للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الحركة الإسلامية الحاضرة

أتى على الأمة الإسلامية حين من الدهر , وهي في سكون وهمود ونوم
مستغرق حسبته الأمم الحية موتًا؛ فطفقت تتنازع على تراثها واقتسام بلادها , ولم
تقنع بأخذ البلاد وما فيها من الخيرات والبركات , بل حاولت الانتفاع بهذا الجسم
الكبير الذي فقد الحياة الاجتماعية كما تنتفع بالأحجار والآلات والأدوات , بل
طمعت في سلخ جلده لتتخذ منه القفازان لأيدي السيدات الناعمات لما فيه من
المشاكلة والمناسبة , وحاولت سحق عظامه لأجل تصفية السكر في معاملها , أو
لتدخله في مادة الطعام المسمى (المكرونة) وما كان هذا بدعًا في نظام الخليقة ,
ولا غريبًا في تاريخ الأمم , فإن انتفاع الإنسان بسائر المخلوقات حتى ما كان على
شكل الإنسان وابتلاع القوي للضعيف وتحلل الميت ثم دخوله في بنية الحي؛ كل
ذلك معهود ومشهود في كل زمان ومكان.
نقب في الولايات المتحدة الأميركية التي هي زينة الدنيا هل تحس فيها أحدًا
من سكانها الأولين أو تسمع لهم ركزًا؟ كلا إنهم أدغموا في بنية الأمة الحية
المستعمرة كما أدغم الرومانيون والمصريون في بنية الأمة العربية عندما استعمرت
بلادهم من قبل {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} (الأحزاب: ٦٢) .
إلا أن الأمة الإسلامية لم تصل في الضعف إلى ما كان عليه هنود أميركا عند
دخول الأوربيين بلادهم , وليست النسبة بينها وبين الطامعين فيها كالنسبة التي
كانت بينها وبين الرومانيين وغيرهم من قبل , فإن القوة التي سادت بها على جميع
الأمم في أوائل نشأتها إنما هي قوة الإصلاح السماوي الذي كان البشر كلهم في أشد
الحاجة إليه؛ لما كان عليه جميع الأمم من الفساد , وقد ترك المسلمون في هذه
الأزمنة أكثر قواعد ذلك الإصلاح , وأخذت الأمم الغربية منها ما استعلت به على
المسلمين الذين أخذته هي عنهم واقتبسته من أنوار علومهم. وما يحتاج المسلمون
الآن إلا إلى التفاتة واحدة إلى ما كان عليه سلفهم مع ملاحظة أن سعادتهم كانت فيه
وشقاوتهم بتركه , فيعودوا إليه مسارعين ويستتبع هذا مجاراة الغربيين في جميع
علوم الدنيا وفنونها والقوى الآلية الناشئة عنها وتدحض حجة الأوربيين القائلين:
إنهم إنما يعتدون عليها لأنها عدوة المدنية الحاضرة , ولا يحاولون إلا تحليتها بهذه
المدنية حبًّا بالإنسانية.
قلنا: إن الأمم الحية حسبت الأمة الإسلامية ميتة فتحاملن عليها تحاملاً شديدًا
وتصرفن فيها كما يتصرفن بالجمادات، وبينَا هن وادعات ساكنات غارَّات آمنات
لا يحسبن لحياة هذا الجسم الذي بين أيديهن حسابًا، إذا به قد اختلج بعض أعضائه
وتحرك لسانه بالتأوه والصياح؛ فاضطربن لحركته اضطرابًا عظيمًا , وعلمن أن
فيه رمقًا من الحياة , وأمسين في خوف وحذر من سريان الحركة في جميع
الأعضاء , ثم نهوض الجسم كله ومنازعته إياهن الحياة والبقاء كما هو شأن
جميع الأحياء وطفقن يتساءلن عن السبب في هذه الحركة , وعن الطريقة المثلى
لإبطالها , فكثرت الآراء وتعددت الأقوال , وصرحت جريدة التيمس الشهيرة
من عهد قريب بأن السبب في هذه الحركة الإسلامية هو شدة تحامل الأوربيين على
المسلمين , وذكرت من الجزئيات في هذا مقالات هانوتو الأخيرة , والرسالة
التي نشرها القسيسون في مصر وسموها (أيهما المسيح أم محمد) وجعلت العذر
للمسلمين في ذلك وكل الأوربيين يخشون أن تكون نتيجة هذه الحركة قيام
المسلمين على الأوربيين والمسيحيين عمومًا , وهو وهم بعيد وخطأ لا يحوم
حول الصواب.
