للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


البدع والخرافات

موضوعات رجب
كتبنا في شهر رجب من السنة الماضية نبذة في المنار في (بدع رجب)
ذكرنا فيها بعض الأحاديث الموضوعة في صيام رجب وفضله لا سيما ما يقوله
الخطباء على المنابر، وكل ما ورد في صوم رجب موضوع وواه لا أصل له،
وذكرنا صلاة الرغائب وصلاة شعبان ونُقُول العلماء في كونهما بدعتين مذمومتين.
ونبهنا على المنكرات التي يأتيها الناس في المقابر في أوَّل جمعة من رجب
ونورد الآن بعض الأحاديث الموضوعة في فضائل رجب تذكرة للمؤمنين.
فمنها حديث: (أكثروا من الاستغفار في شهر رجب , فإن لله في كل ساعة
منه عتقاء من النار , وإن لله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب) .
قال في الذيل: في إسناده الأصبغ ليس بشيء. ومنها حديث: (في رجب
يوم وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة؛ كان له من الأجر كمن صام مائة سنة)
إلخ. قال: في إسناده هناج تركوه. وأما ما ورد في صيام يوم منه أو يومين فقد
قال في الذيل: إسناده ظلمات بعضها فوق بعض وفيه وضاع. ومنها حديث: إن
الله أمر نوحًا بعمل السفينة في رجب , وأمر المؤمنين الذين معه بصيامه موضوع.
أما صوم أوّل خميس من رجب فقد نقل في الفوائد المجموعة في الأحاديث
الموضوعة أنه مما أحدثه العوام من البدع , فيظهر منه أنه ليس فيه حديث
موضوع فضلاً عن ضعيف أو قوي , وأن أحدًا من العلماء لم يقل باستحبابه ,
ولكنني أتذكر أنني رأيت فيه شيئًا في بعض الكتب أو سمعته في بعض الخطب ,
وأنني كنت أصومه لذلك , فلعل بعض المتأخرين من أهل الجراءة على الله ورسوله
رأى العوام على ذلك؛ فخلق لهم فيه حديثًا , فإن كل زمان لا يخلو من وضاعين ,
وإننا نرى في كتب المتأخرين الذين يدعون العلم والتصوف أحاديث لا شك في أنها
موضوعة وأنهم هم الواضعون لها كحديث: (يفسد هذا الدين عالم وابن ولي) أراد
به بعض المنتسبين للطريق إهانة آخرين من أهل طريقة أخرى فحسبنا الله
ونعم الوكيل.
***
كرامة وهمية بمحو شريعة قطعية
ما رزيء الدين برزيئة إلا وتجد أهل الفتنة حسنوها بالتأويل. فأضلوا كثيرًا
وضلوا عن سواء السبيل. وقد نَمَى الينا عن أحد أكابر مشايخ الأزهر أنه ذهب
مرة إلى جامع السيد البدوي (رحمه الله تعالى) في أيام المولد فأراد الوضوء ,
ولكنه رأى أن ماء الميضأة متغير من الأقذار والنجاسات تغيرًا يحدث الخبث ولا
يزيل الحدث قال الراوي: (فطبقها على قواعد الشريعة فلم تنطبق) فرجع أدراجه ,
فما كان إلا أن جُذب جذبة وأخذ عن نفسه أخذة فرأى أنه في أرض صحراء ملأى
بالنجاسات والأقذار تنبعث عنها الروائح الكريهة فعلم أن تلك كرامة السيد جعلها
عقوبة له على اعتراضه في سره على ميضأته وتقذره من الوضوء منها.
فكان من مقتضى هذه الكرامة أن السيد يغار على ميضأته النجسة ما لا يغار
على الشريعة المطهرة , وأنه يعاقب من يرغب عنها عملاً بدين الله تعالى واحترامًا
لشريعته. ولا شك أن الولي ما كان وليًّا إلا بالعمل بالشريعة والغيرة عليها
والاحترام لها وترجيحها على جميع أهوائه وحظوظه عملاً بحديث: (لا يؤمن
أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) وإذا صح عن ذلك العالم هذا القول
فعلى الدين والإسلام السلام.
***
عبرة من صغير
رأيت غلامًا يبلغ من العمر بضع سنين يرقص في الطريق بكيفية مخصوصة
فسألته: من تحاكي بهذا فقال (زي اللّي يلعبو بالذكر) فأثرت في نفسي كلمة هذا
الغلام وعلمت أنه سمى رقص أهل الطرق الذي يهمهمون فيه الهمهمة التي يسمونها
الذكر (لعبًا) بإرشاد الفطرة السليمة، فإنه فهم من الاستعمال العام معنى اللعب
الكلي ولما رأى ما عليه أولئك القوم علم أنه جزئي من جزئيات ذلك الأمر الكلي
فأطلق اسم اللعب عليه , وكأنك بالتربية الفاسدة والأوضاع الخاطئة وقد أفسدت عليه
فطرته وحملته على أن يسمي اللعب (عبادة) , وإذا أتاح الله له تربية صالحة يظل
على اعتقاده حتى يفهم معنى قوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً} (الأعراف: ٥١) الآية , ويعلم أن هؤلاء اللاعبين نسخة من أولئك مصداقًا لقوله
صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لتركبن سنن من قبلكم شبراً بشبر
وذراعاً بذراع) .
