للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الأخبار التاريخية

(صحافي هندي)
أنسنا في هذه الأيام بلقاء رصيفنا الفضائل الهمام محبوب عالم أفندي صاحب
جريدة (بيسه أخبار) التي تصدر في مدينة لاهور عاصمة قسم كبير من الهند في
الزمان الماضي. وهذه الجريدة هي أعم الجرائد الهندية الإسلامية انتشارًا يصدر
منها نسختان إحداهما يومية , والأخرى أسبوعية , والمشتركون فيهما يبلغون ٢٠
ألفًا.
تفضل بزيارتنا قبل أن نعلم بقدومه إلى مصر لما بيننا من التعارف بمبادلة
الجريدتين، وكان حظنا من الاجتماع به كبيرًا بالنسبة لقصر مدة إقامته في القاهرة
وأفضنا في المذاكرة معه في شئون المسلمين وإصلاحهم فعلمنا منه أن إخواننا في
الهند يظنون أن النهضة الإسلامية في مصر والأستانة أرقى منها في الهند , وأنه
ظهر له في سياحته هذه أن الأمر بالعكس. ونحن نحمد الله تعالى على عدم خيبة
آمالنا في إخواننا الهنديين ونسترجع ونحوقل لخيبة آمالهم فينا. وما دامت ضالتنا
حياة الأمة الإسلامية فلا فرق عندنا بين الأعضاء التي تنفخ فيها نسمة الحياة أوّلاً.
ساح الرجل للاعتبار والاستفادة كما هو شأن مثله فجاء أوربا وطاف بعض
عواصمها وكبار مدنها وجاء الأستانة العلية والديار الشامية , وختم السياحة بمصر.
ومن الأسف أن مدة إقامته فيها كانت قصيرة ولكنه زار فيها أعظم معاهدها كالأهرام
والعاديات المصرية في قصر الجيزة والمكتبة الخديوية والأزهر الشريف. أما
مدرسة الأزهر فإنها كانت موضع رجائه ومحط رحال آماله.
حتى إذا قابلها استعبر لا ... يملك دمع العين من حيث جرى
وقال: إنني لا أتصور كيف يُرْجَى الخير للمسلمين إذا كان منبت علمائهم
ومرشديهم ومربيهم بهذه الدركة عن الوساخة والمهانة وخشونة العيش وفقد النظام.
ووقف بالإجمال على سعي بعض أهل الغيرة الدينية في إصلاح هذا المكان وعلى
معارضة المعارضين في ذلك. ولا نطيل في هذا فقُرَّاء مجلتنا أعلم منه به , ولكنا
نذكر أهم ما استفدناه منه في الكلام على النهضة الإسلامية في الهند.
السبب الذي ذكره في هذه النهضة معروف في الجملة، وهو أن المسلمين بعد
أن تمكنت السلطة الإنكليزية في بلادهم حملتهم عداوة الإنكليز على معاداة لغتهم
وجميع علومهم والفرار من مدارسهم , وأقبل الوثنيون على ذلك؛ فسادوا على
المسلمين بالثروة، والوظائف بعد أن كان المسلمون هم السائدين عليهم في كل شيء ,
وكان أوّلُ مَنْ استيقظ منهم من نوع الغفلة والغرور أفرادًا أعظمهم قدرًا وخطرًا
وأشدهم نفعًا وأحسنهم أثرًا السيد أحمد خان مؤسس (مدرسة عليكدة الكلية) التي
هي ينبوع هذه النهضة (وقد ذكرنا مجمل خبره وخبرها في المجلد الأول من المنار
فلا نعيده) , ومما يجب التنبيه عليه أن سنة الله - تعالى - في المصلحين أنهم
يساء فيهم الظن ويرمون بسوء القصد وفساد النية وبمثل هذا كان يتهم السيد أحمد
خان؛ كان يتهم بأنه مغرًى من الحكومة الإنكليزية بإفساد تعاليم المسلمين وعقائدهم
وبث العقائد الطبيعية فيهم لأن الإنكليز لم يروا وسيلة لإفنائهم إلا هذه الوسيلة ,
ومن العجيب أن مثل هذه التهمة كان يصدقها الفيلسوف العظيم السيد جمال الدين
الأفغاني وكان يعادي السيد أحمد خان ويطعن فيه غيرةً على الدين وحذرًا على
المسلمين , فتبين الآن أنه لا رجاء للمسلمين باسترجاع شيء من مجدهم إلا بمدرسة
السيد أحمد خان وتلامذته ومن تلا تلوهم واحتذى مثالهم , ولولا شدة بغض السيد
جمال الدين للإنكليز لما خابت فراسته بالسيد أحمد خان , ولقد كانت الشبهة على
السيد أحمد خان قوية فإنه لم يسع في تأسيس هذه المدرسة إلا بعد سياحته في بلاد
إنكلترا وإكرام الإنجليز له , أما سبب هذا الإكرام فقد أخبرنا عنه صديقنا محبوب
عالم أفندي , وهو أنه في أثناء ثورة الهنود على الإنكليز أجار بعض ضباطهم
ووجهائهم وحماهم من القتل , وما ذاك إلا عن عقل وبعد نظر في العواقب رحمه
الله تعالى وجزاه خيرًا.
