فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


أوروبا والإصلاح الإسلامي

بينا في المقالة التي افتتحنا بها الجزء الماضي من المنار أن الأوربيين كانوا
يظنون أن الأمة الإسلامية قد قضي عليها فلا ترجى لها حياة اجتماعية , وأنهم لما
رأوا بعض أعضاء هذه الأمة تحرك؛ ذعروا ودهشوا وأوجسوا في نفوسهم خيفة ,
وطفقوا يراقبون شخصها في نومه فكلما تعارَّ [1] ؛ قالوا: إنه هب مستنفرًا لإجلائنا
من بلاده وتقليص ظل سلطتنا عن رأسه.
ونعني بهذا اهتمام القوم لما تكتبه الجرائد الإسلامية , وما ترمي به أفواه
الخطباء في الجمعيات التي نمدحها إذا قلنا: إنها في دور الطفولية , فقد بلغنا أن
قناصل الدول في مصر يهتمون بترجمة كل ما يكتب حتى في الجرائد الصغيرة التي
تشبه فقاقيع الماء تظهر كهيئة القبة الزجاجية ولا تلبث أن تتلاشى وتضمحل , ولا
يكاد يشعر بها إلا من يراقبها مراقبة دقيقة.
يروعهم منا اسم (الإسلام) و (الجامعة الإسلامية) و (الاتحاد الإسلامي)
يظنون أن وراءها غارات تشن , وحروب تشب , وتعصبًا يدمي , وتحزبًا يفني ,
والصواب أن أكثر اللاغطين بتلك الكلمات والراقمين لها في تلك الورقات إنما
يقصدون بها تزيين اللفظ واستلفات اللحظ؛ جلبًا للمال وتحسينًا للحال. كالصدى
يحكي الطائر المغرد , والأخذ بالظواهر قصارى فعل المقلد.
وقد يتزيى بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان ما لا يلائمه
وأما من يتكلم عن بصيرة , ويعمل عن حمية وغيرة , فهم يعلمون أن محاولة
الطفور غرور بل جنون , وأن بلوغ الغاية في البداية محال لا يكون , فلا يطالبون
المسلمين بأن يكون لهم سلطان واحد وحكومة واحدة , وأن يخرجوا على حكامهم من
غير المسلمين فيبيدوهم أو يجلوهم عن بلادهم , فإنهم يعلمون أن التحريض على
هذا تحريض على إبادة الشرق أو إبادة العالم الإنساني إلا قليلاً , والتحريض على
مثل هذا يمنعه كل دين ويأباه كل عقل.
نعم إن هنا مسألة يسوء الأوربيين ذكرها في الجرائد على أن ذكرها وعدمه
سيان؛ لأنها معلومة بالضرورة لكل مسلم , وهي أن الدين الإسلامي دين سلطة
وسياسة لا دين تعبد وتحنث فقط , فمن أصوله أن يسعى أربابه بأن تكون لهم
السلطة على العالم كله , لا على المسلمين وحدهم كما يظن البعض , ولكن هذا
الأمر من وظائف الخلفاء والأمراء , لا من وظائف العامة فترشدها إليه الجرائد
والخطباء , وتؤلف لأجله الجمعيات , وإننا نعتقد أن الله تعالى ما كلفنا بنشر ديننا
في جميع العالم ورفع لواء سلطتنا على رؤوس جميع الشعوب لأجل الأبهة
والفخفخة , وتمتع الملوك والأمراء بالسلطة المطلقة , واستعباد الناس وإذلالهم
وإنما أمرنا الله باستعمار الأرض وإصلاح الناس , ولذلك ذكر في أول الآيات التي
نزلت في الإذن بالقتال هذا المقصد الشريف , فقال عز من قائل:] أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ
حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ
وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ [2 {يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ
لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} (الحج: 39-41) فذكر من
الحكمة في الإذن بالقتال المدافعة وإزالة الظلم , وحفظ المعابد التي يذكر فيها الله
تعالى , وذكر من وصف المقاتلين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وذلك إما
بالإلزام وإما بالتربية والتعليم , وهذا هو الإصلاح الأكبر , فإذا كان حكامنا يتركون
سيل الفساد والظلم في بلادهم وما يجرف حتى صارت أبعد بلاد الله عن العمران
وأقربها إلى الفساد فكيف لنا أن نحرضهم مع هذا على أن يضموا غيرها إليها؟ .