***
عذر جريدة الأفكار في ذنبها
ربما يعجب من يرى هذا العنوان في باب البدع ... ممن يقرءون جريدة
الأفكار الغراء ويقولون في أنفسهم: ما بال المنار يتصدى لهذه الجريدة الموافقة له
التي تنقل كثيرًا من نبذه مع الاستحسان وما هو ذنبها لديه؟
نشر في عدد مضى من هذه الجريدة مقالة أساء كاتبها الأدب فحط من كرامة
من كرم الله وجهه أمير المؤمنين علي ربيب الرسول صلى الله عليه وسلم وابن عمه،
وفضل عليه يزيد الذي اختلف العلماء في لعنه وكفره، ولم يختلفوا في شقاوته
وفسقه. ولم يكن صاحب الجريدة هو الذي كتب تلك المقالة الأثيمة بل كتبها محرر
كان عنده، ولا أظن أنه اطلع عليها إلا بعد طبعها، ولذلك بادر إلى فصل ذلك
المحرّر وإخراجه من إدارة جريدته. وهذا هو السبب في سكوتنا عن الرد على
الجريدة والتنفير عنها والتحذير منها , ولولا أن كتب إلينا حتى من سوريا الاستلفات
إلى تلك الكتابة الخاطئة الكاذبة واللوم على السكوت والحث على الرد لما كتبنا هذه
الكلمات الآن وإنما كتبناها إظهارًا لعذرنا في السكوت عن أهم واجب من الواجبات
التي أنشىء المنار للقيام بها , وإظهارًا لعذر صاحب الجريدة الفاضل الذي أساء به
الناس الظن , وحسبوا أنه من النواصب الذين يبغضون الإمام عليه الرضوان
والسلام حتى هَمّ بعض أهل الغيرة من أشراف البلاد الشامية أن يكتب لمولانا
السلطان الأعظم يطلب صدور إرادته للحكومة المصرية بمعاقبة صاحب جريدة
الأفكار.
***
كتاب البهائية وكتاب المسيح أم محمد
كتاب (المسيح أم محمد) لم يلتفت إليه مسلم ولا يخشى أن يتنصر به مسلم.
وقد قامت عليه قيامة الجرائد الإسلامية , وهوّلوا فيه الأمر حتى أوهم كلام
المتطرفين منهم أنه ربما تحدث فتنة في البلاد حتى صدر أمر الحكومة بجمعه وبقي
يباع إلى الآن في المكتبة الإنكليزية ولا يرغب فيه المسلمون ولا يبتاعونه لاعتقادهم
أنه كفر يجب أن لا ينظر فيه , وأما كتاب البهائية فقد نشر بينهم بأسماء إسلامية ,
ومبدوء ببسم الله الرحمن الرحيم , ومكتوب عليه أن ناشره من أهل الأزهر وأنه
يباع فيه , وقرظته جريدة إسلامية كانت أشد الجرائد لهجة في انتقاد كتاب النصارى
ولذلك راج فيهم وانتشر بينهم واعتقد مبتاعوه أنه من كتب الإسلام المسلمة عند
علمائه الأعلام. ولما رأى بعض من اشتراه كلام المنار فيه؛ أحرقه وطفق يحرق
الأرّم من سعى في بيعه ونشره , وحاول جمعه من الأيدي فلم يتيسر , ومن أين
يصل المنار إلى كل من اشترى ذلك الكتاب الضار.
فنقترح الآن على فضيلة شيخ الجامع الأزهر أن يطلب من الحكومة جمعه،
وأن يعلن في الجرائد أن هذا الكتاب فيه ما يخالف الدين ويؤيد البدعة. وأن
المجاور الأزهري الذي نشر الكتاب باسمه قد تبرأ منه على أنه عوقب على
تصديه لنشره، وأنه لا يجوز لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يشتري هذا الكتاب
ولا أن يقرأه إلا أن يكون عالمًا راسخًا في عقائد الإسلام ينظر فيه بقصد الرد عليه
والتنفير عنه , وأنه ينبغي لمن ابتلي بشرائه من غير أهل العلم أن يرده إن أمكن
وإلا فليحرقه. ولا ضرورة لذكر اسمه في الإعلان بل يكتفي بوصفه.