وأعظم بشارة بشرنا بها ضيفنا الكريم هي أن أبناء النهضة الحديثة في الهند
قد جمعوا بين علم الدين وآدابه وأخلاقه وبين علوم الدنيا وأعمالها , وأن جميع
المدارس الحديثة مبنية على أساس الوحدة الدينية , بمعنى أن المسلمين من جميع
الفرق والمذاهب يتعلمون تعلمًا واحدًا لا فرق بين ابن السني وابن الشيعي , ولا بين
ولد الحنفي وولد الشافعي , فلا مثار فيها للتفرق الديني والمذهبي , وهذا هو الركن
العظيم الذي اقترحناه في مقالات الإصلاح الديني في السنة الأولى من المنار
ولا قوام للمسلمين بدونه.
وبشرنا بأن الشبان الهنديين الذين تعلموا العلوم الغربية وجروا في ميادين
المدنية العصرية لم يفش بينهم السكر والفجور والميسر كما فشت في شبان
المصريين أرباب المدنية الوهمية الكاذبة فأضاعت ثروتهم وأفسدت صحتهم
وتركتهم في ظلمات لا يهتدون معها لطريق السعادة. كما بشرنا بأن المتعلمين لا
يقصرون أنظارهم على وظائف الحكومة كما هو الشأن الضار في مصر , بل إن
ميلهم إلى التجارة يفوق ميلهم إلى الوظائف.
ومن آثار النهضة الإسلامية في الهند أن قامت قيامة المسلمين عندما صدر
أمر الحكومة الإنكليزية بأن تكون لغة الهندوس (الوثنيين) لغة رسمية كلغة
الأوردو (لغة مسلمي الهند) في ولاية (بنجاب) وولاية (أضلاع غربي شمالي)
وهالهم هذا الأمر، ولا يزالون يسعون في إبطاله , وقد عقدت لذلك لجان
مخصوصة , وكان من الأعضاء فيها محدثنا محبوب عالم أفندي , وقد كثرت
شكوى جرائد الهند الإسلامية من هذا ورددت صداها الجرائد الإسلامية في مصر
وسوريا والأستانة , ولكن الأمر اشتبه على هؤلاء فظنوا أنه عام في البلاد الهندية
كلها , ومنهم من توهم أن لغة الهندوس صارت الرسمية من دون اللغة الأوردية ,
والصحيح ما ذكرناه أوّلاً كما تحققناه منه بمراجعة القول مرارًا خلافًا لما نقلته عنه
بعض جرائد الأستانة فسوريا. وقد سافر في مساء يوم الخميس الماضي وتفضل
بقبوله وكالة مجلتنا (المنار) في عموم الأقطار الهندية فهي تُطْلَب من إدارة
جريدته وعلى المشتركين في الممالك الهندية أن يقدموا له قيمة الاشتراك إذا لم
يرسلوها إلينا رأسًا. رافقته السلامة في الحل والترحال.
***
(الجمعية الخيرية الإسلامية)
أقوى الجمعيات أساسًا وأثبتها وأنفعها , وما زال مولانا الأستاذ الحكيم الشيخ
محمد عبده مفتي الديار المصرية ركنًا من أقوى أركانها , وقد انتخب في هذه الأيام
رئيسًا لها فنهنئها بذلك.