للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


المرأة الجديدة

كتاب جديد لحضرة العالم الفاضل قاسم بك أمين المستشار في محكمة
الاستئناف بمصر جعله تتمة وإيضاحًا لمباحث كتاب (تحرير المرأة) - الذي نشر في
العام الماضي , فكان له من التأثير ما لم يعهد لكِتاب سواه - وردًّا على الكُتَّاب
الذين انتقدوا ذلك الكتاب، وهو في آياته الباهرة، وأساليبه الساحرة مع الذي تقدمه
كالصنوان، وفرسي الرّهان، ولا غرو فهما فائضان عن ذلك الينبوع العذب،
وفرعان من دوح ذلك النبع أو العذب (نوعان من الشجر) ولذلك رأينا
لهذا من التأثير مثل ما كان لأخيه. فقد اشتغلت الأقلام بمدحه وبالطعن فيه. وكل
إناء ينضح بما فيه.
فمن المقرظين صاحب العطوفة مصطفى باشا فهمي رئيس النظار ,
وأصحاب الجرائد اليومية المعتبرة , ومن المنتقدين باعتدال بعض أساتذة المدارس
الأميرية , ومن القادحين أصحاب الجرائد الصغيرة غير المنتشرة. وأكثر هؤلاء
سخفًا. وأبينهم ضعفًا. من زعم أن تربية النساء على الطريقة الأميركانية التي
يمدحها صاحب كتاب (المرأة الجديدة) يضر هذه البلاد ولا ينفعها - لا لاختلاف
القطرين , ولا لاحتلاف الدين , ولا لاختلاف المصالح والمنافع - ولكن لاختلاف
(الأميال والعوائد) فما هذه الأميال والعوائد التي يقدسها هذا الكاتب , ويفضل البقاء
عليها على التربية التي أساسها الاستقلال والاعتماد على النفس؛ ليقتدر المربي
على القيام بشئون نفسه وشئون بيته , وكفالة من يكلفه الشرع والطبع بكفالتهم. فإن
الأيامَى والخلايا من النساء مكلفات بأنفسهن شرعًا ومكلفات بالكفالة والنفقة لمن لا
كافل ولا عائل له من أصولهن وفروعهن بشرطه. الأميال تتبع العادات ولو كانت
عاداتنا حسنة وميلنا مصروفًا إلى الخير لكنا من الأمم العزيزة القوية , ولَمَا شكا
عقلاؤنا وفضلاؤنا من ضعفنا وتأخرنا وتقدم الأقوياء علينا. وهل جاءنا هذا البلاء
والشقاء حتى صرنا وراء الأمم كلها بعد أن كنا في مقدمتها إلا من فساد العادات؟
إذا لم يقل ذلك الكاتب إنه من العادات فلا مندوحة له أن يقول إنه من الدين. كما
يقول أعدى أعداء المسلمين.
يتألف كتاب (المرأة الجديدة) من مقدمة وخمسة فصول وخاتمة.
أما المقدمة ففي تعريف المرأة الجديدة , وأنها ثمرة العلوم والاكتشافات
العصرية والتعريض بالذين ردوا على كتاب تحرير المرأة , والتصريح بأن المؤلف
لا يكتب لينال تصفيق الجهلاء , وإنما يكتب (لأهل العلم وعلى الخصوص للناشئة
الحديثة) .
وأما الفصل الأول ففي (المرأة في حكم التاريخ) وأهم مسائله: (١) حكم
الكنيسة في المرأة الهاضم لحقوقها , و (٢) تأثير الاستبداد في فساد حال المرأة ,
و (٣) الشواهد الواقعية على نجاحها في أعمال الحكومة مع عدم الإخلال بشؤون
البيت , و (٤) أدوار حياة المرأة الأربعة , وذلك خلاصة بحثه التاريخي , وهي:
الأول: الحرية في العصور الأولى عندما كانت الإنسانية في مهدها , والثاني:
الاستعباد الحقيقي عندما تشكلت العائلة , والثالث: الاعتراف لها بشيء من الحق
مع خضوعها لاستبداد الرجل عندما قامت الإنسانية على طريق المدنية , والرابع:
الحرية التامة عندما بلغت الإنسانية مبلغها من المدنية. ثم ذكر أن المرأة المصرية
اليوم في الدور الثالث من حياتها التاريخية. والكتاب ناطق بأنها لا بد أن تبلغ الدور
الرابع إذا ارتقى المصريون في المدنية الحاضرة كما هي سنة الترقي الواقعة ,
وإنما طلب مساعدة هذا الترقي بما يقتضيه حال الأمة ولا معنى للتربية الحقيقية إلا
هذا.
وأما الفصل الثاني ففي (حرية المرأة) ومهد له فيما قبله بالفرق بيننا وبين
الأوروبيين في ذلك , وأهم مسائله: (١) الحرية الإنسانية وخطأ الفلاسفة فيها
وحال النساء فيها قديمًا , و (٢) تداخل الحكام في المعيشة الخاصة , و (٣)
مراد المؤلف بحرية النساء , و (٤) بحث علمي في المفاضلة بين الرجل والمرأة ,
و (٥) الحجاب والعفة , و (٦) المقابلة بين منافع الحجاب ومضاره ,
و (٧) الحرية وأثرها والتدريج الطبيعي فيها.
