للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


قليل من الحقائق عن تركيا
في عهد جلالة السلطان عبد الحميد الثاني

الأرمن وفتنتهم
(تابع ويتبع)
ومما لا بأس بذكره عقب هذه الرسالة الإلهامية بعض جمل اقتبسناها من
رسالة لمكاتب خاص بالجريدة المسماة (الصحافة المشتركة) ولا ريب في أن هذا
الكاتب ليس صديقًا للترك , ولا لحكومتهم فانظر ما كتب وهو:
مما لا مرية فيه أن ثوار الأرمن كانوا قد ائتمروا بالقسيس المحترم إدوارد
ريجس واثنين آخرين من المرسلين الأمريكيين؛ ليقتلوهم في مرسوان ويلصقوا
تبعة قتلهم بالترك حتى يتيسر لحكومة الولايات المتحدة أن تعاقب الحكومة العثمانية
عقابًا عاجلاًً , ويمكن بذلك أن ينال الأرمن استقلالهم , فإذا قلب الإنسان صحف
التاريخ ليقف على مؤامرة أعرق من هذه في الشر وأبلغ في الفظاعة فإنه يفنى زمنه
قبل أن يجد ما يطلبه , على أنها لم تكن مجرد فكرة خطرت ببال أولئك الأشرار ,
بل إنهم كانوا على وشك تنفيذها لو لم يكشف أمرها لأولئك القسيسين أرمني من
أصدقائهم , ولم يكن ذنب الدكتور ريجس عند الأرمن سوى أنه وقف نفسه وقضى
حياته في تربية أحداثهم بمدارس المرسلين , وفعل أكثر مما فعله أعظم أرمني في
جعلهم جديرين بحكم أنفسهم، فكأن الثوار لم يفطنوا لهذا الأمر ولم يفكروا فيه كثيرًا ,
ثم إنه وإن كان من المتعذر علينا معرفة غاية الأفكار الأساسية للثائرين لكن مقاصد
بعض زعمائهم تمجها الطباع مجًّا كليًّا.
وملخص هذه المقاصد أنهم يريدون التنكيل بالترك وابتلائهم بالفظائع؛ ليثور
غضبهم فيخرجوا في الانتقام عن حد الاعتدال فيهيج ذلك عليهم المسيحيين , فإذا
لامهم لائم على هذه المقاصد المنافية لمبادئ الدين المسيحي اكتفى زعماؤهم في
الجواب عن هذه بقولهم لذلك اللائم: لا مرية في أنك ترى مقاصدنا صارمة،
ووحشية , ولكنا نعلم ما نفعله ولماذا نفعله.
ثم إن طرق هؤلاء القوم في حصولهم على المال تدل على دهائهم كما تدل
عليه مقاصدهم السياسية وثورتهم , فإنهم يكلفون أشخاصًا ممن هم أقل منهم علمًا
ودراية بتقديم آلاف مؤلفة من الغروش لهم , وإن أردت أن تعرف كيف يحصل
هؤلاء على تلك النقود فهاك مقالا على طريقتهم في ذلك وهو:
(إن أحد سراة الترك من الموظفين في الحكومة تلقى في صباح يوم مكتوبًا
يتضمن الوعيد بالقتل إن لم يودع في مكان كذا مبلغ اثني عشر ألف قرش في أربع
وعشرين ساعة , ولما تحرت الحكومة أمر هذا المكتوب؛ أداها التحري إلى أن
كاتبه أرمني كان مستخدمًا لذلك الموظف , وقضى في خدمته عدة سنوات , وقد
اعترف بجنايته لكنه ادعى مدافعًا عن نفسه أن الثوار هم الذي أكرهوه على كتابة
ذلك المكتوب وتوعدوه بالقتل إن لم يفعل وأنه لما رأى نفسه في هذه المسألة مترددًا
بين إرادتين: إرادتهم منه تنفيذ ما طلبوه , وإرادة القانون وهي عكس ذلك؛ اختار أن
ينفذ رغبتهم ففدى ذلك المسكين حياته بمدة طويلة قضاها في الحبس. والذي يعتقده
الناس أن كثيرًا من الأحوال حصل بهذه الطريقة , لكن لا يمكن لأحد أن يقول:
إنها خرجت من جيوب زعماء الفتنة , وقد شاع أنها صرفت في شراء بنادق غير
أن هذا الأمر لا يعلمه إلا أولئك الزعماء أنفسهم) .
