوطنية. فبهذه المُدى تُقطع روابط
الإسلام ويمزق أهله كل ممزق , والآخذون بها هم الذين يذفِّفون على المسلمين
ويحولون بين عقلائهم وبين ما يشتهون من الوحدة الإسلامية , ومن العجيب أن هؤلاء
الأغرار يغشون الناس في مصر بأنهم من أنصار الدولة العلية والمخلصين لها وليست
الدولة من سلالة الفراعنة ولا من أبناء وادي النيل الذي يتعصبون له , ويحملون
الناس على مناوأة كل من ليس من أهله , ومنهم من يجاري الناس في هذه الأيام بذكر
(الإسلام) و (الجامعة الإسلامية) وكيف تتكون الجامعة الإسلامية إذا كان المسلم
المصري يعادى المسلم الشامي والمغربي والحجازي وأولئك يعادونه أيضًا؟ نسأل الله
البصيرة والهداية لهؤلاء الأغرار لعلهم يرشدون.
ونحمد الله أن مولانا السلطان الأعظم عبد الحميد الثانى أيده الله تعالى هو
الملك الثانى (والأول هو السلطان سليم ياوز) الذي عقل مضرة التعصب للجنس
ولولا شدة عصبية الأتراك لقلب الأوضاع , وغير ما عليه الدولة من نظام
الاجتماع , وكلنا على علم بحزب (تركيا الفتاة) الذي تألف لمقاومة ذاته الكريمة؛
لأن سياسته غير مرضية عندهم. وقد شغل فساد هذا الحزب الضار أفكار جلالته
فأخذ جزءًا غير قليل من وقته الثمين , ولولاهم لصرف في مصلحة الدولة والأمة
ورأيت أيضًا غير واحد من عظماء الأتراك سياسته إسلامية لا تركية ولا وطنية ,
ومنهم دولة الغازى مختار باشا الذي كنت أسمع من الناس أنه كان في اليمن يسير
سيرة تركية , وأن العرب هناك لاقوا من تعصبه أضعاف ما يقتضيه التأديب
وتستلزمه المصلحة. ولكننى لما اتصلت بدولته في مصر , وذاكرته في شئون
الدولة العلية والإسلام كذب الخبر , وعلمت أن سياسته إسلامية , وإن شئت قلت
سليمية (نسبة للسلطان سليم عليه الرحمة) إلا أن يكون هذا الرأي قد حدث عنده بعد
ذلك , وعلى كل حال نسأل الله تعالى أن يكثر من أمثال هؤلاء العقلاء الفضلاء في
الدولة العلية عسى أن تتوحد الأمة بسعيهم , وتتكون الجامعة الإسلامية باهتدائهم
وهديهم وما ذلك على الله بعزيز.
(سيأتي الكلام على مدنية العرب بخصوصها)