وأما الفصل الثالث ففي (الواجب على المرأة لنفسها) وأهم مباحثه: (١)
تقسيم أعمال الإنسان إلى ثلاثة أنواع: ما يحفظ حياته وما يفيد عائلته , وما يفيد
الوجود الاجتماعي , وصرح بأنه يطالب المرأة بالأعمال والمعارف التي تتعلق
بالأولين لا بالثالث , و (٢) الحكم في حقوق النساء ووظائفهن وواجباتهن
بالخيالات والنظريات, والحكم بالاختبار والوقائع , و (٣) انتقاد عادات العرب في
امتهان النساء , وبيان أن سببه كون معيشتهم من الحرب والنهب وأن تلك العادات
أثرت في المسلمين , ثم بيان الفرق بين نساء العرب والنساء المصريات في
المعيشة ولوازمها المقتضي تغيير الحكم والعمل , و (٤) احتياج المرأة لمعرفة
وجوه الكسب وارتفاع المكانة والاستدلال على ذلك بالإحصاء الأخير , و (٥)
النقل عن العالم الأزهري وغيره من الذين ردوا على كتاب (تحرير المرأة) أن
المرأة لا تمنع من كشف وجهها للعمل ومباشرة أعمال الرجال والاختلاط بهم إذا لزم
ذلك لكسب عيشها. ويبني المؤلف على هذا أن تستعد المرأة لذلك قبل وقوعه ,
ويقول: إنه يجب أن يكون عامًّا لا مخصوصا بحال الضرورة , و (٦) تمنى لو
يتعلم النساء حرفة تربية الأولاد وصناعة الطب للاستغناء عن تطبيب الرجال لهن.
وأما الفصل الرابع فهو في (الواجب على المرأة لعائلتها) وأهم مسائله:
(١) القول باتفاق الناس على أن زمام العائلة بيد المرأة , و (٢) تربية الأولاد ,
وفيه أن من جهل النساء كثرة موت الأطفال قال: (وقد اطلعت على إحصائية
مصلحة عموم الصحة التي نشرت في هذا العام، فوجدت أن عدد المتوفين من
الأطفال الذين لم يتجاوز عمرهم خمس سنين هو في مدينة القاهرة ١٤٥ في الألف ,
ويقابل ذلك في مدينة لوندره ٦٨ في الألف) , ثم قال: (إن الأمهات الجاهلات
يقتلن في كل سنة من الأطفال ما يربو على عدد القتلى في أعظم الحروب , وكثير
منهن يجلبن على أولادهن أمراضًا، وعاهات مزمنة تصير بها الحياة حملاً ثقيلاً
عليهم طول عمرهم) , و (٣) إشراك الأباء مع الأمهات بالجهل بالتربية ,
و (٤) بيان أن غاية التربية الفضلى (أن يحكم المرء نفسه) وهو ما عبرنا عنه
آنفًا بالاستقلال , وأن التربية إنما تكون بالاقتداء , وأن قدوة الأطفال في الطور
الأول من الحياةِ الأمهاتُ , وهذا الطور هو الذي تنطبع فيه الأخلاق ويتربى
الوجدان وهما مبعث جميع الأعمال. فلا بد أن تكون القدوة فيه مثال الكمال. في
أصلي الفضيلة والاستقلال , و (٥) تعظيم شأن النساء المهذبات والاستشهاد بذكر
نوابغ منهن , و (٦) البحث في علاج ضعف الأمة الإسلامية , وبيان أن سببه إما
الإقليم , وإما الدين , وإما (العائلة) ثم منع الأولين وحصر السبب في الثالث الذي
مداره على المرأة. ونحن معه في أن فساد التربية سبب مباشر لضعف الأمة
ولكننا نقول: إن من أسباب هذا السبب فهم الدين على غير وجهه , والابتداع فيه ,
والدليل على هذا أن الجماهير من المسلمين يحتجون على منع تربية النساء ,
وتعليمهن بالدين , ولهذا جعلنا جل عنايتنا في المنار مصروفة إلى الإصلاح الديني
بعد أن قلنا في بيان منهاج الجريدة في العدد الأول منها ما نصه: (وغرضها الأول
الحث على تربية البنات والبنين) , و (٧) الرد على الزاعمين أن الأوربيين
يشكون من حرية نسائهم , وبيان أن الشكوى من بعض نتائج الشيء النافع لا
يتضمن الحكم بإبطاله كحرية الطباعة مثلاً من نتائجها تطاول بعض الجهلاء ,
وإبطالها لمنع التطاول دواء أمرّ من الداء وأضرّ.
وأما الفصل الخامس ففي (التربية والحجاب) وسنتكلم عنه وعن الخاتمة في
الجزء الآتي إن شاء الله تعالى.
((يتبع بمقال تالٍ))