كلا إننا لا نطلب من حكامنا الآن إلا إصلاح البلاد التي يحكمونها , وإقامة
العدل فيها؛ لتعمر البلاد وتسعد العباد.
وأما الأمة فإننا نطالبها في كل قطر من الأقطار وتحت حكم أية دولة من
الدول بشيء واحد صرحنا به مرارًا تارة بالإجمال وتارة بالتفصيل: وهو مجاراة
الأمم الحية في العلوم والأعمال.
وإن سألتم عن السبب في مطالبتها بهذا بلسان الدين , وسوقها إليها بسوط الدين؛
فهاؤم اقرأوا جوابيه:
أنتم أيها المعترضون تعتقدون أنه لا سبب لتأخر الأمة الإسلامية في جميع
بقاع الأرض عن سائر الأمم إلا دينها الذي هي عليه , فكيف يمكن لأحد أن يتصدى
لإصلاح هذه الأمة بقول أو فعل ولا يكون جل عنايته أو كلها في دينها؟ لقد حفيت
الأقلام وخفتت الأصوات من كثرة ما كتبنا وخطبنا في موضوع شقاء المسلمين
بدينهم الذي سعد به أسلافهم , وبينا أن علة الشقاء إنما هي في ابتداعهم فيه , لا في
اتباعهم له , وفي لبسه كما يلبس الفرو مقلوبًا كما قال الإمام علي كرم الله وجهه في
بعض أهل عصره , واستقباحهم ما استحسنه واستحبابهم ما كرهه.
فإن الإسلام دين الفطرة الآمر بكل علم نافع الناهي عن كل جهل مضر.
فأمسى أهله يعادون كل علم لأجل الدين , ويقاومون كل إصلاح باسم الدين
ويفندون كل نظام لتأييد الدين , ويؤيدون كل خلل انتصارًا للدين. فإذا قلت: عليكم
بالعلوم الطبيعية لأنها الموصلة إلى الصناعات، قال علماؤهم: إن هذا يريد إفساد
عقول المسلمين. وإذا قلت: انظروا في التاريخ وتقويم البلدان لتعرفوا حالة
الإنسان , قال علماؤهم: إن هذا يصدنا بهذا اللغو عن علوم الدين. فما هذا الدين
الذي هو أكبر بلاء على المتدينين؟ .
هل هو الإسلام الذي تستلفتنا آيات كتابه التي لا تحصى للنظر في ملكوت
السموات والارض ويقول: إن الله تعالى أنشأنا من الأرض واستعمرنا فيها ,
وسخر لنا جميع المخلوقات لننتفع بها؟ كلا , هل هو الإسلام الذي أرشدنا قرآنه إلى
سنن الله في الآفاق وفي أنفسنا وهدانا للاعتبار بها؟ كلا. هل هو الإسلام الذي حثنا
على الجد والعلم , ونفرنا عن الخمول والكسل حتى قال نبيه صلى الله عليه وسلم:
(إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) ؟ كلا , وإنما هي بدع وتقاليد ألفت
فيها كتب لا تحصى , وحشيت فيها كتب لا تستقصى , ويسمى مجموعها دينًا.
قد كان عند الأوربيين مثلما هو عندنا اليوم , وما تسنى لهم الإصلاح الديني
إلا بعد ما وضعوا تلك الحواجز الحديدية دون تلك الكتب الخرافية التي أفسدت العقول
وغلت الأيدي عن العمل , وقيدت الأرجل دون السعي , وجلعت زمام إرادة العامة
في أيدي رؤساء الدين , أليست طبائع الأمم متشابهة وسنن الخليقة واحدة؟ بلى ,
وإن للمسلمين سلفًا لم يكن للمسيحيين مثله , وفي القرآن من الحث على العلم
والعمل ما ليس في الإنجيل ولا في التوراة , فلا بد إذن من الدعوة إلى الإصلاح
الديني قبل كل شئ وسنبين الأصول التي يجب الابتداء بالدعوة إليها بحسب ما
يسمح به المقام إن شاء الله تعالى.