فهل يصح لأي إنسان فيه ميل إلى الحق ومسكة من العقل أن يقول بعد قراءة
ما تقدم أن الترك وحكومتهم هم الذين يضطهدون الأرمن ويسعون في محق جنسهم
وملتهم من على وجه البسيطة , كلا , بل إنه من المحقق أن الأرمن الصادقين في
ولائهم للحكومة والمحترمين للقانون لا تقتصر الحكومة على وقايتهم بحمايتها , بل
إنها ترقيهم إلى مناصبها السامية , يدلك على ذلك أن منهم من ارتقى إلى منصب
الوزارة في الدولة , ومن الثابت المحقق أيضًا أن الأرمن في تركيا وعددهم لا يكاد
يزيد عن ٩٠٠٠٠٠ نسمة لهم مدارس خصوصية , ولغتهم وآدابهم محفوظة
وجنسيتهم محترمة , ورؤسائهم يرقون في معارج المناصب ومراتب الشرف , على
أن الدول المسيحية في أوربا وأميركا لا تعبأ باليهود والأسبانيين الكاثولكيين لم
يسمحوا لمسلم واحد أن يبقى ببلادهم في أوربا فطردوهم عن بكرة أبيهم من قرون
خلت , والسبب في هذا الفرق العظيم بين تركيا وغيرها من الدول في المعاملة هو
أن الدين الاسلامي في الحقيقة مبني على التسامح والتساهل , ولو لم يكن هذا
التسامح لما وجد في تركيا على بعد أطرافها مسيحي واحد في زمننا هذا , ولكان
ذلك مفيدًا للأتراك فإنه لولا وجود المسيحيين في بلادهم ما كان يوجد ما يسمى الآن
بالمسألة الشرقية , فهم يذوقون اليوم ألم التسامح الذي هو ركن أساسي من أركان
دينهم , وكان يجب على أوربا وأمريكا شكرهم عليه , ولكنا نرى عوضًا عن ذلك
عددًا ليس بالقليل من فصحاء المسيحيين يعين الناس في تركيا على ما لايعينهم عليه
في بلاده من الفتنة وشق عصا الطاعة فهل هذا هو الإنصاف؟ .
ليس هذا وحده من أدلة إجحاف المسيحيين بحقوق تركيا وظلمهم لها , فمما
يثبت نية الإجحاف أيضًا ما ألصق بالباب العالى من التهم الشنيعة فيما جرى عليه
من السياسة في حق الأرمن الذين تجنسوا بالجنسية الأمريكية منذ كانوا في الولايات
المتحدة ورجعوا إلى أوطانهم التي ولدوا فيها , وذلك بسبب إصراره على معاملتهم
بمقتضى قانون الجنسية العثمانية؛ لعدم وجود معاهدات بين تركيا وأمريكا في شأن
التجنيس , وهو قانون مبني على الحكمة واللزوم سنته الحكومة العثمانية , ونشرته
قبل المشاغب الأوربية بزمن طويل , وسأقدم للقراء بيانًا مختصرًا للحقائق كما هى
في الواقع لا على الصورة التي يعميها بها أعداء تركيا راجيًا أن يكون ذلك مفيدًا لهم
في فهم حقيقة هذه المسألة فأقول:
صدر قانون الجنسية العثمانية في ١٩ يناير سنة ١٨٦٩ وها هي نصوص
مواده.
لها بقية
((يتبع بمقال تالٍ))