وما تلك الحركة والصيحة إلا حركة النائم المستغرق نُخس ولُكز؛ فتحرك
وصاح ثم مضى في نومه , ولكنه كان في هبوغ وتسبيخ (هو أشد النوم) فصار
في طور الكرى والغمض (أي بين النائم واليقظان) ومن كان هذا شأنه فهو
قريب من اليقظة والانتباه , ولا شك أن قليلاً من الضغط السابق ونزرًا من مثل
التحامل الماضي يوقظان هذه الأمة في وقت قريب.
ولذلك أشارت جريدة التيمس بوجوب كف الأوربيين عن التعرض لدين
المسلمين وقالت: إنهم إذا عادوا بعد ذلك للكلام في الجامعة الإسلامية ومزج
السياسة بالدين فلا عذر لهم , وتعلم التيمس كما يعلم جميع ساسة أوربا وعلمائها أن
المسلمين لا جامعة لهم ولا جنسية إلا في دينهم فإذا انحلت الرابطة الدينية فليس لهم
رابطة تقوم مقامها , ويستحيل أن تنجح أمة بل توجد بدون رابطة عامة يرتبط بها
جميع أفرادها , وتكون لها المكانة العليا من نفوسهم , وإن فريقًا من الذين تربوا في
مدارس الأوربيين وما على شاكلتها وأشربت قلوبهم عظمتهم ومدنيتهم قد حاولوا أن
يقنعوا المسلمين بأن نجاحهم وسعادتهم في (الرابطة الوطنية) وأن خيبتهم
وشقاءهم في الرابطة الملية التي يطلقون عليها عند الذم لفظ (التعصب الديني)
ولكنهم ما نجحوا في إرشادهم أو إغوائهم هذا , ولا ينجحون مهما كتبوا وخطبوا؛
لأن غير المسلم منهم لا يلتفت لقوله المسلمون , ومن عساه يوجد منهم مسلمًا فهو
على غير بينة مما يدعو إليه أو من الذين إذا سموا الوطنية (أشرف الروابط)
يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم , وقد قلنا ولا نزال نقول: إن الفائدة الحقيقية
من هذا الشيء الذي يسمونه وطنية هي أن يعيش أبناء الأديان المختلفة في كل بلاد
بالمجاملة والمسالمة والتعاون على ترقية بلادهم , وهذه الفائدة لا توجد على كمالها
إلا في الإسلام , ولا يمكن لأحد أن يقنع المسلمين بها على أنها وطنية شريفة
ويمكن لكل أحد أن يشربها قلوبهم باسم الدين إشرابًا.
فليهدأ روع ساسة أوربا وجرائدها، فما على المسيحيين في بلاد الإسلام من
سبيل , وليس المقصود من الحركة الإسلامية إلا أن تجاري الأمة سائر الأمم الحية
في ميدان الحياة فتعلم كما يتعلمون , وتعمل كما يعملون , وتكتسب كما يكتسبون ,
وتقتصد كما يقتصدون , ثم تحفظ استقلالها كما يحفظون.
وإن تعجب فمن العجب العجاب أن جسم الأمة الإسلامية لم يشعر كله بهذه
الحركة التي حدثت فيه وأكبَرَ أمرَها الأوربيون , ولم ينس الناس تلك المحاورة
بين أحد مشايخ الأزهر وأحد المجاورين فيه وكيف رد الشيخ على المجاور قوله في
فوائد علم تقويم البلدان والتاريخ. إن بعض عقلاء المسلمين وفضلائهم يسعون في
هذه الأيام بتنبيه المسلمين لجمع كلمتهم واتحادهم , ولابد في هذا من معرفة أهل كل
قطر منهم أحوال الأقطار الإسلامية الأخرى , وهذا من علم تقويم البلدان والتاريخ.
وما كان رد الشيخ على هذا إلا أن قال: إنه لا يسلم أن أحدًا يسعى فيما ذكر , وأنه
هو لم يسمع بهذا إلا في ذلك اليوم من ذلك المجاور! ! ! فكأنه لم يقرأ المؤيد ولا
جريدة أخرى من الجرائد الإسلامية بل وغير الإسلامية قبل ذلك اليوم , وكأن هذه
المسألة نظرية من النظريات الفكرية فيكفي في منعها قوله: لا نسلم! ! ويقول
العقلاء: إنه لا وسيلة لتعميم هذه الحركة الإسلامية وتقويتها إلا استمرار أوربا على
الضغط على المسلمين لا سيما من الوجهة الدينية كمحاولة منع الحج , وتقدم القول
بأن بعض الأوربيين تنبهوا لهذا الأمر , ولا ندري ماذا تكون عاقبته , والله بكل
شيء عليم.