فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


أمالي دينية
(الدرس السابع عشر)

] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [[*]
(47) السمع والبصر
قام البرهان على أن واجب الوجود الذي استمد منه وجوده كل موجود، لا
يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. وأنه يعلم خائنة الأعين
وما تخفي الصدور. ومن المعلومات ما يسمّى العلم به سمعًا , ومنها ما يسمى العلم
به بصرًا , ولهذا سمّى الله نفسه سميعًا بصيرًا كما سمى نفسه عالمًا وعلامًا وعليمًا ,
ولا يمكن أن يكتنه العقل كيفية علم الله تعالى بالمسموعات والمبصرات كما
يستحيل أن يكتنه كيفية علمه بسائر الأشياء إليه. بل الإنسان عاجز عن اكتناه علمه
وسمعه وبصره وعقله , وهي أقرب الأشياء وبها يدرك ويحكم , ويقول الفلاسفة:
إنه عاجز عن اكتناه أيّ شيء من الأشياء كما قررناه من قبل. ولكن الذين ساروا
في تقرير العقائد على طريق قياس الغائب على الشاهد , والقديم على الحادث قالوا
في صفتي السمع والبصر نحو ما تقدم في صفة (العلم) أي أنهم لاحظوا أن لفظي
السميع والبصير يطلقان على من يسمع ويبصر بالفعل , وعلى من له قوة بها يدرك
المسموعات وهي ما يسمى السمع , وقوة يدرك بها المبصرات وهي ما يسمَّى
البصر , فقالوا: إن لله تعالى صفتين قائمتين بذاته تعالى يدرك بهما المسموعات
والمبصرات وهما: السمع والبصر.
ثم اضطروا إلى التفرقة بين الحادث والقديم فقالوا: إن سمع الله تعالى بغير
أذنين , وبصره بغير عينين , ولا يشترط فيهما ما يشترط في الصفتين الحادثتين ,
وإن ما ورد في الكتاب من إضافة العين والأعين إليه تعالى في قوله: {وَلِتُصْنَعَ
عَلَى عَيْنِي} (طه: 39) وقوله: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} (الطور:
48) فهو من المتشابه , وفيه المذهبان المعروفان. وبالغ بعضهم في التحكم
بالتفرقة فقال: إن سمع الله تعالى وبصره يتعلقان بجميع الموجودات , بمعنى أنه
تعالى يسمع الأجسام نفسها وجميع أعراضها من لون ومقدار وطعم وريح , كما
يسمع الأصوات ويبصر الأصوات كما يبصر سائر الموجودات , وجرى أكثر
المؤلفين بعد صاحب هذا القول على تقرير قوله , وجعلوه من أصول العقائد وأسس
الدين. ثم غلوا في هذه الفلسفة , وزاد بعضهم صفة أخرى سموها (الإدراك) ,
وطفقوا يدققون في الإيرادات وأجوبتها , والذي استقر رأيهم عليه أن الله تعالى يعلم
الشيء الواحد على ما هو عليه بعدة صفات , وأن علمه به بواسطة كل صفة منها
غير علمه به بواسطة الأخريات. مثال ذلك أن الله تعالى يعلم صوتي بصفة العلم
وبصفة السمع وبصفة البصر وبصفة الإدراك عند من يقول بها منهم , وأن أنواع
العلم وطرقه مختلفة والمعلوم واحد.
أوجبوا على الناس أن يعتقدوا بهذه الفلسفة الدينية والتحكم النظري. وإن كان
لم يشهد لهما كتاب ولا سنة ولا لغة , ولم يقل بهما أحد من سلف الأمة مع اعتراف
هؤلاء كلهم بأن صفتي السمع والبصر من الصفات السمعية التي لا وظيفة للعقل
فيها إلا حملها على معنى غير محال أن يوصف به واجب الوجود. على أن اللغة
تنافيها. والعقل لا يقتضيها، إذ لو كانت من أصول الإيمان لما سكتت عنها السنة
والقرآن. الذي نعتقد أنه لم يفرط فيه من شيء يتعلق بأصل الدين. لا سيما ما
يجب لرب العالمين.
(48) الواجب اعتقاده
هو الوقوف عند ما جاء في الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وهو أن
الله تبارك وتعالى سميع لأقوال العباد بصير بأعمالهم وأحوالهم من غير بحث في
كنه هذا السمع وهذا البصر , وكيف يحصلان , وهل هما بصفتين زائدتين على
الذات أو داخلتين في مفهومها أو غير ذلك , ومن غير مقارنة بينهما وبين العلم ,
ولا بحث في النسبة بين الأمرين فإن الله تعالى عندما أخبرنا بسمعه وبصره ابتدأ
بتنزيهه عن مشابهة أيّ شيء من الأشياء , فقال عز من قائل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى: 11) , وهذا الاعتقاد يسهل فهمه وقبوله على
الجهول والعليم والعاميّ البليد والفيلسوف الحكيم. وأما تلك التحليلات والتعمقات
فإنها تتعاصى على أفهام العامة. وتكون مثار الشبهات عند الخاصة. ولا يليق هذا
بدين الفطرة والحنيفية السمحة.
(49) الاعتبار
من أراد أن يطيل الكلام في مثل هذا المقام؛ فالأولى له أن يستعين بهذا
الاعتقاد على إنذار الغافلين من العباد. فيستثير العبرة من أعماق القلوب , ويستزل
العبرة من سماء العيون , وينبه النفوس إلى الحياء من الله تعالى أن يراها حيث
نهاها فيكون عندها أهون الناظرين , وأن يسمع منها ما لا يرضاه , فإنه لا يحب
الجهر بالسوء من القول. ذلك ما كان يفهمه العرب من إطلاق هذه الصفات القدسية ,
وهذا هو التأثير الذي كان يودعه في قلوبهم , وهذا الذي يليق بحكمة الله تعالى
وجلاله , ويجعل دينه مصلحًا للنفوس ومثقفا للعقول. بتذكيرها بمراقبته , وحملها
على خشيته. ولم يكن بناء دينه على نظريات أرسطو وأفلاطون. والله يعلم وأنتم
لا تعلمون.
((يتبع بمقال تالٍ))